في 21 ديسمبر من عام 1988 انفجرت طائرة بوينج 747 تابعة لشركة بانام الامريكية والتي كانت تقوم بالرحلة رقم 103 بين لندن ونيويورك فوق قرية لوكيربي مما أودى بحياة 270 شخصا هم ركابها الــ 259 و11 شخصا على الارض من سكان القرية . كان يمكن لهذا الحادث ان يكون كأي حادث آخر من حوادث الطائرات التي كثرت في السنوات الاخيرة, غير انه نظرا لأن الشبهة حامت حول جهات عديدة في تدبير عملية التفجير اتخذت التحقيقات بشأن الحادث وجهة أخرى. وبين 88 و91 ظلت الاتهامات تنال اطرافا دولية عديدة فتارة وجهت اتهم الى ايران, وتارة اخرى الى سوريا, وثالثة الى ليبيا, الى ان استقرت على هذه الاخيرة. وفي 14 نوفمبر وجهت الادارتان الامريكية والبريطانية التهمة بشكل رسمي الى ليبيا حيث اتهمت الليبيين عبدالباسط علي محمد المقراحي والأمين خليفة فحيمة بالتورط في تدبير عملية التفجير وهو الاتهام الذي نفته ليبيا. غير ان الاحداث تصاعدت اثر ذلك مع تلويح واشنطن ولندن باستخدام القوة ضد ليبيا, وهو ما لم تجد طرابلس معه مفرا من الاعلان على لسان سفيرها لدى الامم المتحدة في 23 مارس 1992 من انها ستسلم المشتبه بهما للجامعة العربية, ورغم ذلك رفضتها الادارتان الامريكية والبريطانية كافة الشروط التي تضمنتها المذكرة الليبية. وازاء ذلك سعت ليبيا الى ادخال محكمة العدل الدولية في النزاع, وبالفعل استمعت المحكمة للطلب حول النزاع وأصدرت امرا بمنع الولايات المتحدة وبريطانيا من استخدام القوة ضد ليبيا وذلك في 26 مارس من العام نفسه. وبعد ايام وبالتحديد في 31 مارس اصدر مجلس الامن القرار رقم 748 وفيه يطالب ليبيا بتسليم المتهمين في موعد اقصاه 15 ابريل, معتبرا ان عدم الاستجابة لذلك سيعرضها لخطر شامل في الرحلات الجوية ومشتريات الاسلحة وحظر الحضور الدبلوماسي. ولم تجد الجماهير الليبية وسيلة للتعبير عن غضبها سوى الاحتجاج في 2 ابريل امام سفارة فنزويلا بطرابلس ضد القرار كونها ترأس مجلس الامن ابان صدور القرار. وفي 15 ابريل من عام 92 بدأ سريان القرار رقم 748 على ان يراجع الحظر كل 120 يوما. وسعت ليبيا مجددا للفكاك من الازمة باعلان الرئيس الليبي معمر القذافي في 30 ابريل رفضه تسليم المشتبه بهما وانه صرح في الوقت ذاته بأن لهما مطلق الحرية في تسليم انفسهما. وتمحور الجدال اثر ذلك بين الجانبين ــ ليبيا من جهة والولايات المتحدة ولبريطانيا من جهة ثانية ــ حول شكل ومكان المحاكم حيث طالب مؤتمر الشعب الليبي في 24 يونيو 92 بمحاكمة المشتبه بهما في محاكمة عادلة ونزيهة تحت اشراف الامم المتحدة او جامعة الدولث العربية. وأمام الضغوط المكثفة التي بذلتها الدول الغربية لم تجد ليبيا مفراً من الاعلان عن 29 سبتمبر 93 عن موافقتها على مثول المشتبه بهما امام محكمة باسكتلندا ولكن تركت حرية القرار لها. غير ان ذلك الموقف اعتبر نوعا من المراوغة من قبل طرابلس ونجحت واشنطن ولندن بما تملكان من سيطرة على الامم المتحدة خاصة مجلس الامن في دفع المجلس الى تبني موقف اشد لهجة من قراره السابق, وهو ما كان فأصدر المجلس في 11 نوفمبر 93 قراره رقم 883 بتشديد الحظر المفروض على ليبيا على ان يسري اعتبارا من أول ديسمبر متضمنا تجميد بعض الاموال الليبية بالخارج وحظر استيرادها لأنواع معينة من المعدات المستخدمة من نقل النفط والمصافي وهي عقوبات لم تكن تؤثر في تصدير النفط الليبي أو معدات التنقيب. واستهل الرئيس القذافي عام 94 بالتبشير بامكانية حل سريع للازمة معتبرا في 22 يناير ان تقديم المشتبه بهما للمحاكمة بمحكمة العدل الدولية من شأنه ان ينزع فتيل الازمة, وهو تصريح لم يلق استجابة من قبل الطرف الآخر الذي راح يصعد من موقفه باعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي في 23 مارس 95 رصد مبلغ 4 ملايين دولار لمن يدلي بأية معلومات تؤدي للقبض على المشتبه بهما. وحاولت ليبيا التمرد على الحظر ازاء ما بدا لها من صحة موقفها فغادرت اراضيها طائرة لنقل الحجاج الليبيين الى السعودية في ابريل 95 وتكرر ذات الحديث في ابريل 96 وابريل 97. وواصلت ليبيا التصعيد فقام القذافي في تحد للحظر الجوي بالطيران الى القاهرة في 22 يونيو 96 وطار عائدا الى بلاده في اليوم التالي. وهو ما سعت الامم المتحدة لمواجهته حفاظا على هيبة الحظر فأعلنت لجنة العقوبات اتهام القذافي بخرق الحظر الجوي وانها ستلجأ الى فرض عقوبات في حالة تكراره لذلك الخرق. وتركز الجدل في تلك الفترة وطوال عام 97 على انتهاك قرار حظ الطيران فمضى 30 يناير أنب مجلس الامن ليبيا على اعلانها ان العقوبات المفروضة عليها لا تعتبر سارية في الحظر الجوي ووصف رحلة الطائرة الليبية الى غانا خلال يناير من العام نفسه بأنها انتهاك واضح للحظر. وفي 11 يونيو وفي رسالة للأمين العام للأمم المتحدة افادت ليبيا بأن الحظر المفروض عليها سبب لها خسارة تقدر بنحو 23.5 مليار دولار. وإزاء وصول القضية الى طريق شبه مسدود تقدمت روسيا وزعماء افارقة في 25 سبتمبر لتقديم المشتبه بهما في محاكمة خارج اسكتلندا وامريكا وهو مارفضته واشنطن ولندن. وعززت ليبيا هذا الطلب بآخر مماثل في 30 سبتمبر. وفي اكتوبر دخلت محكمة العدل الدولية على الخط, فأعلنت في السادس من هذا الشهر انها ستنظر لسماع المعنيين في قضية لوكيربي بتاريخ 31 اكتوبر. واقتضى الامر نحو شهرين لتقر المحكمة في 27 فبراير 98 بأن لديها السلطة القضائية للاستماع للشكوى الليبية ضد بريطانيا والولايات المتحدة في خطوة اعتبرتها ليبيا انتصارا للعدالة. غير انه في 20 مارس وفي سباق محموم لمناقشة القضية واصل مجلس الامن بحث الازمة في حين حصلت ليبيا على دعم عالمي لتقديم المتهمين ومحاكمتهما في أرض محايدة. وبدت أول بادرة لمحاكمة المتهمين في هولندا بعد زيارة قام بها لليبيا وفد يمثل اسر ضحايا الطائرة في 22 ابريل حيث افاد الوفد بأن ليبيا وافقت على محاكمة المشتبه بهما في هولندا تحت القانون الاسكتلندي. غير ان الازمة شهدت تحولا بعد البداية الحقيقية لطريقها نحو الحل في 9 يونيو 98 حيث اقر مؤتمر الوحدة الافريقية الذي عقد في بوركينا فاسو طلب من القادة الافارقة بتجاهل بعض العقوبات المفروضة على ليبيا حيث مثل ذلك بداية التصدع الحقيقي في العقوبات. وقد انعكس ذلك في تغير واضح في السياسة الامريكية حيث صرح احد المسؤولين الامريكيين في 21 يوليو بأن واشنطن مستعدة لدراسة كيف تستطيع محكمة اسكتلندية ان تجلس في هولندا لتحاكم المشتبه بهما. وردت ليبيا بموقف آخر مرن باعلان محامي المشتبه بهما في 23 يوليو بأن موكليه على استعداد للمثول امام محكمة العدل الدولية تحت القانون الاسكتلندي, وهو ما وافقت عليه بريطانيا والولايات المتحدة في 24 اغسطس. وشهدت بدايات العام الجاري خطوات سريعة تبشر بقرب الحل النهائي ففي 3 فبراير 99 جرت محادثات سرية بين الأمير بندر بن سلطان وليبيا حول الضمانات المطلوب توفرها لتسليم المشتبه بهما وبعدها بأسبوع واصل جاكس جيرول مبعوث الرئيس مانديلا اجراء محادثات مع الاطراف المختلفة لكسر الجمود الدبلوماسي بشأن الازمة. وانعكس ذلك في تصريح للأمير بندر بن سلطان بأن قضية لوكيربي على وشك الانتهاء, وان كافة ما تم التوصل اليه بما في ذلك ضمانات تسليم المشتبه فيهما سترفع الى الأمين العام للأمم المتحدة. وفي 14 فبراير كان رد فعل بريطانيا على تصريح الأمير بندر التأكيد على نهاية القضية, غير ان الولايات المتحدة شككت في هذا الجانب. وكثفت مصر مساعيها التي بدأت, حيث توجه عمرو موسى وزير الخارجية المصري الى ليبيا لمناقشة القضية, وبعدها بأيام أكد السفير المصري لدى الأمم المتحدة ان ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن (روسيا, فرنسا, الصين) وعدت باستخدام حق الفيتو ضد أي تمديد للعقوبات المفروضة على ليبيا. وبدا ان الصفحات الأخيرة لطي الأزمة نهائيا أمر على وشك الحدوث منذ أمس الأول اثر اعلان القذافي موافقته على تسليم متهمي لوكيربي للأمم المتحدة بحلول السادس من ابريل المقبل بعد حصوله على ضمانات من الملك فهد عاهل السعودية ومانديلا رئيس جنوب افريقيا بعدم تطوير محاكمة المتهمين الى محاكمة سياسية للنظام الليبي نفسه, وهو ما يعني تعليق العقوبات ليتم رفعها تماما بعد ثلاثة أشهر ما لم تظهر هذه الأثناء أية عقبات تعرقل تنفيذ هذا السيناريو.