يطرح الملف لهذا العدد واحدة من أعقد القضايا في العالم العربي الا وهي مشكلة جنوب السودان التي أضحى عمرها خمسين عاماً, وهو العمر الذي يمتد الى عهد الاستعمار البريطاني الذي ساهم الى حد كبير في غرس بذور هذه الفتنة التي يتسع حجمها مع مرور الزمن وتزداد الاحقاد والضغائن بين نفوس ابناء الوطن الواحد مع سقوط المزيد من القتلى وتمترس كل طرف ضد الاخر . وحتى لا نذهب بعيدا في التعاطي مع نظرية المؤامرة لابد ان توضح الحقائق كما هي ويتحمل كل طرف مسؤولية تجاه ما يجري, وازاء ذلك من المسؤول عما يجري في جنوب السودان, من الذي يدفع باستمرار هذه الحرب الاهلية التي ارهقت كاهل السودان حكومة وشعبا وساهمت في اتساع نطاق المجاعة وتشريد السكان والاهالي وازدياد اعداد القتلى الى ما يربو على المليون انسان؟ لاشك ان الحكومات السابقة والحالية هي المسؤول الاول عما يجري, وهي المعنية بالتصدي لهذه المعضلة ووضع الحلول الواقعية الكفيلة بصيانة حقوق الجنوبيين ومنحهم الحكم الذاتي الحقيقي الذي يكفل لهم خصوصيتهم وذاتيتهم ويتيح لهم فرصة التمتع بثروات وطنهم والمشاركة بالحكم في ظل اجواء ديمقراطية تسودها العدالة وصيانة حقوق المواطن, وتضع حداً للتفرقة والانقسام الوطني. ان الحكومة معنية بتحقيق المصالحة والوفاق الوطني ضمن اطار عام يتسع لكل القوى السياسية السودانية بالداخل والخارج من أجل بناء سودان جديد ديمقراطي يحتضن كل أبنائه الذين نزحوا الى الخارج.. وفي ذات السياق لا يمكن ان نعفي احزاب المعارضة السودانية في الداخل والشتات اذ ان مسؤولية بناء السودان مسألة تخص كل السودانيين وعلى المعارضة ان تبدأ بطرح القواسم المشتركة مع الحكومة حتى يمكن تجاوز حالة العداء والقطيعة الموجودة سيما وان مشكلة جنوب السودان تحولت الى قضية قومية تستدعي تعاضد الجميع لتجاوز المأزق ووضع الحلول الكفيلة بالتوصل لحل يرضي جميع الاطراف. ان المخاطر التي تتهدد السودان هي تدويل قضية الجنوب وخروجها من اطارها السوداني والعربي والاقليمي لتتحول الى لعبة لصراع المصالح تغذيها قوى ومحاور اقليمية ودولية تسعى لتفتت السودان وفصل الجنوب عن الشمال وتغذية النزعة المعادية للعروبة والاسلام مستغلة حالة الفرقة والانقسام الجارية في الساحة السودانية. واذا كانت مشكلة الجنوب تحوي تعقيدات ومشابكات داخلية نتيجة التركيبة العرقية والطائفية والاثنية للجنوب فان ذلك ادعى للتعامل مع هذه المسألة بحنكة سياسية ودبلوماسية تستوعب صراعات الماضي والانتقال الى اتفاقيات قانونية ودستورية تنظم العلاقة بين الشمال والجنوب وتحافظ على وحدة السودان ضمن اطار فيدرالي يراعي حقوق الولايات ويحترم التنوع الثقافي والعرقي والحضاري لكل المناطق.... فهل يستوعب النظام السوداني حجم المؤامرة ويقطع الطريق على كل الرهانات بفتح صفحة جديدة مع كل فصائل المعارضة في الشمال والجنوب وتجاوز هوس العسكرتارية في التعامل مع السلطة. السودانيون ومعهم كل العرب يتطلعون الى مستقبل تسود فيه الديمقراطية والتعددية الحزبية التي تحقق لهم الأمان وتصون حقوق الجميع. نأمل ذلك.