تكشفت مؤخرا خطورة التناقض الاوروبي حيال قضية السلام في الشرق الاوسط , وهو التناقض الذي يرمي الى دعم وتشجيع اسرائيل في الخفاء وبصورة عملية لتثبيت اقدامها في الاراضي المحتلة والتزام مزيد من التعنت ضد فلسطين والعرب , وبصورة علنية الى تبييض الوجه الاوروبي عن طريق اصدار بيانات من شأنها طمأنة العرب الى حيادية الموقف الاوروبي. اتضح ذلك بجلاء في الخطاب الذي ارسلته المانيا رئيس الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي عبر (تيودور والو) سفيرها في اسرائيل لوزارة الخارجية الاسرائيلية والذي جاء فيه حرفيا: (بأنه وفقا للحق الدولي لايحق لاسرائيل التصرف في القدس) وتضمنت الرسالة ان زيارة سفراء اوروبا ستستمر لبيت الشرق الذي يعتبر المقر الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس الشرقية. ولقد جاء هذا الخطاب كرد فعل على محاولة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي منع زيارات سفراء دول الاتحاد الاوروبي الرسمية لبيت الشرق, حيث نصت اتفاقية تقسيم فلسطين عام 1947 على اعتبار القدس مدينة مقدسة للاديان السماوية الثلاث على ان يتم تقنين ذلك باتفاقية قانونية دولية, ولم يذكر في حينه من بعيد او قريب ان القدس ستصبح عاصمة لاسرائيل , الى ان ضمت اسرائيل القدس الشرقية عام 1967 وكانت هذه الخطوة اشارة من اسرائيل لسفراء اوروبا للانتقال الى تل ابيب. ولقي الخطاب الاوروبي ردود فعل عربية عارمة الترحيب واعتبره بعض الساسة العرب بلورة لتحرك اوروبي ايجابي على صعيد قضية السلام المتجمد, غيرانه في في الوقت المواكب لارسال الاتحاد الاوروبي لهذا الخطاب بدأ الاتحاد اجراءات فعلية لمنح اسرائيل امتيازات اقتصادية داخل اوروبا لاتتمتع بها الا دول الاتحاد الاعضاء فقط, حيث عقدت اللجنة الاوروبية في بروكسل اتفاقا مع اسرائيل على التعاون التكنولوجي وامدادها بأحدث التقنية العلمية التي تتوصل اليها دول اوروبا, مع فتح الاسواق الاوروبية امام التقنية الاسرائيلية وتقديم العون في الخبرة والمعلومات لجهات البحث الاسرائيلية, وذلك في استثناء فريد من نوعه تمنحه اوروبا لدولة ليست عضوا في الاتحاد, وهو استثناء سبق ان فعلته شركة فيليبس الهولندية المعروفة عندما منحت امتيازا لاسرائيل فقط لاطلاعها على احدث التقنية في الاجهزة والمعدات التي يتوصل لها خبراء فيليبس وعلماؤها, وهو ايضا موقف يتشابه مع ماحدث بالامس القريب عندما اعلنت دول الاتحاد الاوروبي عن اعدادها لبيان الاعتراف بدولة فلسطين حال اعلانها في 4 مايو المقبل وان فرنسا اعدت مسودة هذا البيان, وواكب ذلك في ذات الوقت موافقة الدول الاوروبية داخل حلف الناتو على تدريب القوات الاسرائيلية ضمن قوات الحلف على احدث الاسئلة كاستثناء وحيد ايضا لدولة ليست عضوا في الحلف هذا. كما رفضت دول الاتحاد الاوروبي في ذات الوقت التهديد بايقاف مشروع الشراكة الاسرائيلي الاوروبي للضغط على اسرائيل لتعنتها في عملية السلام, ورفضت اوروبا استخدام مشروع الشراكة ولو لمجرد التلويح به في وجه اسرائيل, وكأن اوروبا تفصل في مواقفها الاقتصادية والسياسية والعسكرية تجاه اسرائيل, رغم ان هذه العناصر الثلاثة لايمكن فصلها وهي الدعائم المكونة للقوة الاسرائيلية والدافعة لها للتعامل بهذا الجبروت والتعنت مع العرب وقضية السلام. بروكسل - سعيد السبكي