فصل الجنوب سلميا أفضل من استمرار الوحدة مع الحرب) هكذا تحدث الرئيس السوداني عمر البشير كأحد الحلول التي يمكن ان توضع في اجندة الحوار من اجل انهاء مشكلة الجنوب وكواحدة من الخيارات التي يمكن ان تطرح في تقرير المصير . منذ العام 56 تاريخ استقلال السودان والجزء الجنوبي من خارطة البلاد الجغرافية يئن من الحرب. فلا العساكر تركوا البنادق وارتاحوا في ثكناتهم ولا توقف نزيف الدم والمال ولا ارتاح الشمال من الانفاق على الحرب بلا تنمية.. ومواطنو الجنوب من لم يمت بالحرب مات جوعا. فهل خيار الانفصال الذى اورده البشير جاء بعد ان يئس السياسيون من ايجاد حلول لوقف الحرب في اطار وحدة السودان؟ ومن هم الذين لهم الحق في تقرير مصير الجنوبيين؟ هل هم مثقفو الجنوب وساسته الموالون للحكومة ؟ ام هم حاملو البندقية في غابات وأحراش الجنوب؟ ام هم ابناء الشمال من سياسيين وصانعي القرار؟ ام هم مواطنو الجنوب اللاجئون في دول الجوار والذين طحنهم الجوع والفقر والمرض؟ خيار اضطراري : معلوم ان كل الحكومات التي تعاقبت علي السودان طيلة فترات الحكم الوطني لم تطرح في اجندتها خيار انفصال الجنوب لانهاء الحرب.. ولعل حكومة الانقاذ كانت الاكثر تعنتا باعتبار انها فقدت كثيرا من كوادرها وشبابها من غير المنتمين للمؤسسة العسكرية في حرب الجنوب, لكنها تجاوزت كل ذلك طارحة خيار الانفصال بشكل جدي.. لذلك عندما طرح البشير فصل الجنوب سلميا دون استمرار الحرب فان الامر بدا استمرارا ان لم يكن تأكيدا لسياسة حكومية تقضي بفصل الجنوب سلما , طالما بدا خيار الوحدة صعبا. وما هو رأي ابناء الجنوب في ذلك الخيار؟ عثمان ابراهيم الطويل من مثقفي الجنوب وهو المستشار الاقتصادي بمجلس تنسيق الولايات الجنوبية يرفض فكرة طرح خيار الانفصال تماما ويعتقد ان هذا البلد هو سودان واحد وله مستقبل واحد ويعتقد ان هناك فهماً خاطئاً لطرح الرئيس لكنه يؤمن على ان هذا الحديث جاء بسبب تعقيد القضية ويقول : عندما تكون القضية شائكة فلا بد ان تطرح حلولاً جذرية والقضية الخلافية التي كانت سائدة في رأيه هي قضية وحدة السودان وازمة الحكم فى السودان. ويعدد الطويل عدداً من الازمات الاساسية فى السودان وهى ازمة الاندماج بين الشمال والجنوب وازمة الاختراق الخارجى وازمة توزيع الثروة وازمة المشاركة فى السلطة وازمة الشرعية ثم ازمة كيفية الانتقال وتداول السلطة بين الناس. ويشير الطويل لبعض المعالجات التى تمت. فمن وجهة نظره ان الفيدرالية عالجت معظم هذه الازمات ولم يتبق الا ازمة انتقال السلطة والتداول السلمى اضافة الى ازمة توزيع الثروة. ويؤكد الطويل ان حسم هذه الخلافات يتم عن طريق منهج جنوبى فى الحق الاختيارى بين الوحدة والانفصال. وهذا حق انسانى يجب ان يمارسه الجنوبيون. والانفصال الذى يراه الطويل يجعل حدود الجنوب هى حدود 56 اما اذا اختاروا الوحدة فانهم سيندمجوا فى الوطن الواحد. من يقرر مصير الجنوب؟ عثمان الطويل يعتقد ان ذلك الشئ هو حق شخصى لا يملكه الا مواطنو الجنوب انفسهم ولاحد سواهم. ولكن حتى يستطيع المواطن الجنوبى ان يفعل ذلك بملء ارادته فلا بد ان يمر عبر عدة محطات اولها الاعتراف بحقوقه كاملة حيث ان العلاقة بين الدولة والمواطن اساسها كفالة حقوق المواطن فالانتماء الدينى او العرقى او القبلى والاثنى لا يمنح امتيازا.. والمساواة المطلوبة فى هذه الحالة تقوم على التوازن والتناسب وذلك بتوفير فرص التعليم لكل مواطن. اما المحطة الثانية فهى محاربة الفقر باستغلال موارد الزكاة وتوجيهها لخدمة برامج محاربة الفقر وتقديم نموذج فى ظل المشروع الحضارى وليس عن طريق الاسلمة السياسية.. والان فى الشمال أربعة ملايين نازح جنوبى.. اما المحطة الثالثة فهي علي حسب رؤية الطويل تتلخص في ان المساعي لا بد ان تكون جادة نحو احلال السلام بخلق ارضية من الثقة بين الجنوبيين الذين ارتضوا البقاء داخل الدولة السودانية والحكومة القائمة حتى يكونوا جسرا لجذب العناصر التي ما زالت في مناطق التمرد. يعتقد الطويل ان حديث الرئيس وطرحه لم يكن شاذا بل هذا الطرح موجود في ثوابت الدستور واتفاقية الخرطوم للسلام اقرت الحق الاختياري للجنوب... اذن حديث الرئيس استند على الاتفاقية.. لكن القسم الذى اداه رئيس الجمهورية هو ان يحافظ على وحدة البلاد لذلك لا بد ان يعمل من اجل وحدة البلاد.. ويتساءل كيف يفصل الجنوب والناس يموتون من اجل الوحدة. وفي هذا السياق يؤكد الطويل ان ابناء الشمال ليسوا اوصياء على الجنوب ولا يملكون الحق في تقرير مصيره. وحول فترة الانتقال المحددة لتقرير المصير يقول الطويل: (هنالك فترة انتقالية محددة. هذه الفترة يتم تقليصها او زيادة مدتها عن طريق ثلثي اعضاء مجلس تنسيق الولايات الجنوبية مدتها أربع سنوات تبدأ باداء اعضاء المجلس للقسم وتنتهي في عام 2002. وبعد الفترة الانتقالية يقرر ابناء الجنوب ماذا يريدون.. هل يريدون حكما كونفدراليا ام فدراليا فاذا اختاروا الكونفدرالية فعليهم التصويت اما إذا اختاروا الخيار الثاني فعليهم التصويت مع وحدة السودان. ويشير الى ان تقرير المصير غير مشروط بالسلام او استمرار الحرب وانما بفترة محددة. مطالب الجنوبيين : ابناء الجنوب خصوصا مثقفوه حريصون على انهاء الحرب وعلى اعطاء الجنوب حق تقرير المصير , ومن هؤلاء ايضا الاستاذ علي تميم فرتاك وهو حريص علي تطبيق اتفاقية الخرطوم واتفاقية فشودة للسلام لان توقيت الاتفاقيتين موقوت بفترة زمنية وأهداف محددة متفق عليها حيث يفضي ذلك اما الى الوحدة او الانفصال.. ويعتبر ان اي تلكؤ في تنفيذ الاتفاقيتين سيكون له تأثير على نتائج الاستفتاء. وهو يعتبر ان مطالب الجنوبيين هي الوحدة حسب مقررات مؤتمر جوبا الذى عقد عام 1947م. ويعتقد فرتاك ان الذين يعملون لانفصال الجنوب عن الشمال هم القوي التي تؤجج نيران الحرب ويرى ان هناك قوى محلية واقليمية ودولية تنفذ في اجندة مختلفة من بينها فصل الجنوب لكن هذه الاجندة ظلت تصادم رغبات ابناء الجنوب المؤمنين بالوحدة مقابل اقلية ترى مصلحتها في الانفصال. ويشير فرتاك الى احداث تاريخية فضل فيها ابناء الجنوب خيار الوحدة ويستشهد باول تجربة متمثلة في مؤتمر جوبا عام 47 والتجربة الثانية كانت عند توقيع اتفاقية اديس ابابا عام 72 بينما كانت الثالثة في اتفاقيتي الخرطوم وفشودة للسلام اللتين اكدتا العمل على تغليب خيار الوحدة مع كفالة الحريات لابناء الجنوب.. كذلك من خلال استفتاء تمت اقامته عقب انتهاء الفترة الانتقالية وتحت رقابة دولية واقليمية لتقرير مصير الجنوب في ظل الوطن الواحد او قيام دولتين متجاورتين. وباستقراء التاريخ المعاصر وانطلاقا من مواقف ابناء الجنوب يعتقد فرتاك ان الخيار الغالب هو خيار الوحدة خاصة بعد كل تجارب الصراع المرير.. ويقول عندما نتمعن في حاجز جميع القوى والفعاليات الجنوبية علي مستوى الولايات والصوت المنادي بالوحدة هو الغالب. ورغم تفاؤل فرتاك بتحقيق الوحدة الا انه لا يستبعد حدوث مفاجآت في حدوث الانفصال, الا انه يؤكد ان هذه المفاجآت يمكن ان تحدث بواسطة بعض الجهات الخارجية التي يمكن ان توفر تمويلا كبيرا وتقدم برنامجا يخاطب عواطف الجنوبيين وليس عقولهم. هذا بالاضافة الى مواقف بعض الدول المجاورة واستغلال المواقف المعادية للبلاد لتأجيج نيران الفتنة في الجنوب يمكن ان تقود الى تحقيق ذلك الخيار غير المنشود. اما اكيلي دينق أشول وزير الشؤون القانونية بمجلس تنسيق الولايات الجنوبية فيطرح حق تقرير المصير لكنه يراهن على ان خيار الوحدة هو الذي سيغلب ويؤكد ان القوى السياسية الجنوبية وابناء الجنوب عموما مع خيار الوحدة ومطالبهم تنحصر في تحسين اوضاعهم المعيشية وتوفير التنمية واعمار الجنوب في ظل الوطن الواحد. واكيلي دينق من ابناء النوير ولاية الوحدة بملكال وكان يشغل وزير التجارة وقائد عسكري في حركة جون قرنق وهو احد الموقعين على اتفاقية الخرطوم للسلام. ويتحدث اكيلي دينق عن اهمية خيار الوحدة بالنسبة لكل السودان وليس للجنوب فقط ويؤكد ان العناصر الجنوبية التي تطالب بالانفصال مضطرة الى ذلك لان الشماليين يستأثرون بالسلطة ويجمعون الثروة في ايديهم.. وحمل دينق ابناء الشمال كثيرا من معاناة الجنوب. ويعتقد ان الحكومات الشمالية لم تكن جادة في تحقيق مطالب ابناء الجنوب ويشير الى ان خيار الوحدة لن يتحقق ما لم يتم تنمية الجنوب لان هذه اسباب معاناة الجنوب وهي من اهم عوامل التفرقة واحساس الجنوبيين بالقهر والظلم.. وامن على ضرورة استمرار عمليات الاغاثة للمناطق المتضررة واشاعة الامن والطمأنينة.. لكنه لم يستثن الساسة الجنوبيين من مسؤولية معاناة الجنوب.. ويعتقد ان كثيرا من ابناء الجنوب سواء المنضمين للحكومة أو حاملي السلاح ليسوا الا (تجار قضية) ولهم استفادة شخصية من استمرار ذلك الوضع الجنوبي غير المستقر. ويشير اكيلي دينق ان معظم الحكومات الشمالية ظلت تقف موقف المتفرج في الصراع الجنوبي الجنوبي. لذلك لا بد ان يتم اتفاق بين ابناء الجنوب انفسهم وتوحدهم ثم يبحث في امر الوحدة او الانفصال بين الشمال والجنوب. ويضيف : ( نحن لا نريد شتات السودان والعالم يتجه نحو الوحدة لكن إذا وجدنا نحن كجنوبيين حريتنا في الانفصال فسوف نطالب بذلك) . ويقول ايضا : (اربعون عاما ظل يحكمنا ابناء الشمال الآن نحن نريد ان نحكم.. نريد ان تنتقل السلطة الى ايدي ابناء الجنوب ومن حقنا ذلك) ويتساءل: (لماذا لا يعين نائب اول للرئيس من ابناء الجنوب ؟ ولماذا لا تعطى وزارات حساسة لابناء الجنوب؟ ولماذا دوما يتم ارضاؤنا بوزارات العمل او الثروة الحيوانية او المواصلات ؟ لماذا لا يكون وزير الخارجية او الدفاع جنوبيا ؟) . واكيلي دينق لا يعارض خيار الانفصال اذا لم تؤد الوحدة لاهداف ومرامي ابناء الجنوب.. ويؤكد ان الحرب استنزفت كل السودان وامتدت لتحصد ابناء الشمال والجنوب ووصل الخطر حتى النيل الازرق فاذا كان خيار الانفصال يضع حدا جذريا لتلك المشاكل فلا اعتراض.. ومن الممكن حسب قوله ان يكون هناك تعايشا سلميا بين دولتين جارتين واذ1 رأت الاجيال القادمة ان التوحد فلها ذلك.. لكن طالما هناك حقد وكراهية فالمشكلة يمكن ان تصل حتى الخرطوم. خطورة تقسيم السودان ماذا يحدث اذا تحول السودان الى دولتين متجاورتين.. هل سيكون هناك تعايش سلمي وحسن جوار.. وماهي درجة وخطورة التدخلات الخارجية بالنسبة للجنوب وبالنسبة لدولة الشمال ؟ وما هو مصير الجنوبيين المتواجدين الان بالخرطوم ؟ وهل سيتم الانتقال بشكل مرضٍ ام سيكون قسرا.. وما هو مصير التنمية في الجنوب في ظل دولة جنوبية يعاني ابناؤها من صراعات قبلية وعرقية ودينية ؟ بيتر جات كوث من ولاية الوحدة التي تقع قريبا من الحدود الجنوبية الشرقية للسودان مع اثيوبيا يتحدث عن خطورة تقسيم السودان الى دولتين ويقف بقوة مع خيار الوحدة ويعتقد ان المنادين بالانفصال ينطلقون من منطلقات ذاتية ومصالح شخصية ولايعبرون عن مواطني الجنوب.. ويؤكد ان ان ابناء السودان في الشمال والجنوب تكاتفوا لاخراج المستعمر من اجل ان يبقى السودان واحدا فلماذا يقررون الان التخلي عن كل ارث التكاتف والنضال ذلك وينفصلون. بيد ان جات كوث وهو سياسي مخضرم يؤمن على ضرورة اعمار الجنوب وازالة الفوارق بين ابناء الوطن الواحد. ويؤكد جات كوث وهو المسؤول عن البرنامج الاسعافي لاعمار الجنوب ان عوامل ضعف التنمية والخدمات في الجنوب من اهم اسباب المشاكل والاحساس بالغبن , لكنه يشير الى تحسن الاوضاع الان بتوفير خدمات التعليم والعلاج اضافة الى دخول الكهرباء في بعض المناطق , ويؤكد ان قبيلة النوير التي ينتمي اليها هي قبيلة وحدوية وترفض انفصال السودان , لكنها تطالب بالوحدة. الوحدة قادمة صمويل ارو السياسي الجنوبي المخضرم وعضو البرلمان السوداني واحد الموقعين على اتفاقية الخرطوم للسلام , كان له رأي مماثل , لكنه يؤكد على ان الاتفاقية التي يصفها بالتاريخية تركت خيار الوحدة والانفصال للجنوبيين وانهم هم الذين يقررون ما يريدون. ويقول ارو الذي تحدث لـ (الملف السياسي) بالانجليزية ان الوحدة اقرب الى المزاج الشعبي اكثر من الانفصال , وهو يرى ايضا ان السلام يبدو قريب المنال جدا وان اتفاقية الخرطوم للسلام والتطورات الدستورية والقانونية بالبلاد جعلت الامر يبدو ممكنا اكثر. اما وزير التربية والتعليم بمجلس تنسيق الجنوب دينق قواج بوث فيقول في سياق متصل مع رؤية ارو ان الوحدة قادمة لا محالة ويقول انه يحلم بدولة سودانية موحدة مستقرة تنعم بالسلام وتنصهر فيها جميع الاعراق. ولكن بوث يحدد اسبابا عدة لما يعتبره مناخ عدم ثقة بين الشمال والجنوب قائلا ان الاستعمار كان المسؤول الاول عن خلق هذا المناخ , فضلا عن التنمية غير المتوازنة بين الشمال والجنوب اضافة الى اسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية يرى انها عمقت مناخ عدم الثقة ويقول بوث في هذا الخصوص ان عدم انصهار الشماليين والجنوبيين وعدم تساوي فرص العمل والتعليم جعلت الامر يبدو وكأنما ان الجنوبيين هم بالفعل مواطنين من الدرجة الثانية. بيد ان صمويل ارو كان له رأي مغاير اذ يعتبر ان جوهر الصراع الان هو بين الحكومة السودانية والجنوبيين (قرنق) من جهة وبين الجنوبيين والجنوبيين من جهة اخرى , نافيا ان يكون هناك (شجار) حسب تعبيره بين الشماليين والجنوبيين . وطالما ان الامر كذلك حسب رؤية ارو فان الحل يبدو سهلا وحتى اسهل مما يتصور. دور الانقاذ هل جعلت حكومة الانقاذ الوطني حل مشكلة جنوب السودان ممكنا ام انها عقدت الحل؟ سؤال اتفق معظم السياسيين الجنوبيين في تقديم اجابة شبه واحدة عليه , اذ رأي صمويل ارو ان الانقاذ جعلت حل مشكلة الجنوب على مرمى حجر على عكس اتفاقية اديس ابابا العام 1972 التي قال ارو انه شارك في مفاوضاتها وصياغتها واضاف الحل سهل الان وكل ما علينا هو ان نجلس ونتفاوض. ويقول الوزير بوث ان الانقاذ اسهمت في الحل بنسبة 100 بالمائة وانها قدمت للسلام اتفاقيتي فشودة والخرطوم للسلام فضلا عن مساعيها الحميدة من اجل السلام. ويتفق فرتاك مع الوزير بوث على ذلك ويؤكد ان الانقاذ كانت جادة تماما في حل مشكلة الجنوب منذ بيانها الاول. الخرطوم: الملف السياسي