اثارت عملية هروب احدى قبائل البدو في شمال سيناء الى داخل الاراضي الخاضعة لسلطة الاحتلال الاسرائيلي استياء الرأي العام في مصر بمختلف قطاعاته , وفي الوقت الذي اشاعت فيه بعض وكالات الانباء الاجنبية التي استقت معلوماتها من مصادر اسرائيلية ان هؤلاء البدو (عبروا الحدود هربا من الجفاف والجوع على اراضي سيناء) اكدت مصادر امنية مصرية ان هذه العشيرة البدوية تركت ارضها هربا من معركة ثأر مع قبيلة اخرى وتوهمت ان دخولها الى الاراضي الاسرائيلية يضمن لها الامن ضد انتقام القبيلة الاخرى. ورغم ان التفسير الثاني يرفع بعض الحرج عن القيادات الامنية لمحافظة شمال سيناء التي توجهت لها اصابع الاتهام بالتقصير في حفظ الامن وحماية الحدود مع قوات الاحتلال الاسرائيلي الا ان التفسيرين لم يمنعا توجيه اتهامات تراجع الانتماء الوطني لدى هذه القبيلة البدوية, ومنذ جلاء الاحتلال الاسرائيلي عن اراضي سيناء كانت قضية ولاء بعض القبائل البدوية احد القضايا الشائكة على اجندة الامن المصري خاصة ان عددا كبيرا من الجواسيس على مصر كانوا من شباب القبائل الذين اغراهم الاحتلال الاسرائيلي بالاموال والنساء, حتى ان شريف عبد النبي رئيس نيابة امن الدولة في العام 1996 اكد في تصريحات لوسائل الاعلام على ارتباط قضايا التجسس ببعض قبائل البدو في سيناء, كما كان بعض البدو هم القناة الرئيسية لتهريب المخدرات القادمة عبر اسرائيل تحت رعاية الموساد حسب اعتراف جنرالات الجيش الاسرائيلي العام الماضي, وقد القت سلطات الامن المصرية القبض على اعداد كبيرة من البدو الذين تورطوا في زراعة المخدرات او تهريبها في شبه جزيرة سيناء وكان ابرزهم نائب البرلمان السابق (عايد سالمان) الذي بدأ ظاهرة (نواب الكيف) في مجلس الشعب في دورته السابقة. وكشفت التحقيقات مع عايد سالمان عن تفاصيل خطيرة تتعلق بنشاط المخدرات في سيناء ودور الاسرائيليين في رعايته خلال سنوات الاحتلال المشؤومة للاراضي المصرية في الفترة من 1967 وحتى خروج آخر الجنود اليهود من طابا عام 1984 واستمرار هذا النشاط المدمر رغم اتفاقية السلام مع مصر, وحسب احصائيات الامن المصري فان قوات حرس الحدود احبطت مايزيد عن 60 عملية تهريب مخدرات خلال السنوات الخمس الماضية, والقت السلطات المصرية القبض على عدد كبير من البدو الذين تورطوا في هذه العمليات, وكانت اشهر تلك العمليات هي القبض على احد مشايخ الاعراب ويدعى (ارشيد عيد راشد) - 61 سنة - عام 1996 وفي حوزته 141 كيلوجراما من المواد المخدرة هي كل ما تبقى بعد عملية توزيع كبيرة شملت عددا من المحافظات المصرية. وفي نفس العام القت اجهزة امنية سيادية القبض على (عامر سليمان) وهو احد شباب بدو شمال سيناء الذي قاموا بعمليات تجسس لصالح الاسرائيليين بعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر, وكانت السلطات المصرية قد القت القبض على 5 من البدو بالتهمة نفسها خلال الفترة من عام 1990 وحتى عام 1994. وتكررت ايضا حوادث هروب بعض البدو الى داخل الاراضي التي تحتلها اسرائيل لاسباب مختلفة, وقد بلغ عدد البدو الذين اصطادتهم اسرائيل على الحدود 40 شخصا كانوا حاولوا التسلل رغبة في العيش داخل اسرائيل, ونشرت الصحف الاسرائيلية بعض تفاصيل التحقيقات مع هؤلاء البدو زاعمة انهم جاءوا الى اسرائيل سعيا وراء النساء والحياة المرفهة. وخلال السنوات التالية لتحرير اراضي سيناء كانت القضية الاولى في الصحف المصرية هي العلاقة بين البدو والاسرائيليين خاصة بعد انتشار حالات زواج الشباب البدوي من فتيات اسرائيليات, واشراف البدو على قرى سياحية في منطقة خليج العقبة لايدخلها الا الاسرائيليون. ورغم هذه الحوادث المتفرقة التي تثير الشبهات حول بعض القبائل البدوية الا ان تاريخ بدو سيناء حافل بكثير من البطولات والعمليات الفدائية خلال سنوات الاحتلال الاسرائيلي, وقد كان المواطن السيناوي (محمود السواركة) الذي افرجت عنه السلطات الاسرائيلية الشهر الماضي احد هذه النماذج المشرقة للبدو, حيث اعتقلته قوات الاحتلال الاسرائيلي بعد عمليات فدائية قام بها ضد معسكرات الاحتلال في سيناء, والسواركة ليس النموذج الوحيد فبعد انتصار اكتوبر عام 1973 حصل 550 من مواطني سيناء على نوط الامتياز من الدرجة الاولى لبطولاتهم خلال المعارك والمساعدات التي قدموها لجيش بلادهم, وكانت ابرز القبائل التي ارتبطت بعمليات النضال ضد المحتل قبيلتي البياضية والسواركة في شمال سيناء, وقد قدمت قبيلة البياضية نخبة من شبابها فداء للوطن, ويعد من ابرز ابطالها على قيد الحياة البطل (شلاش خالد عرابي) الذي كانت السلطات الاسرائىلية قد اعتقلته عام 1968 وحكمت عليه بالسجن 39 عاما غير ان مصر استرجعته في عملية لتبادل الاسرى عام 1975. ومن القبيلة نفسها خرج الابطال محمد ابراهيم المرابي, وعيد المرابي وكان شيخ قبيلة البياضية خلال سنوات الاحتلال وقدم مساعدات كبرى للجيش المصري بعد هزيمة يونيو عام 1967 وحصل على نوط الامتياز من الطبقة الاولى عام 1978, ومن ابطال البدو في شمال سيناء ايضا الحاج سلام سيد احمد من قرية رابعة بالقرب من العريش, وكان لهذا الرجل دور بارز في مساعدة القوات المصرية خلال حرب اكتوبر عام 1973, وكان للحاج سالم مواقف انسانية بارزة تؤكد على عمق انتمائه للوطن, فخلال عمليات القتال في اكتوبر عام 1973 تحطمت احدى الطائرات المصرية بالقرب من القرية التي يسكن فيها فسارع الى موقع الطائرة وقام بدفن الطيار الشهيد على متنها وابلغ القوات المصرية بهذه الحادثة يوم السادس عشر من اكتوبر 1973. ومن ابرز القبائل السيناوية التي ينتمي اليها الابطال الحاصلون على نوط الامتياز قبيلة العليقات ويبلغ تعدادها 2500 شخص وتسكن المنطقة الممتدة من الرملة وحتى وادي غرندل, وقبائل العوارمة واولاد سعيد والقرارشة والجبالبة وتسكن منطقة الطور بالقرب من شاطىء خليج العقبة والسواركة التي يبلغ تعدادها 12الف شخص , وقبيلتا الرميلات والترابيين اللتان تسكنان المنطقة جنوب غرب فلسطين وفي العريش ورفح. ونظرا لهذا التباين بين النضال والخيانة, وحرصا على دمج القبائل البدوية في النسيج المصري بعد سنوات من الاهمال والاحتلال رصدت الحكومة المصرية ما يزيد عن 400 مليون جنيه لمشروعات توطين البدو في شمال سيناء, الى جانب ما يقرب من 200 مليون جنيه لتقديم اعانات غذائية في فترات الجفاف, كما تحرص الحكومة ان تراعي في مشروعاتها التنموية في المناطق السيناوية اشتراك البدو في المشروعات الجديدة وتمليكهم الاراضي المستصلحة والمساحات الشاطئية الصالحة لبناء القرى السياحية, وتعمل الاجهزة المحلية في محافظتي شمال وجنوب سيناء على توفير كافة الخدمات للبدو وتوطينهم في قرى مجهزة تتلاءم مع بيئتهم الجبلية وعاداتهم وتقاليدهم, كما تعتزم الحكومة تمليك قبائل البدو مساحات جديدة من الاراضي في اطار خطة تعمير سيناء وامدادها بمياه نهر النيل عبر ترعة السلام. القاهرة - البيان