اعتبر المحللون ان يوغوسلافيا السابقة تشكل مع النزاع الذي يشهده اقليمها كوسوفو واحدة من آخر النقاط في العالم التي تحاول روسيا ان تحتفظ فيها بدور قوة عظمى . ويجمع الروس, من المعارضة الشيوعية الى الرئيس بوريس يلتسين, على رفض قيام الولايات المتحدة او حلف شمال الاطلسي بدور شرطي العالم مرة جديدة من خلال قصف اهداف صربية لارغام بلغراد على القبول بخطة سلام دولية في كوسوفو. وقال وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف مساء الاثنين الماضي ان (تاريخ البلقان والتجربة العالمية يثبتان ان المحاولات لايجاد تسوية سريعة للنزاعات من خلال اللجوء الى القوة تزيد من التوتر وتساهم في تفاقم الوضع, اي انها تعطي نتائج عكس تلك المتوخاه) . ويذكر الدبلوماسيون الروس دعما لحججهم بالمثال العراقي: فالضربات التي وجهت الى بغداد لم تسهم برأيهم سوى في ترسيخ النظام من خلال حشد الرأي العام وراء الرئيس العراقي صدام حسين. واضاف ايفانوف انه بعد عمليات القصف (يتعين على اي حال العودة الى اشكال التسوية السياسية) . وبعيدا عن مسألة كوسوفو لدى موسكو اعتراض مبدئي آخر, ويقول الروس ان توجيه ضربات الى بلد يتمتع بالسيادة لا يمكن ان يتقرر الا عبر تصويت في مجلس الامن الدولي وليس بقرار من الولايات المتحدة وحلفائها الذين يتحركون من دون اي تفويض دولي. والواقع انه ومن خلال تجنب عرض مشروعهم بتوجيه ضربات الى بلغراد على مجلس الامن انما يقوم الغربيون بتهميش روسيا التي تملك حق الفيتو ويمكنها بالتالي منع حصول هذه الضربات. غير ان موسكو المفلسة والمعتمدة على المساعدة الغربية لا تمتلك اي وسيلة ضغط في مواجهة القرارات الامريكية وعمليات حلف شمال الاطلسي. وهي على هذا الاساس لم تهدد يوما باي نوع من الاجراءات الانتقامية, العسكرية او الاقتصادية, ضد الغرب. وما يزيد من شعور الاحباط لدى الروس ان الذراع المسلحة التي تهدد الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش هي تحديدا حلف شمال الاطلسي. ويبقى هذا الحلف في نظر الرأي العام الروسي منظمة معادية لروسيا, تعمل لمصلحة العسكريين الامريكيين. وهم يرون انه اسس وطور طوال اربعة عقود للتصدي لآلة الحرب السوفييتية وان مجرد وجوده يعني ان الغرب ما زال لا يثق بموسكو. وقال المحلل الكسندر بيكاييف خبير البلقان في معهد (كارنيغي) في موسكو ان روسيا ترفض هذا الترخيص بالقتل الذي منحه حلف شمال الاطلسي لنفسه لان اي ضربة توجه لبلد غير عضو في الحلف يمكن ان تشكل سابقة خطيرة, بما في ذلك بالنسبة الى الحلف ذاته. واعتبر رئيس الوزراء الروسي يفجيني بريماكوف ان قيام الحلف بعمليات قصف سيكون له تأثير هائل في زعزعة الاستقرار ليس فقط في يوغوسلافيا وكوسوفو فحسب بل في كل اوروبا. ويفسر المحللون والدبلوماسيون الغربيون دعم روسيا لبلغراد بالصداقة التقليدية التي تربط بين الروس والصرب وبالتضامن السلافي الارثوذكسي القائم منذ قرون. غير ان دبلوماسيا غربيا اعتبر ان هذا العامل ليس الاساس. واضاف: من الواضح في المقابل ان روسيا التي تشهد حركة انفصالية في الشيشان وتطلعات استقلالية في بعض مناطقها سترفض دائما القبول بنشاطات حركة انفصالية على غرار حركة البان كوسوفو بسبب مشكلاتها الداخلية الخاصة. (أ. ف. ب)