على الرغم من الاعتراف الأردني الكامل بالخسارة الفادحة في رحيل الحسين إلا ان هناك اطمئنانا تاما بأن المؤسسات التي بناها العاهل الراحل كفيلة بمواصلة الاستقرار ومعالجة العقبات الطارئة . ويستشهد جميع الساسة الأردنيين على سلاسة انتقال السلطة إلى عبدالله بن الحسين بعيد وفاة أبيه بأنها دليل على وضوح الرؤية وفعالية المؤسسات والالتزام المطلق بروح الدستور. فكما عبر الدكتور عبدالسلام المجالي رئيس الوزراء الأسبق (لا خوف على الأردن إذ لدينا شيء خاص ننفرد به عن الآخرين فالدستور أهم أركان الدولة وهناك مؤسسة مقامة بتوازن شديد والأمة هي مصدر السلطات) . ويوضح المجالي (مسؤولية الملك محددة دستوريا فهو يختار الجهاز الحكومي التنفيذي وتتولى التنفيذ وتفاصيل المتابعة الحكومات. ولا يتدخل الملك عادة كما دأب الحسين إلا لصالح الناس في التوقيت الحساس) وهو بهذا الدور يشكل رقيبا آخر على أداء الحكومة بالاضافة إلى البرلمان الذي يضطلع بهذا الدور أصلا. ولدى قاطبة الأردنيين ثقة في قدرة عبدالله الثاني على متابعة نهج أبيه فهو لديه خبرة وكونه في الجيش فهذا يمنحه قدرة على التمييز بين القائد وغير القائد ولا ننسى ان رئاسته للقوات الخاصة تمنحه شجاعة خاصة. كما يرى الدكتور المجالي, وهي رؤية جميع أقطاب السياسة على الساحة الأردنية فهو يمتلك خبرة سياسية ومطلع على الملفين الداخلي والخارجي بأسلوب عميق وسيكون قادرا على إدارة شؤون البلاد. حسبما يؤكد عدنان أبو عودة المستشار السياسي للعاهل الأردني. الروابدة رهان على الشأن الداخلي ورغم ان عبدالرؤوف الروابدة لم يكن وجها مطروحا على طاولة الخيارات المكشوفة لتشكيل أول حكومة في عهد عبدالله الثاني إلى حين صدور كتاب التكليف الملكي إلا ان هناك اتفاقا غاليا على انه رجل صاحب خبرة ودراية إدارية تستوجب الاحترام. دكتور المجالي رئيس الوزراء الأسبق يعتبر الروابدة (شخصا قديرا ويتمنى له التوفيق) . رئيس وزراء أردني سابق آخر وصف الروابدة بأنه (رجل شاطر يحفظ درسه جيدا ولديه فرصة في تحقيق النجاح وقادر على تحقيق مكاسب) . الاصطفاف الأردني من أجل تجاوز الفراغ الذي خلفه رحيل الحسين يمثل أحد العناصر المساعدة على رفع أداء حكومة الروابدة كما ان هذه الحكومة تنعم بميزة انها الأولى في عهد عبدالله الثاني وهي ميزة تتيح له فرصة كبيرة من الدعم الرسمي والسياسي. فجميع أقطاب السياسة الأردنية في حالة كمون إذا جاز التعبير ذلك انهم يلتزمون التكتم أو الحذر في التصريح عن آرائهم ومواقفهم خشية ان تحسب عليهم أخطاء في مطلع العهد الملكي الأردني الثالث فيكلفهم ذلك مستقبلهم السياسي. غير ان هناك همسا في العلن يدور حول مركز قوي يحتل الروابدة أحد قطبيه باعتباره رئيس الحكومة ويمثل عبدالكريم الكباريتي رئيس الوزراء السابق قطبه الآخر باعتباره رئيس الديوان الملكي. هذه الرؤية تعتمد واقع الأمر على رؤية شخصية أكثر من بنائها على أسس موضوعية. فرئيس حكومة أردنية سابق يرى في الكباريتي (شخصية ديناميكية) من الصعب كبح طموحها داخل اطار محدد. ويتفق مع هذه الرؤية رئيس سابق للبلاط الملكي. غير ان رئيس حكومة سابق يحاول تأطير هذا التنازع المفترض وفق معادلة موضوعية فيقول: (بين الرجلين تناقض في التوجه السياسي) ويرى رئيس الحكومة هذا ان المعادلة لن تكون تنازعا بين رئيسي الحكومة والديوان الملكي فالمسألة ستأخذ طابعا أكثر تأصيلا إذ (سيتولى رئيس الحكومة بطاقمه الوزاري معالجة الشأن الداخلي كاملا بينما يتولى القصر معالجة ملف السياسة الخارجية) . واتفق رئيس سابق للديوان الملكي في عمان مع هذه المعادلة وقال ان الروابدة سيكون (جنزوري أردني) مشيرا إلى تكريس رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري كل جهوده للاهتمام بالشأن المصري الداخلي فقط. وربما يسهل مهمة الروابدة أن ملف القضايا الداخلية محدد وكذلك أولوياته وتنحصر في الوضع الاقتصادي والمياه والبطالة لكن التجربة الأردنية تثبت ان القضايا الداخلية هي التي تحدد دائما عمر الحكومات وليست القضايا الخارجية. كل رجال الملك بعض المراقبين يتوقعون صيفا سياسيا ساخنا في الأردن ويعتقدون ان قضية المياه ستكون لغما أمام حكومة الروابدة غير ان رئيس الوزراء الجديد يدرك تلك القضية. وأزمة المياه أزمة مزمنة في الأردن وهي بين المحاور التي ليس لها حل فوري لدى أكثر الإدارات الحكومية (فالأطفال وحدهم الذين يعتقدون ان لكل المشاكل حلولا دائما) على حد تعيبر عون الخصاونة رئيس الديوان الملكي السابق. أو ان بقاء حكومة الروابدة ليس مسألة مفصلية فقد ذكر لي رئيس وزراء سابق انه يوجد في الأردن حاليا تسعة رؤساء حكومات سابقين. وعندما تأملت المشهد وجدت ان أحمد اللوزي هو أقدم هؤلاء إذ تولى تشكيل الوزارة في 29 نوفمبر 1971 واعاد تشكيلها مرة ثانية في أغسطس 1972 واستمر بقاؤه حتى مايو 1973 أي ان مجمل ترؤسه للوزارة لم يتجاوز نحو 16 شهرا. وأعقبه زيد الرفاعي الذي شكل حكومته الأولى في 26 مايو 73. وترأس الرفاعي الحكومة الأردنية أربع مرات ولعله أطول الرجال بقاء على رأس الجهاز التنفيذي في الأردن منذ مطلع السبعينات على الأقل. والرفاعي رجل دولة من الطراز الأول تمتع بشخصية كريزماتية وهو يتحدث إليك ــ يعرف كيف يقنع الطرف الآخر دون الولوج في التفاصيل. وكانت حكومة الرفاعي الثالثة قد انتهت في يوليو 1976 حيث أعقبه مضر بدران الذي أعاد تشكيل حكومة في نوفمبر 1976 وظلت حتى ديسمبر 1979 ليعقبه الراحل عبدالحميد شرف ولم تستمر حكومته أكثر من ثمانية أشهر فجاء بعده المرحوم قاسم الرعادي في الثالث من يوليو 1980 إلى 28 أغسطس من العام نفسه فعاد بدران ثالثة للسلطة التنفيذية وظل حتى الأول من أكتوبر 1984 ولعلها أطول الحكومات عمرا في هذه الحقبة وخلفه أحمد عبيدات الذي ترأس حكومة عمرها نحو 15 شهرا ليشكل الرفاعي حكومته الرابعة في الرابع من ابريل 1985 وبقي حتى الرابع والعشرين من ابريل 1989 فتجاوزت هذه الحكومة الرقم الذي كانت حققته حكومة بدران الثالثة. وتولى السلطة التنفيذية بعد ذلك زيد بن شاكر نحو ثمانية أشهر ثم طاهر المصري الذي لم يزد عمر حكومته عن خمسة أشهر أويكاد ليعقبه الشريف زيد بن شاكر من 21 نوفمبر 1991 إلى 29 مايو 1993 ثم الدكتور عبدالسلام المجالي في الخامس من يناير 1995 ليترك المقعد ثانية لزيد بن شاكر الذي ظل حتى الرابع من فبراير 1996 ليأتي عبدالكريم الكباريتي في 19 مارس 1997 فيعود المجالي ثانية حتى 17 فبراير 1998 ويعيد تشكيل حكومته الثالثة التي ظلت حتى 30 أغسطس 1998 فيحل محله الدكتور فايز الطراونة الذي كان آخر الرجال الذين كلفهم الحسين بتشكيل حكومته. خمسة من هؤلاء الرجال شغلوا منصب رئيس الديوان الملكي قبل توليهم رئاسة الحكومة أو ربما بعدها كذلك. ورئاسة الديوان الملكي تتيح فرصة الاقتراب من الملك ومعرفة توجهاته عن قرب كما تتيح للملك اختبار قدرات رجاله عن كثب. فزيد الرفاعي ومضر بدران والمرحوم عبدالحميد شرف وأحمد اللوزي والشريف زيد بن شاكر مروا عبر الديوان الملكي إلى رئاسة الحكومة وبعدها أحيانا. عبدالرؤوف الروابدة جاء إلى رئاسة الحكومة الأولى في عهد عبدالله الثاني من مقاعد النواب. وجاء عبدالكريم الكباريتي إلى رئاسة الديوان الملكي من مقاعد الأعيان. وفي رصيد الروابدة اعتراف عام بقدرات إدارية واجتهادات فردية تجعل الرهان عليه لتحقيق مكاسب خاصة وعامة أمرا ممكنا. ومعروف عن الروابدة أنه متحدث فصيح بليغ الأسلوب نافذ العبارة يميل إلى المرح دون أن ينقص ذلك من هيبته ووقاره شيئا ويتحدث الروابدة دائما بلسان الواثق من خطواته والمتمكن من معلوماته وهو صاحب ذاكرة حاضرة. وإذا كان هناك من يعتقد ان بين الروابدة والكباريتي تباينا في الرؤى السياسية والمنهج فإن هناك من يعتقد ان عبدالله الثاني عمد إلى ذلك الخيار حتى يتسنى له الخيار الصحيح من رؤيتين بدلا من أن تسير الأمور من البداية باتجاه واحد دائما. غير ان هناك وجها ثالثا سيحتل موقعا مؤثرا ومتقدما في طاقم الإدارة الأردنية الجديدة ذاك هو عدنان أبو عودة المستشار السياسي للملك. ويدور همس في الأوساط الأردنية ان عبدالله الثاني عين أبو عودة في هذا المنصب استجابة لوصية كريمة من الحسين إذ ان أبو عودة كان شغل منصب رئيس الديوان الملكي مرتين في حياة الملك الراحل, الأردني في أوائل السبعينات والثانية في مطلع التسعينات. ولدى أبو عودة القدرة على تقديم انموذج للمستشار فهو من طراز السياسيين الذين يردون الفروع في القضايا إلى أصولها فيترك انطباعا راسخا بأنه رجل استراتيجيات يملك ذخيرة ثرة من المعلومات ينتقي كلماته لكنه يميل إلى البساطة في التعبير دون أن يفقد بلاغته. ففي لقاء غير مطول معه قال أبو عودة نحن مع الكونفيدرالية كنتيجة وليس كوسيلة. وأضاف وهو يشرح قوله (الدولة الفلسطينية مطلب أردني كما هي مطلب للشعب الفلسطيني) . ولا يرى أبو عودة ما يشكل عناصر تناحر داخل المجتمع الأردني فالقضية عنده تنبع أصلا عن أزمة النظرة للمواطنة في العالم الثالث إذ ان القبول بمبدأ ترجيح الانتماء الجهوي أو القبلي يفتح الباب أمام كافة عناصر التجزئة بدلا من التركيز على اسس الوحدة حيث ينبغي اعتماد المؤهلات في المفاضلة بين أبناء الوطن الواحد. أثناء زيارة لمقر البرلمان الأردني التقيت بالفريق (م) حابس المجالي القائد الأسبق للجيش الأردني وهو عضو في مجلس الأعيان قبيل لقاء مع زيد الرفاعي رئيس مجلس الأعيان وأثناء وجودي في مكتب الرفاعي دخل علينا الدكتور عبدالسلام المجالي عضو المجلس ورئيس الحكومة سابقا وبعد ذلك التقيت المهندس عبدالهادي المجالي رئيس مجلس النواب في مكتبه. وفي حوار مع الدكتور المجالي في بيته لاحقا أشرت له لهذه المصادفة التي جمعت ثلاثة من المجالي داخل البرلمان فرد علي قائلا نحن أربعة فهناك أمجد المجالي وهو عضو برلماني غير ان عبدالسلام رفض فكرتي بأن ذلك يشكل سمة لمراكز القوى أو مظهرا للعشائرية في النظام الأردني وقال ان نواب الجنوب ــ معقل عشيرته ــ كانوا قد صوتوا ضده عندما كان رئيسا للحكومة كما صوتوا ضد عبدالهادي المجالي في رئاسة البرلمان. وروى الدكتور المجالي انه عندما كان ضابطا في السلاح الطبي عبر الملك حسين عن رغبته في التحاق المجالي بدورة لرئاسة الأركان لكن قائد الجيش آنذاك حابس المجالي لم يمهد له الطريق إذ ان القائد العسكري خشي من أن يحسب ذلك عليه. وأضاف الدكتور المجالي انه عبر عن رغبة حقيقية في تغيير اسم العائلة من المجالي إلى أي اسم آخر, رئيس الوزراء الأسبق قدم هذه الرواية دليلا على ان الانتماء العشائري لا يفتح الباب أمام الجميع بل ربما يكون عقبة أحيانا أمام المستحقين. لكن نظرة متأنية للوجوه على الساحة الأردنية قد لا تدعم هذا التوجه فأيمن المجالي نائب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة هو ابن هزاع المجالي الذي كان رئيسا للوزراء من السادس من مايو 1952 إلى 20 أغسطس 1960 وهي حكومته الثانية إذ كان شكل وزارة أولى في منتصف الخمسينات. كما ان ناصر اللوزي وزير الاعلام في حكومة الروابدة هو ابن أحمد اللوزي وهو رئيس وزراء وديوان ملك أسبق. ووفقا للتشكيلات التي صدرت مؤخرا كان سمير الرفاعي الذي تم تعيينه أمينا عاما للديوان الملكي هو ابن زيد الرفاعي كما ان فيصل الفائز الذي تولى منصب رئيس التشريعات في الديوان الملكي هو ابن عاكف الفائز رئيس مجلس النواب السابق. فمن شأن مثل هذه النظرة أن تفضي إلى خلاصة لا تخلو من حدة فحواها ان عائلات محددة تحتكر مقاعد متقدمة في النظام الأردني. عمان ــ عمر العمر