خلال الشهر القادم تشهد العاصمة الكينية نيروبي جولة جديدة من المفاوضات بين الجبهة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والحكومة السودانية تحت مظلة الايجاد , وقد بدأت من التكهنات والتوقعات عما يمكن ان تسفر عنه هذه الجولة الجديدة من المفاوضات من نتائج على طريق حل الأزمة في الجنوب.. في الوقت نفسه هناك تطورات عديدة تحدث حاليا على الساحة السودانية تمثلت في طرح فكرة الوفاق الوطني للبحث والمناقشة كأسلوب أمثل لحل الأزمة السودانية, وتدخل الكثير من الأطراف الخارجية في المشكلة السودانية بهدف القيام بدور لانهائها مثل الطرف الأوروبي الذي يضطلع بدور فاعل حاليا في التعاطي مع الأزمة, والوساطة الليبية التي قطعت شوطا لا بأس به في سبيل تجميع أطراف الأزمة السودانية على مائدة الحوار. (الملف السياسي) التقى الدكتور حيدر ابراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية بالقاهرة في حوار حول ما يمكن ان تسفر عنه اجتماعات نيروبي المقبلة, ومدى تأثير الحرب الاريترية الاثيوبية الحالية على المشكلة, وما يمكن ان يقدمه الطرح الحكومي الخاص بالوفاق الوطني لحل أزمة الجنوب السوداني, والوضع الحالي للمعارضة السودانية داخليا وخارجيا, وامكانية قيام الوساطة الليبية بدور في حل الأزمة. * ماهي رؤيتكم للمفاوضات القادمة بين الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان والحكومة السودانية والتي ستعقد تحت مظلة الايجاد في نيربي الشهر المقبل, هل يمكن ان تسفر عن نتائج ملموسة؟ ــ دعني اؤكد ان (الايجاد) من الناحية العملية انتهى دوره تماما لسبب بسيط وهو ان دول الايجاد لديها من المشكلات مايكفيها وما يمنعها من لعب ادوار اخرى لصالح اي اطراف, خاصة اريتريا واثيوبيا فهما يعانيان حاليا من حرب طاحنة, واوغندا والصومال لديهما مايكفيهما من تداعيات الحروب الاهلية, الملاحظ حاليا ان هناك تركيزا واضحا من قبل شركاء الايجاد الاوروبيين على الدور الكيني, واعتقد ان اية نتائج او مواقف قد تنجم عن لقاء الشهر المقبل هي في الواقع مواقف الدول الاوربية التي تهتم بالسودان والتي تعتبر نفسها شريكة للايجاد مثل الدول الاسكندنافية والمانيا وهولندا وهذا يقود الى نقطة هامة جدا وهي الى اي مدى يمكن ان تكون التسوية لمسألة جنوب السودان في صالح سودان موحد والى اي مدى يمكن ان تكون هذه التسوية ذات طابع افريقي؟ لقد انتقل الثقل والقدرة على التعاطي مع المشكلة من الدول الافريقية الى الدول الاوروبية والتي لديها تصورات معنية تصب جميعها في خانة الكونفدرالية فما فوق.. ولذلك فإنني اعتقد ان اولوية الاجندة في اجتماع نيروبي ستكون الانفاق على وقف الحرب بقصد تحقيق شيئين الاول وصول المساعدات الانسانية للجنوب السوداني والثاني تهيئة الظروف للاستفتاء حول تقرير المصير. * هل يعني ذلك ان مشكلة الجنوب السوداني تم تدويلها وهل انت مع اوضد ذلك؟ ــ انا لست مع تدويل المشكلة في جنوب السودان.. ولكن لابد أن اشير في هذا الصدد الى ان الحكومة قد دولت المشكلة منذ البداية عندما قامت بعقد لقاءات خارج السودان في ابوجا, واللقاءات التي كانت تتم في واشنطن ولاهاي.. عمليا حدث التدويل.. أما الشكل الاخير المنتظر حدوثه في اطار التدويل فهو ان تتدخل الامم المتحدة بصورة مباشرة لحل المشكلة في الجنوب اذا استمرت الحرب, ولم تصل المساعدات الانسانية وقد بدأت ارهاصات هذا الشكل حيث دعت الامم المتحدة لان يكون هناك ممثل خاص للامم المتحدة للجنوب السوداني والمشكلة السودانية ككل.. المطلوب ان يكون التحرك سودانيا سواء كان لحل مشكلة السودان ككل أوالجنوب.. من الممكن ان ترعى بعض الدول هذا الحل وبصورة معنوية فقط مثل مصر وجنوب افريقيا ونيجيريا والامارات العربية المتحدة, اما الاستمرار في تدويل المشكلة فهو سيعقد المشكلة اكثر واكثر. بحث المسألة الجنوبية * عودة الى الايجاد هل هناك فرصة لاعادة تفعيل دوره في التعامل مع قضية الجنوب السوداني؟ ـ هناك بعض مجموعات المعارضة السودانية الشمالية ترى بضرورة توسيع الايجاد سواء من ناحية موضوعاته, او من ناحية عضويته.. من ناحية عضويته بأن تضاف اليه دول اخرى مثل مصر من اجل تنشيط دوره مرة اخرى, ومن ناحية موضوعاته بأن يتم توسيع هذه الموضوعات بحيث تشمل المشكلة السودانية بصورة شاملة, وليس بحث المسألة الجنوبية ووقف الحرب فقط.. واعتقد ان هذا الطرح يوافق وجهة النظر المصرية التي ترى بضرورة حل الازمة السودانية ككل بدلا من التركيز على حل مشكلة الجنوب فقط ولذلك فهي ترى ايضا بالتقليل من الاسراع نحو الاستفتاء حول تقرير المصير في الجنوب. طريقة عقيمة * التقى مؤخرا جون قرنق قائد الجبهة الشعبية لتحرير السودان مع رياك مشار.. فما هو تصوركم لأسباب عقد هذا اللقاء, وما صحة ما تردد عن ان مشار مخولا للتفاوض باسم الحكومة السودانية مع قرنق؟ ــ اعتقد ان اللقاء لم يكن سياسيا ولكنه كان بهدف الاتفاق على وقف الاقتتال القبلي في الجنوب, وقد فسره البعض انه خطوة في طريق التصالح بين قرنق ومشار, فالمعروف انه بعد خروج مشار من المؤتمر الوطني وتكوينه للجبهة المستقلة هناك جنوبيون مازالوا مع الحكومة وهم يعادون مشار لذلك, فاعتقد ان مشار يريد الاقتراب أكثر من قرنق, فهناك الكثير مما هو مشترك بينهما. * عندما طرحت الحكومة السودانية موضوع الوفاق الوطني, هل ترى انها وضعت في اعتبارها الموقف في جنوب السودان؟ ــ أتصور ان الحكومة السودانية بهذا الطرح أرادت ان تحول مشكلة الجنوب الى صراع جنوبي جنوبي, وليس صراع شمالي جنوبي, وهذه طريقة عقيمة تلجأ اليها الحكومات بافتراض ان الجنوبيين أنفسهم ليسوا متفقين مع بعضهم البعض, لذلك كانت الحكومات تعتقد انها حققت انتصارا يأخذ مجموعة من الجنوبيين, وكل همها ان تشق الحركة الشعبية, ولكن هذا سلاح ذو حدين لأنه من الممكن ان تكون في المجموعات الموالية للحكومة خلافات وصراعات ايضا. وعموما لم تنجح الحكومة السودانية الحالية في هذا الأمر حتى الآن, فالجنوبيون مازالوا متشككين في حكومة الخرطوم, لقد استفاد الجنوبيون من المناصب والعمل داخل الخرطوم, ولكن الحكومة لم تستطع ان تكون كتلة تكرس السلام الداخلي, فالحرب لم تتوقف بعد وهناك فصائل من مجموعة السلام من الداخل تمردت على الحكومة.. الحكومة لم تنجح في المخطط الخاص (بجنوبة الصراع) وهذا قد يخلق نوعا من الفوضى بسبب الصراع بين القبائل والمجموعات القبلية الجنوبية. * الى اي درجة استفاد النظام الحاكم في السودان من الحرب بين اريتريا واثيوبيا وخاصة انه ترددت انباء عن اغلاق لمعسكرات الجبهة الشعبية لتحرير السودان في اثيوبيا؟ - حتى الآن لايوجد تأثير واضح بالنسبة للحرب الاريترية الاثيوبية, ولكن لو استمرت هذا الحرب لفترة اطول من الممكن ان يحدث تأثير ... ولكن لو توفقت الحرب في وضعها الحالي فالتأثير سيكون محدودا .. فالواضح انه لم يحدث حتى تقارب بين السودان واثيوبيا .. فالقضية السودانية ليست قضية اقليمية فهناك مصالح اخرى تتشابك في المنطقة ويمكن لهذه المصالح ان تؤثر في موقف اثيوبيا فيما يتعلق بالتقارب مع السودان, فالولايات المتحدة التي ترى بأن السودان يشكل بؤرة للتوتر في المنطقة لن تسمح لأن يكون هناك تقارب بينه وبين اثيوبيا. استقرار الوضع * قام الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبد المجيد مؤخرا بزيارة الى السودان فما هي رؤيتكم لطبيعة هذه الزيارة؟ - اعتقد ان هناك لوم وجه للدكتور عصمت عبد المجيد في انه لايولي الدول العربية الموجودة تحت الحصار الاهتمام المطلوب لذلك اراد من وراء زيارته للسودان ان يزيل هذا اللوم ويؤكد انه لايتجاهل الدول الواقعة تحت الحصار؟ اضافة الى تأكيد ان الجامعة العربية تمارس دورها القومي وتحرص على استقرار الوضع في السودان .. وربما اراد الامين العام من وراء زيارته تلمس الى اي مدى يمكن ان تصل حكومة الخرطوم الى مصالحة ووفاق مع المعارضة, وخاصة ان هناك عدداً من الدول العربية لديها رغبة في الوصول الى هذا الوفاق والمصالحة بين المعارضة السودانية والحكومة. * هذا يقودنا إلى الحديث عن الوساطة التي تقوم بها ليبيا حاليا بين قوى المعارضة والحكومة السودانية فما هو تقديركم لما يمكن ان تسفر عنه هذه الوساطة؟ ــ بالنسبة للوساطة الليبية أنا شخصيا لا أعتقد ان هناك طرحا ليبيا معنيا, فالمعروف ان ليبيا من الدول التي قامت بصورة غير مباشرة بدعم النظام السوداني على اعتبار انه نظام وطني معادي للولايات المتحدة الأمريكية وان عيبه الوحيد انه يريد الاستفراد بالحكم وعدم اشراك الآخرين, هذا هو رأي النظام الليبي في النظام في السودان. أعتقد ان توقيت الوساطة الليبية غير ملائم, فالمعروف ان ليبيا لديها مشاكلها الخاصة والمتمثلة في أزمة لوكيربي, ولذلك أعتقد ان المبادرة الليبية يتم التعامل معها على انها مجرد توضيح لوجهة نظر المعارضة السودانية للقذافي أو تحييده, لأن القذافي حتى الآن ليس بعيدا عن النظام, وعموما لقد ظهرت للمبادرة الليبية آثار سلبية على التجمع الوطني تمثلت في الخلاف الدائر حاليا حول من الذي سيدعى, هل سيدعو القذافي التجمع كاملا, أم سيدعو بعض الشخصيات؟ وهل النظام الليبي على استعداد لدعوة الشيوعيين واليساريين والبعثيين أم سيكتفي بدعوة الميرغني والصادق المهدي وقرنق وهذا كله محل حوار ونقاش وخلاف كبير الآن بين قوى المعارضة السودانية. تعاون اقتصادي هناك بعض القوى الخارجية كان لها ارتباط بالمسألة السودانية فما هو تأثيرها وتداخلها في الأزمة السودانية؟ لاشك ان النظام السوداني قد استفاد من علاقته ببعض القوى الخارجية التي قدمت له مساعدات عسكرية, واقتصادية ولقد ساعدت هذه العلاقات في انقاذ النظام من حالة الضعف والتأزم الاقتصادي الذي كان يعاني منه بسبب علاقته السيئة بصندوق النقد الدولي, والدول الغربية المانحة.. وقد كان لذلك مردوده السلبي بالنسبة للمعارضة. * اخيرا هناك اتهام موجه الى المعارضة السودانية مفاده انها ضعيفة ولن تستطيع عمل شيء؟ ــ المعارضة في الداخل ليست ضعيفة فقد بدأت تنشط بصورة واضحة وتزداد فعاليتها, واستطاعت ان تكسر حواجز كثيرة من الرهبة او التردد.. وتمكن هذه الفعالية في التجمعات والاضرابات في النقابات ولكن تبقى القوانين المقيدة للحريات وانها حقوق الانسان.. انا اعتقد ان المعارضة في الداخل في صعود مستمر, أما المعارضة في الخارج في هبوط وانحسار وذلك يرجع الى كونها لاتمتلك مبادرات فهي تعمل وفق سياسة رد الفعل بالاضافة الى عدم انفاقها وانشغالها بقضايا ليست اساسية, وهذا وضع طبيعي لأية معارضة خارجية لانها بعيدة عن الاحداث اليومية.. المعارضة في الخارج تتعامل وكأن النظام قد سقط بالفعل ولذلك فهي تهتم بما بعد سقوط النظام, لذلك يكثر حديثهم عن الفترة الانتقالية وشكل النظام.. اما المعارضة في الداخل فهي تتصارع وتتصادم يوميا مع الحكومة في مواجهة المعاناة الاقتصادية او مصادرة الحريات للمواطن السوداني ولذلك اعتقد ان الوقت قد حان لان تكون اغلب المعارضة في الداخل وان يكون الدعم لها, وان تعود الكوادر والقيادات الى الداخل للعمل وسط الجماهير. اجرى الحوار: صالح الفتياني