بعد أن تجاوز الزعيم الاسلامي المتنفذ في النظام السوداني الدكتور حسن الترابي الأمين العام للحزب الحاكم ورئيس البرلمان , بهدوء أزمة القيادة في حزبه التي أفرزتها مذكرة العشرة الشهيرة, وجدد ثقة البرلمان في شخصه وبالاجماع من بعد استقالة محسوبة, وفي أعقاب جولة تعبوية غطت مناطق نفوذ الحزبين الكبيرين المعارضين (الاتحادي الديمقراطي والأمة), عاد ليطلق مبادرة وفاق وطني تعد الأوفر حظا من بين عشرات المبادرات الداخلية والخارجية, خاصة وان المعارضة ربطت قبولها بأي مصالحة مع النظام بأن تكون المفاوضات بشأنها مع القيادة الحاكمة فعلا بدلا من الوسطاء, ولهذا كانت قيادة المعارضة بالداخل تتحسس طريقها أكثر من مرة إلى قصر الرئاسة بالخرطوم لتوصيل مذكراتها وبياناتها حول الوفاق دون أن تلقى مجرد الترحيب والضيافة, ويبدو ان المعارضة بعد أن أصابها اليأس من لقاء الفريق عمر البشير رسميا قررت أن تلتقط مبادرة الدكتور الترابي حيث رحب بها أكثر من قيادي معارض بالداخل منهم المحامي علي السيد من الاتحادي الديمقراطي المعارض الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس تجمع المعارضة, والدكتور آدم مادبو من حزب الأمة الذي يترأسه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق, كما لم تصدر أي تحفظات من شخصيات معارضة كانت تتصدى على الفور برفض مبادرات الحكومة وتصفها بأنها مناورة لكسب الوقت وانها محاولة لشق صفوف المعارضة, وانطبق هذا التصنيف على لجنة الحوار التي كونها منذ أسبوعين المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة علي عثمان محمد طه النائب الأول للفريق عمر البشير والرجل الثاني لسنوات خلت من بعد الدكتور الترابي في قيادة الجبهة الاسلامية السابقة. ويؤكد الدكتور الترابي بالكشف عن اتصالات جارية مع المعارضة, قبل أن تضع لجنة المؤتمر الوطني أجندتها للحوار, ويؤكد بأنه قرر تجاوز الجميع والوصول إلى الهدف مباشرة بدلا من الدخول في متاهات الزمن الضائع لمثل هذه اللجان وربما مردوداتها السالبة أحيانا من هذا الطرف أو ذاك, وحتى يتسق تحرك الدكتور الترابي مع مثل هذا التحليل كان تأكيده (ان أمر اللجنة لا يعني اختصار الحوار عليها ولكن يمكن للناس والحكومة والمؤتمر الوطني ان يتحاوروا مع الآخرين وهذا التفسير يستصحب معه أيضا امكانية دخول الحكومة في حوار مع المعارضة وهو ما يطالب به المعارضون لعدم اعترافهم بالمؤتمر الوطني (الحاكم) بينما اعتبروا مخاطبتهم للفريق البشير في مذكراتهم اعترافا بحكومة الأمر الواقع, ومن هنا فإن الدكتور الترابي بدا وكأنه يستجيب لأحد شروط المعارضة الشمالية بأن تحاورهم الحكومة كما تفعل مع حركة التمرد. ان قراءة تصريح الدكتور الترابي بأن الاتصالات السرية جارية بين الحكومة والمعارضة الشمالية والجنوبية مع ما قاله المحامي علي السيد لـ (البيان) بأن قيادة المعارضة وصلتها فعلا رسائل من الترابي عبر وسيط ولكنها كانت مبهمة وغير محددة للوصول إلى الهدف, وان المعارضة طلبت المزيد من الايضاحات, كل هذا يشير إلى همة واقعة الاتصالات بالاضافة إلى رغبة ابداها الترابي للاجتماع إلى زعماء المعارضة, كما ان الدكتور الترابي عندما قال انه تلقى رسالة من قرنق قائد المتمردين في الجنوب, فهذا يعني ان الرسائل كانت معنونة بها كيانات وأحزاب سياسية لا إلى تجمع المعارضة, وهي النغمة التي يعزفها أعضاء لجنة الحوار التي كونها المؤتمر الوطني باستثناء رئيسها بأن الحوار سيكون مع قيادات سياسية وليس مع الجسم المعارض بكامله, ولكن مثلما صمت علي عثمان محمد طه رئيس اللجنة عن مجاراة هذه النقمة فإن الدكتور الترابي لم يشر إلى ذلك أيضا وقال ان الاتصالات جارية مع المعارضة الشمالية والجنوبية, وان كان الكشف عن تلقيه ردا من قرنق يدخل في تجزئة الحوار, ونشير هنا إلى ان الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا حاول العام الماضي الجمع بين البشير وقرنق ولكن عندما وصل الدكتور الترابي مع رئيس الجمهورية إلى جنوب افريقيا غادر قرنق البلاد دون أن يتم اللقاء, ويبدو الآن ان الترابي قطع نصف الطريق لمثل هذا اللقاء بالكشف عن رسالة قرنق. ولا ندري في هذا الاطار إلى أين ستؤول تصريحات الفريق عمر البشير الذي يردد رغم قانون (التوالي السياسي) الذي فتح الطريق للتعددية السياسية بأنهم لن يسلموا السلطة إلا لـ (الدبابين) , وهم فرق شباب الاسلاميين الذين يقاتلون في مناطق العمليات, وفي ظل تصريحات الترابي الأخيرة والذي ظل هو الآخر يقلل من شأن المعارضة الشمالية قائلا انه ليس لها أدنى أمل للعودة إلى الحكم وان أمرها سينتهي تماما مع هزيمة اريتريا في حربها مع اثيوبيا والتي توفر لها الغطاء العسكري واللوجستي. ومن هنا كان الاهتمام باعلان الدكتور الترابي عن الاتصالات مع المعارضة للوفاق الذي قال انه يعني وحدة (البيت من أساسه) وأضاف ان العالم كله يتوجه نحو التوحد والتوافق من أجل المصالح الأساسية للأمم. ان الاهتمام كما كشف عنه الدكتور الترابي بدأ يتحول إلى قيادات المعارضة الخارجية لتوضيح طبيعة تلك الاتصالات والرسائل بعد أن أكدها قياديون معارضون بالداخل, حتى تصبح كل الأمور في الساحة السياسية المضطربة بالأحداث جلية لكل المواطنين, كما ان مثل هذا التوضيح يشكل أهمية ومصداقية وسط اتهامات متبادلة في صفوف المعارضة بتجاوزات للحوار وركض نحو المبادرات من وراء ظهر الآخرين, مع الأخذ في الاعتبار مقولة للدكتور الترابي بأنه لم يكن ناشطا رياضيا في ثانوية (حنتوب) كما كان نميري وآخرون حكموا البلاد واستوزروا, ولكنه كان حكما لكرة القدم يحابي دائما الفريق الضعيف, والسؤال هل الدكتور الترابي بهذه القفزة نحو المصالحة يحابي الحكومة أم المعارضة؟ الخرطوم ــ يوسف الشنبلي