EMTC

ادوارد سعيد ينتقد ضعف المقاومة ضد الاستيطان: المنظمة وحدت الفلسطينيين وتشارك في تجزئتهم

د. ادوارد سعيد المفكر والكاتب الفلسطيني البارز, أستاذ الأدب المقارن بجامعة كولومبيا الأمريكية زار غزة قبل سبع سنوات مع بعثة للتلفزيون البريطاني لتصوير فيلم عن مصادرة الأراضي الفلسطينية وآثار الاحتلال على الأرض والشعب الفلسطيني .. اليوم عاد سعيد في زيارة سريعة الى غزة تلبية لدعوة من منظمات غير حكومية. وفي حوار مفتوح على شاطىء البحر أبدى الرجل المقيم في امريكا منذ سنوات طويلة دهشة كبيرة من لا مبالاة الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم, وان الأمر يقتصر على اشكال مقاومة عفوية للاستيطان الذي أصبح (علنيا) وتقتصر المقاومة ايضا على بعض المؤسسات والحركات الاسرائيلية المختصة بالدفاع عن الاراضي, في حين ان السلطة الفلسطينية تنفق من ميزانيتها 60% على الرواتب والوظائف في مقابل 2% للبنية الاساسية, وفي الوقت الذي كان انجازها الاساسي توحيد الشعب الفلسطيني في الشتات فإنها اليوم ــ حسب رؤية ادوارد سعيد ــ تشارك في تجزئته! ركز ادوارد سعيد في حديثه على اربعة محاور رئيسية: الصراع العربي الاسرائيلي, ودور منظمة التحرير الفلسطينية وأهم انجازاتها, والعلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية والنظرة اليها من الخارج ووضعيتها في الداخل, ثم الحداثة في التعليق وكيفية بناء انسان فلسطيني جاد وقوي عبر مشروع حضاري ومؤسسات مدنية. بداية اعتبر ادوارد سعيد ان الصراع الاسرائيلي مع الشعب الفلسطيني ما هو الا صراع عقائدي ايديولوجي مبرمج من خلال حركات صهيونية تشجع على طرد الفلسطينيين من أراضيهم والاستيلاء عليها منطلقة من ان فلسطين عامة هي ارض الميعاد لاقامة اسرائيل الكبرى عليها. وان الصراع اليوم مع اسرائيل يدور حول مصادرة الارض في حين لم توجد طريقة أو أسلوب أو فكرة تسترجع الأرض المسلوبة وتساءل خلال حديثه عن الدور الفعلي الذي تلعبه الحركة الوطنية الفلسطينية في مقاومة الاستيطان أو حتى لاسترجاع شبر واحد من الاراضي التي استولت عليها اسرائيل وقدم عدة أمثلة دامغة على لامبالاة لدى الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم وشدد على أهمية تكريس الجهود للمحافظة على الأرض لا على تأسيس الدولة فقط. وأشار إلى انه خلال زيارته السابقة للضفة الغربية قبل سبع سنوات طاف بالكثير من الأراضي المصادرة والمهددة بالاستيلاء عليها وشاهد عن كثب تحركا استيطانيا مدعما بالآليات وعددا كبيرا من الجرافات الاسرائيلية التي تستولى على الأرض وتشق الطرق الالتفافية. وقال انه لم يشاهد سوى (بعض) أشكال المقاومة الشعبية العفوية لهذا الاستيطان. وأضاف انه اجتمع مع بدو (الجهالين) الذين يتعرضون للطرد والتشريد والتنقل لقرى أخرى ووجد الحزن في وجوههم خاصة انه ليس هناك تحرك أمام الحملة الاستيطانية المركزة التي زادت حدتها بعد عودة (ارييل شارون) وزيرا للبنية التحتية ثم وزيرا للخارجية الاسرائيلية. وألمح المفكر الفلسطيني إلى ان رئيس لجنة الدفاع عن الأرض بالمجلس التشريعي صلاح التعمري بعث له مؤخرا برسالة شرح له فيها أوضاع الأراضي الفلسطينية التي تتعرض للنهب دون احتجاج ويستغرب من ان المواطنين المقيمين في المدن المجاورة لهذه الأراضي لا يدرون ما يجري وان التحرك قاصر على بعض المؤسسات والحركات الاسرائيلية المختصة بالدفاع عن الأراضي وتساءل سعيد عن الدافع وراء وقوف الفلسطينيين مكتوفي الأيدي ازاء الحملة الاستيطانية المسعورة وقال ان قضية مواصلة اسرائيل الاستيلاء على الأرض أصبحت هي الكابوس الذي يعيشه حيث أصبح متخوفا من ان يصحو يوما فيجد الفلسطينيين بلا أرض. وأضاف المشكلة هنا تبرز في كون اسرائيل تصادر الأراضي الفلسطينية بشكل علني ومسبوق بالاعلام ونوه إلى دعوة الوزير الاسرائيلي شارون المستوطنين للسيطرة على كافة الأراضي الفلسطينية التي يوجد بها تلال وما أعقب ذلك من حملة مسعورة للاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية. وشدد إدوارد سعيد على ضرورة اعطاء الأراضي الأولوية الكبرى في نضال الشعب الفلسطيني للدفاع عنها ومقاومة الاستيطان الذي تهدف اسرائيل منه وضع الفلسطينيين في بقعة صغيرة من الأرض كمسجونين. وأوضح سعيد الحاجة إلى مشروع فلسطيني جديد يوحد الشعب وينطلق نحو ثورة علمية واعية والتركيز على الأولويات القادرة على تكوين إنسان فلسطيني قوي وايجاد طريقة تسترجع الأرض الفلسطينية التي تتعرض للاغتصاب وقال سعيد اننا بحاجة إلى مشروع جديد, مشروع حضاري قبل أن يكون سياسيا. وأضاف ان هذا يفرض علينا تبني خطاب جديد بعيد عن الكليشيهات القديمة لاننا نؤسس للديمقراطية ولاستقلالية القضاء. وأشار سعيد إلى ان الصراع الآن مبني على صراع رؤى وثقافات وحضارات وهناك استمرارية للاختلاف بين هذه الرؤى والثقافات مضيفا ان البعد الثقافي والتاريخي أهم بنية لفهم الحركات السياسية وحتى الحركات اليومية السياسية. وعند حديثه عن المحور الثاني المتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية أكد سعيد ان أهم انجازات المنظمة تمثلت في توحيد الشعب الفلسطيني سواء في المنفى أو في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لعام 1967 أو المحتلة لعام 1948 موضحا انه كان هناك وعي لدى الجميع بلا استثناء بين أبناء الشعب الذين تشردوا وتجزأوا بفعل الاحتلال لكن المفارقة العجيبة هنا تشير إلى ان الهيئات نفسها التي بادرت بالتوحيد هي نفسها التي تمارس عملية تجزئة الشعب الفلسطيني حيث أصبح الشعب منقسما ليس بمعناه العريض وإنما من حيث التوزع على مدن في الضفة وفي غزة وفي لبنان وفي الأردن لا يوجد ترابط بينهم جميعا سوى انهم فلسطينيون. ونبه سعيد إلى ضرورة معالجة ذلك الخلل من خلال مشروع فلسطيني جديد يشمل الشعب ويوحده كما كان عليه الحال قبل العام 93 (لدحض المشروع الأمريكي ــ الاسرائيلي الماضي قدما في تقسيم الشعب الفلسطيني إلى عدة شعوب). وحول العلاقات الجديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية نفى سعيد أن يكون المجتمع الأمريكي مجتمعا واقعيا وقال هو مجتمع معقد ومركب وألمح إلى النظرة في العالم الخارجي للولايات المتحدة الأمريكية على انها أسطورة لا يمكن تجاوزها (هي نوع من الجهل العام الذي تتمتع به الكثير من الدول الأوروبية والعربية) ويرى سعيد ان المجتمع الأمريكي غارق في الايديولوجية الأمريكية أكثر من أي مجتمع في العالم وهذا ما تؤكده مدرسة المؤرخين الجدد الأمريكية والتي تتناقض في آرائها وأبحاثها مع التاريخ الرسمي للولايات المتحدة الذي يعتد المجتمع الأمريكي مجتمعا واقعيا. وأكد ان التاريخ الأمريكي مبني على ابادة الشعوب ودلل على ذلك ان الشعوب المحلية في أمريكا وحتى الاستقلال انخفض عددها حوالي 90% عما كانت عليه قبل الاستقلال بسبب القتل والاستلاب وكافة الاساليب الوحشية التي قام عليها تأسيس الجمهورية الامريكية وبين ان الخلافات عميقة جدا بين عناصر المجتمع الامريكي خاصة بين السود والبيض رغم ان امريكا مكونة من لاجئين لكن هناك سيطرة داخل المجتمع الامريكي من احزاب وطبقات واجناس ونبه الى انه لايوجد في المجتمعات الامريكية حتى الآن تخصص او تركيز على التاريخ الامريكي وحتى داخل المؤسسات الامريكية في الخارج لايوجد تركيز على التاريخ الامريكي. واشار سعيد الى ان امريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت القنبلة النووية ضد شعب كامل في اليابان لالشىء الا لغرض هيمنتها وسيطرتها فقط وتحدث عن العدوان الامريكي على العراق والقومية العربية وتطرق سعيد لما طلبه الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان من تفسير لظاهرة السب والشتم العلني التي تستخدمها الدول العربية ضد امريكا وما تقوم به تلك الدول في الخفاء داخل الغرف المعتمة من التهافت على اقامة علاقات معها وتحدث عن حركات المقاومة النسائية والطلابية والعمالية في الولايات المتحدة وانها تقاوم السياسة الامريكية في العالم وخصوصا العدوان على العراق مشيرا الى انه يمكن لهذا التيار التاريخي المقاوم للسياسة الامريكية اذا تم دعمه بتحرك المجتمع لصالح الانسانية والمبادىء ان يكون له قوة حقيقية تغير من المسار الامريكي تجاه العالم ككل سيما وان معظم منتسبي هذه الحركات هم من اليهود. وعن دور اليهود في امريكا قال هناك صهاينة يهود وهناك صهاينة امريكان (مسيحيون) وهناك حركة في جنوب افريقيا يقودها كاتب واميسون وهو متعصب ضد العرب ومع اسرائيل اكثر من 99% من المواطنين اليهود في امريكا وهناك رواد في الحركة المعارضة للصهيونية من فئات اخرى, ارمن, يونان وقال علينا استقطاب هؤلاء الافراد لصالحنا. وانتقد سعيد عدم جديد التعامل العربي مع المعطيات السابقة بقوله مند عشرين سنة ونحن نطالب بمراكز ابحاث داخل الجامعات العربية عن امريكا وعن اسرائيل ومع ذلك لاتوجد دائرة في جامعة عربية او فلسطينية حتى الآن تضع في دائرة اختصاصها المجتمع الاسرائيلي او يهود امريكا. واعتبر مأساة الحركة الفلسطينية انها لم تتعلم من حركات التحرر في العالم مثل فيتنام وكوبا وحركات السود في امريكا موضحا ان الطريق الوحيدة لتغيير السياسة او التأثير عليها تتمثل في تنظيم حملات على المستوى الشعبي يتم التحضير والاعداد لها بشكل جيد يضمن نجاحها واضاف نحن الفلسطينيين كحركة وقضية اهملناها كلنا وهذا بحاجة الى دراسة وتخطيط وانضباط وتحتاج الى سنوات من التركيز والمثابرة وهذا من اهم الامور التي يمكن ان تعطي نتائج ايجابية وتابع سعيد لكننا كفلسطينيين لم نتعلم من الحركات التحريرية في العالم والتي تعاملت بتلك الطريقة ونجحت. واوضح ان الهوية الفلسطينية او العربية غير معروفة للمجتمع الامريكي لاننا لانسوق انفسنا والمعروف عنا بحكم الاستشراق والاعلام هو التركيز على الارهاب وعلى التطرف الديني, واكد على عدم وجود سياسة ثقافية عربية تركز على ادراج الحضارة العربية داخل الحداثة العالمية واضاف هذا ما يجعلنا نجد ان رواية مكتوبة باللغة الاسبانية من جنوب امريكا تترجم وتسوق اكثر من الرواية العربية المعاصرة كما ان الادب العربي الحديث المعاصر وغير معروف لامريكا ولاتوجد جامعة امريكية واحدة او كلية تدرس الحضارة الاندلسية التي هي حضارة القرون الوسطى بالاضافة الى العديد من الأسباب. وفي قضية الحداثة في التعليم ركز سعيد على اهمية النهوض لايجاد انسان جاد وقوي واشار الى المؤسسات المدنية والسياسية للشعب الفلسطيني تحت المعدل المطلوب خاصة في مجال التعليم واضاف انه حسب ارقام حصل عليها من البنك الدولي فان السلطة الفلسطينية تصرف ما نسبته 60% من ميزانيتها العامة على التوظيف والرواتب في حين ان نصيب البنية التحتية تبلغ 2% فقط من الميزانية وعلق قائلا ان ذلك يدل على وجود افلاس في القيم وليس في التفكير والتخطيط فقط والتي لاتجعلنا نركز على الاولويات. ونبه الى ان الشعب الفلسطيني امامه الوقت للتحرك والنشاط والتطور والالتحاق بركب الحضارة اذا اعطيت الاولوية للعلم والمعرفة لانه من المطلوب ان يفكر الشعب الفلسطيني بحاضره ومستقبله من حيث الحداثة في التعليم والحفاظ على ذلك. وقارن سعيد بين الوضع الفلسطيني في التعليم مع غيره مؤكدا اهمية التوجه للعلم وضرورة دعم المؤسسات المدنية الخاصة بقطاع التعليم ماديا مشيرا الى ان الحكومة الكورية تخصص ما نسبته 60% من ميزانيتها السنوية لقطاع التعليم والوعي والثقافة النقدية وطالب سعيد السلطة الفلسطينية بالتركيز على هذا الجانب واعطائه الاولوية الكبرى وعدم التركيز على الظواهر السطحية غير الموجودة. غزة ــ ماهر إبراهيم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات