بعدما كان المحللون في السبعينات يصفون السودان بسلة العرب اعتبارا للامكانيات الفلاحية التي يزخر بها هذا القطر العربي , فإنه اضحى من الدول الاكثر فقرا في العالم والمرشحة للانفجار بفعل مشكلات متباينة ومعقدة, تأتي في مقدمتها مشكلة الاندماج بين الشمال والجنوب التي تستنطق بشكل حاد اشكالية بناء دولة مندمجة ومنصهرة, ومنذ الاستقلال فقد واجه السودان مشكلة ما بات يعرف بقضية الجنوب, ولم تفلح المحاولات المختلفة في ايجاد مخرج لهذا المأزق الذي يستنزف امكانيات البلاد فالحرب الدائرة في الجنوب تحصد آلاف القتلى دون ان يتوفر اي طرف على امكانية حسمها النهائي, ومن ثم يبقى السؤال المطروح لماذا استعصت هذه المسألة على الحل؟ هل لها روافدها الموضوعية ومحدداتها المستقلة, ام كما يعتبرها البعض مجرد افراز لتدخلات اجنبية ولمرغمات اقليمية؟ ان قراءة متأنية للتراكم المتعلق سواء بدراسة هذه المشكلة, او تطوراتها المختلفة تبرز وجود ثلاثة عوامل متداخلة غذت هذا الصراع, وحولته الى قضية شائكة تتطلب الكثير من الشجاعة في معالجتها على ضوء الواقع والزمن العالمي المتسم بهيمنة الديمقراطية وحقوق الانسان وهي تتمثل في الدور الاستعماري لبريطانيا منذ احتلالها للسودان, ويرتبط العنصر الثاني بالسياسات الوطنية في معالجة هذه المشكلة وعجزها عن اعطاء اطار ملائم لتذويب الخصوصيات المختلفة داخله, وتكمن الاخيرة في المعطيات الخارجية التي تفاعلت مع مشكلات السودان لتزيد الاوضاع تعقيدا. اولا: الاستعمار و(المسألة الجنوبية) يشير الاستاذ عوني فرسخ في كتابه (الاقليات في الوطن العربي) الى ان مسألة الجنوب السوداني ارتبطت بالسياسة الجنوبية للاستعمار البريطاني هذا الاستعمار الذي هزم المهدية في سنة 1898 بعدما كانت قد استطاعت في سنة 1881 ان تقود ثورة ضد فساد الحكم المصري التركي, بيد ان حكمها ذا التوجه الاسلامي القائم على العودة الى جوهر الاسلام ونقائه, سيفضي الى قيام معارضة قوية من مختلف القبائل والمجموعات الاثنية, لقد بنى هذا الاستعمار البريطاني سياسته في السودان على ثلاثة محاور وهي: تصفية النفوذ المصري من خلال الاعتماد المتزايد على المتعلمين السودانيين, واضعاف الصوفية عن طريق دعم الزعامات والمشاعر القبلية وعزل اقاليم الجنوب بالالتزام بما سمى بـ (السياسة الجنوبية) وذلك انطلاقا من معاملة الجنوب على نحو مختلف عن معاملة الشمال, باعتبار انهما هويتان مختلفتان في مراحل التطور والتقدم, وانطلاقا من هذا التوجه فقد نهجت بريطانيا سياستين مختلفتين ترتكز الاولى على تطوير هوية قومية في الشمال, معتمدة على الانصار والختمية في حين ارتكزت السياسة في الجنوب على الحكم غير المباشر بما من شأنه ان يكرس التمايز بين المنطقتين وعلاوة على ذلك فقط سمحت للبعثات التبشيرية المسيحية بالنشاط في الجنوب, بدعوى حمايته من تجار الرقيق الشماليين وهكذا قام صراع حضاري خفي بين المسيحية التبشيرية الغربية المدعمة بالنفوذ الرسمي وبين الاسلام المغولب على امره في ادغال الجنوب مما سيفضي الى تكريس بعد جديد في التمييز بين الشمال الاسلامي والجنوب المنعوت بكونه مسيحيا. ثانيا ممارسات الحكم الوطني لم يؤد استقلال السودان الى معالجة منفتحة لقضية الجنوب ولا الى ازالة مظاهر سوء التفاهم التي استقرت بين الشمال والجنوب, ودون التدخل في سرد لمختلف حلقات هذه العلاقة يمكن القول ان الكثير من الممارسات لم تكن تدفع إلا في تأجيج قضية الجنوب. فمن جهة يعتبر بعض المحليين ان الزعامات السياسية التي تولت السلطة مباشرة بعد استقلال السودان في فاتح يناير 1956 لم تدرك طبيعة التحولات والثورات التي كانت تجرى سواء في السودان او في العالم, ولاسيما ما يتعلق بفكر التحرر والاستقلال فلم يكونوا مستعدين لمناقشة مشكلة الجنوب في اطار فيدرالي, او في اطار الاستقلال الذاتي بل ان هاجسهم الاساسي كان يتمثل في اقرار استقلال السودان كاملا رغم ان النواب الجنوبيين لم يقبلوا الانضمام لاعلان الاستقلال في البرلمان إلا بعد ان اخذوا وعدا قاطعا باقرار حكم فيدرالي في البلاد. ثانيا: ان بعض القرارات التي اتخذت لم تزد إلا فى تعميق ازمة الثقة بين الشمال والجنوب وهكذا فإن قرارات لجنة السودنة التي اسسها اسماعيل الازهري, والتي اصدرت قراراتها في سنة 1954 ادركت من طرف متعلمي الجنوب, وكأنها تهدف الى اقصائهم وتمكين مثقفي الشمال بحكم موقعهم التكويني والثقافي من الاستئثار بمركز القرار في الشمال والجنوب. ثالثا: بفعل اللا استقرار السياسي الذي عانى منه السودان وبالتالي تعاقب الحكومات فقد كان طبيعيا ان يؤثر ذلك على التعامل مع القضية الجنوبية فقد استمر التضارب حول كيفية معالجة هذا الواقع وتأرجحت المواقف بين التفاوض وبين فرض سياسات بالقوة وكذلك بين الالحاق والتذويب والقبول بنوع من الاعتراف بالذاتية الخاصة للجنوب كما حصل مع الحكومة العسكرية الاولي 1958 ـ 1964 الامر الذي دفع بحركات المعارضة في الجنوب الى توحيد صفوفها في اطار الاتحاد الوطني للمناطق المغلقة بالسودان الافريقي, وقد ادى فشل هذا الاتجاه الى تفجير الكفاح المسلح بقيادة منظمة انيانيا التي نشأت عام 1963 على يد مجموعة من الجنود الجنوبيين (4) هذه الحرب الاهلية لم يتم ايجاد تسوية مؤقتة لها إلا في عهد حكم الجنرال النميري الذي تمكن من توقيع اتفاقية اديس ابابا في عام 1972 وهي الاتفاقية التي ارتكزت على الاخذ بعين الاعتبار بعض خصوصيات الجنوب ولا سيما ما يتعلق بمنحه نوعا من الاستقلال الذاتي وكذلك التطبيق الادنى للشريعة الاسلامية في مناطق الجنوب, علاوة على ادماج مقاتلي حركة التمرد في الجيش السوداني, وقد كانت هذه الاتفاقية ممكنة بفعل تحسن العلاقات السودانية الاثيوبية مما سمح بالوصول الى معادلة سياسية تقوم على وقف مساندة السودان لحركة التحرير الارتيرية بالمقابل وقف اثيوبيا عن مساندة انشطة المعارضة في الجنوب. بيد ان هذا الاتفاق لم يعمر لاكثر من عقد من الزمن ففي سنة 1983 اندلعت الحرب الاهلية من جديد بقيادة الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان ويعزو احد الباحثين السودانيين هذه العودة الى ثلاثة عوامل رئيسية وهي اولا: وجود جو من الشك وعدم الثقة بين الحكومة المركزية والقيادات الجنوبية المدنية والعسكرية اذ انه لم يتم انشاء نظام حكم ذاتي حقيقي واستمرت سيطرة الحكومة المركزية. ثانيا: اكتشاف النفط بكميات كبيرة في منطقة بنتيو في الاقليم الجنوبي وتوقيع اتفاقية الاستغلال مع شركة شفرون, وهو الامر الذي اضاف بعدا جديدا للصراع يتجسد في البعد الاقتصادي فبالنسبة للجنوبيين فقد باتوا يعتبرون ان منطقتهم غنية بثرواتها النفطية, وبالتالي فإن الشمال يسعى فقط الى استنزافها دون ان تستفيد المنطقة فعليا بخيراتها لاسيما بعد ان اقدمت الحكومة على تكليف شركة فرنسية لانشاء قناة جونجلي باتفاق مع مصر واخير فإن قرار تطبيق الشريعة الاسلامية في البلاد كان يبدو بالنسبة للجنوبيين متناقضا مع روح اتفاق سنة 1972 فهو يعبر عن ارادة واضحة في طمس هويتهم الثقافية والدينية المسيحية, وبالتالي العمل على تذويب شخصيتهم, مما اعاد الى الواجهة البعد الثقافي في هذا الصراع وهو الذي استعمل دائما كعنصر اساسي لتبرير مطالب الجنوب ولاستنفار تعاطف المجتمع الدولي ولاسيما الغربي بمؤسساته المختلفة. منذ سنة 1983 والحرب الاهلية قائمة ولم تفلح الحكومات المتعاقبة في وضع تسوية لها, باعتبار ان البلد لم تستطع حتى الساعة الحسم في اشكالات السلطة. وكذلك طبيعة الاختيارات الاساسية, واساسا ما يتعلق بدور الدين وعلاقته بالسياسة وهذا الامر يفرز توترات سياسية واجتماعية تزيد من افقار البلد ومن معاناة المواطن ولا ريب في ان المحيط الاقليمي اساسا والدولي بصفة عامة قد اسهم في تدويل هذه المشكلة. ثالثا: العوامل الخارجية الى جانب العوامل المرتبطة بالنظام السياسي وكذلك بالدينامية المتعلقة بالجنوب نفسه, فمن الواضح ان المعطيات الاقليمية لعبت دورا واضحا في ضبط وتيرة هذه المشكلة وذلك تحقيقا لمصالحها. وقد لا يكون هذا الامر مستغربا ولا مستهجنا, ففي العلاقات الدولية يعرف كل المحللين ان من بين اهداف الدولة البحث عن النفوذ. وقد يتسنى لها ذلك من خلال اضعاف جيرانها لاسيما في عالم مضطرب كما هو الامر بالنسبة للقرن الافريقي الذي تميز بوجود انظمة سياسية لاتتمتع بصلابة كبيرة بفعل المشكلات الحادة التي تواجهها وكذلك التحديات المرتبطة بالتنمية. من الواضح جدا ان اسرائيل قد لعبت دورا ملموسا في تسليح حركة الانفصال في الجنوب السوداني, وذلك ضمن مخططها القاضي بتفتيت الدول العربية كلما وجدت الى ذلك سبيلا لكن الدور الاساسي يعود الى الصراع الدائر بين السودان واثيوبيا, وكما لاحظنا ذلك فإن المعادلة كانت تتمثل في ارتيريا مقابل الجنوب وقد ظلت العلاقات السودانية الاثيوبية متوترة خلال حكم نظام هيلي مريام, وقد اسهم ذلك في التصعيد الامني والسياسي في الجنوب, غير ان سقوط نظام مريام, في اطار التحولات التي عرفها النظام الدولي في بداية التسعينات اذا كان قد ادى الى استقلال ارتيريا, ونوع من الاستقرار في العلاقات السودانية الاثيوبية, فإن ذلك لم يفض الى ايجاد تسوية لهذه المعضلة, وقد سعت اطراف متعددة الى عقد لقاءات لردم هوة الخلاف, كما هو الامر بالنسبة لنيجيريا التي رعت مفاوضات ابوجا في سنتي 1992 و1993 دون جدوى رغم اتفاق الطرفين على ايقاف اطلاق النار حتى يتسنى معالجة اوضاع اللاجئين السودانيين الى كينيا واوغندا وكذلك كينيا التي احتضنت في سنة 1994 مفاوضات خصصت لدراسة الجوانب الانسانية لهذه المشكلة, علاوة على بعض مقترحات التسوية. لكن استقلال ارتيريا, وخروجها من ربقة اثيوبيا, لم يؤد الى تهدئة الصراع في المنطقة, فقد ظهر التناقض بين السودان وارتيريا, حيث اتهمت هذه الاخيرة السودان بتدريب متطرفين اسلاميين وتصديرهم لزعزعة الاستقرار في ارتيريا, مما ترتب عنه قطع العلاقات بين الطرفين في دجنبر 1994 وعلى العكس من ذلك تتهم السودان ارتيريا بكونها باتت تمثل قاعدة لضرب نظام الحكم الاسلامي انطلاقا من دعم تمرد الجنوب, وايواء المعارضين, والدعاية للمخططات الامريكية الهادفة الى ضرب حصار عسكري واقتصادي ضد السودان. بصفة عامة, فإن الارغامات الاقليمية ليست في مصلحة السودان, فالنظام السياسي الحالي يوجد في عزلة كبيرة نتيجة توجهاته السياسية ولا ريب في ان الحصار المضروب على البلاد, وكذلك استمرار الحرب في الجنوب, علاوة على المعارضة التي تناهض النظام القائم حاليا كلها عوامل تؤثر على وحدة السودان. وسط هذه العوامل المختلفة, فإن تسوية محتملة لهذا الصراع الذي ينهش الجسد السوداني لايمكن ان تخرج عن حلين: يقوم الاول على المحافظة على الوحدة السودانية, لكن في اطار فيدرالي حقيقي انطلاقا من برنامج تنموي, بمعنى آخر لا يكفي تغيير شكل الدولة, بل كذلك تغيير جوهرها وممارساتها الامر الذي يفترض حل اشكالية السلطة على المستوى الوطني من خلال اقرار ديمقراطية ترتكز على تعددية حقيقية في جميع ابعادها, اما الحل الثاني, فهو الذي يستند على مرجعية تقرير المصير من خلال استفتاء يعبر بواسطته المعنيون بالامر عن رغباتهم بين البقاء في السودان الحالي, او الاستقلال لتشكيل دولة خاصة بهم. ومهما تكن صعوبة تحقيق هذا الخيار او ذاك, فإن الاصعب هو ان تبقى الامور على ماهي عليه, لا تساهم الا في مزيد من الاقتتال بكل ما يحمله من معاناة وبؤس للسودان برمته. استاذ العلاقات الدولية ـ جامعة محمد الخامس ــ المغرب