تبدي النخب الفلسطينية اهتماما كبيرا بموعد انتهاء المرحلة الانتقالية في الرابع من مايو المقبل, وتظهر احدث استطلاعات الرأي في فلسطين عدم حماس كبير للاعلان عن الدولة في الموعد المقرر, تماشيا حسب بعض التحليلات مع تصريحات كثير من مسؤولي السلطة الفلسطينية بما في ذلك الرئيس ياسر عرفات نفسه وتواتر اخبار عن تلقي السلطة نصائح مخلصة ــ عربية وغير عربية ــ بالتأجيل ثم رسالة تهديد واضحة من الكونجرس الامريكي بهدف التخلي عن الموعد. وتظل الجوانب القانونية والدبلوماسية الواقعية على الارض عالقة رغم ذلك, وتظل قبضة الاختيارات تضيق خناقها على صانع القرار الفلسطيني, الذي يريد تجنب ردود الافعال من اكثر من جانب, ان يتجنب اجتياحا اسرائيليا للمناطق المحدودة التي خرج منها (ولم يخرج في الوقت نفسه) وان يتجنب غضبة امريكية تؤدي الى تخلي الادارة السياسية عن دعمها المتقلص اصلا والوحيد الموجود تقريبا للسلطة الفلسطينية. كيف يمكن الخروج من المأزق وما الاثار المترتبة وماهي السيناريوهات المحتملة تمديد العمل بالاتفاقية الانتقالية او اعلان الدولة مع استمرار تنفيذ البنود المؤقتة او الاعلان عن انتهاء تنفيذها او ماذا؟ الابقاء على المجلس التشريعي ام الغاؤه ام تغيير صفته, اسئلة كثيرة يجيب عنها نخبة من مثقفين وسياسيين فلسطينيين بعضهم طرح ترجيحاته وبعضهم قابل الاسئلة بتساؤلات! القانوني الفلسطيني راجي الشوراني يدق ناقوس الخطر اذا ماتم تحديد المرحلة الانتقالية وتساءل عن ماهية الموقف الفلسطيني في الساعة الثانية عشرة ليلة الثالث من مايو 1999 واعتبر ان التمديد سيتيح لاسرائيل العمل على شطب قيام الدولة. وشدد راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان على طبيعة المفاوضات القانونية في الموضوع الفلسطيني ــ الاسرائيلي ففي العام 1988 اعلن عن الدولة وتم الاعتراف بها دوليا دون ان تكون لها حكومة الامر الذي يعني, والقول للصوراني, انه لم توجد سابقة في القانون الدولي. فيما رجح محمد الهندي القيادي الاسلامي المعارض لاتفاقية اوسلو تأجيل اعلان قيام الدولة الفلسطينية واوضح ان لدى السلطة الفلسطينية خيارين الاول اعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد والخيار الثاني اعلانها بموافقة اسرائيلية. وفي كل الاحوال اعتبر الهندي ان الدولة ستكون يافطة وشدد صالح زيدان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية على اعتماد تاريخ 4 مايو موعدا مقدسا للاعلان وترفض جبهته اي تأجيل باعتبار ذلك خدمة لنتانياهو القصد منه تمديد المرحلة الانتقالية وبالتالي فرض ما أسماه الحكم الذاتي ويراهن زيدان على مقاومة عنيفة من قبل الشارع فيما اذا اجتاحت اسرائيل المناطق الفلسطينية. ولايرغب جميل المجدلاوي عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في التعاطي مع أي سيناريوهات محتملة حول ما اذا كانت الدولة ستعلن ام لا ولاتتضمن اجندة جبهته أي طروحات بهذا الشأن لكن المجدلاوي يسعى لدولة كاملة السيادة. واشترط اسماعيل ابو شنب قيام دولة فلسطينية دون التنازل عن أي اجزاء اخرى ووجه القيادي البارز من حركة حماس نقدا للسلطة الفلسطينية ووصفها بأنها ليست على مستوى الجرأة وانها تتراجع الى الخلف. في السياق ذاته قلل حيدر عبدالشافي من الامر وبدأ حديثه بالقول انا لا ادري ماذا سيتم في الوقت ذاته, ربط اي اعلان للدولة بالسيادة, وتساءل حيدر عبدالشافي الذي خاض تجارب تفاوضية وتشريعية وانسحب منها عن جدوى الاعلان طالما ان السيادة والحرية مفقودتان. ويتوقع د.خليل الشقاقي الباحث في الشؤون الاستراتيجية ان تلجأ القيادة الفلسطينية الى واحد من السيناريوهات التالية: تمديد العمل بالاتفاقية الانتقالية او اعلان الدولة مع استمرار تنفيذ البنود المؤقتة او الاعلان عن انتهاء تنفيذ البنود المؤقتة. والبنود المؤقتة التي يتحدث عنها د. الشقاقي هي تلك التي تحدد وتقيد صلاحيات السلطة الفلسطينية في المجالات الحيوية الهامة مثل حفر آبار المياه الجوفية وحجم ونوع تسليح القوات الفلسطينية وتصنيع السلاح وطريقة التعامل مع الاسرائيليين في حال ارتكابهم مخالفات في مناطق السلطة وعمل الدوريات المشتركة والتنسيق الامني وغيرها من الامور التي تمثل اهمية كبيرة للاسرائيليين. وعن سؤال حول ما يطرحه البعض من ان الاعلان 4 مايو يشكل خدمة لنتانياهو اجاب صالح زيدان انه يعتقد ان الخدمة الحقيقية هي تمديد المرحلة الانتقالية معللا ذلك بأن هدف تبكير الانتخابات الاسرائيلية ووضع موعد لها في 17/5/99 هو تمديد المرحلة الانتقالية وبالتالي فرض الواقع الاسرائيلي والحكم الذاتي كحل لفترة طويلة. واضاف: نحن نعتقد ان ما يتصادم مع السياسة التقنية الاستيطانية والتوسعية لحكومة نتانياهو هو اعلان السيادة الفلسطينية الكاملة في 4 مايو وتعبئة كل الطاقات الفلسطينية من اجل انجاح هذا الاعلان. اما جميل المجدلاوي الذي تتقاطع جبهته الشعبية الى حد كبير مع سياسة الجبهة الديمقراطية فقال انه لايؤمن بسيناريوهات وانه يسعى لدولة كاملة السيادة واضاف: انا لا انظر الى هذه الدولة عبر القيود التي تفرضها اتفاقيات اوسلو وماتلاها. وحدد مجدلاوي رؤيته للدولة التي يسعى لها بقوله انها دولة فلسطينية مستقلة يمكن ان تشكل بالنسبة لشعبنا خطوة على طريق استعادة حقوقه الوطنية الكاملة في ارض فلسطين. وحول ما اذا كان الاعلان في 4 مايو يشكل خدمة لنتانياهو قال المجدلاوي من الخطأ ان نقرر سياستنا الفلسطينية ارتباطا بالمعادلة السياسية الامريكية الاسرائيلية. واضاف علينا ان نقرر ما نراه مناسبا لقضيتنا الفلسطينية ثم ليحدث مع الاسرائيليين ما يحدث وانا لست مع هذا التمييز الصارخ بين نتانياهو وغيره حيث انهم متفقون على الثوابت وبدأ المهندس اسماعيل ابو شنب حديثه بالقول نحن مع شعبنا في تطلعه نحو قيام دولة ذات سيادة على كل ارضنا الفلسطينية ولكن فيما يتم تحريره من الارض. نحن مع قيام دولة فلسطينية على هذا الجزء ولكن دون التنازل عن اي جزء اخر من حقوقنا واوضح ابو شنب ان المعطيات الحالية تؤشر بأن السلطة الفلسطينية ليست على مستوى الجرأة بأخذ هذا القرار حيث بدأت تظهر على حد تعبير ابو شنب بوادر تراجع في موقف السلطة الفلسطينية ازاء قضية الدولة ولم يتوقع ابو شنب في اجابته عن السؤال المتعلق بالاجتياح الاسرائيلي ان يتم ذلك وتابع لابد ان تكون هناك ردود فعل اسرائيلية ولكن نستبعد ان يكون اجتياح ولكن ربما يكون حصار. اما حيدر عبدالشافي الذي اتسم باستقلالية مواقفه السياسية فقال لا أدري ماذا سيتم فالسلطة الفلسطينية عبرت عن نيتها في اعلان الدولة. واضاف انا شخصيا لايمكن ان اسجل اعتراضي على اعلان دولة فلسطينية ولكن انا اقول حقنا في دولة مستقلة وتقرير المصير حق ثابت لانقاش فيه تاريخيا وقانونيا لكن الاعلان يعني تجسيد هذا الحق على ارض الواقع وهذا يتطلب حسب عبدالشافي ان تكون لنا سيادة على الارض وهذه غير موجودة وان تكون لنا حرية العمل, وهي ايضا مفقودة فما هو مؤدى الاعلان عن الدولة وما الذي يترتب على هذا الاعلان في اطار الواقع الذي نعيشه واسرائيل تقف حجر عثرة في الطريق بكل قوتها العسكرية التي نعرفها جميعا؟ واوضح كما قلت في البداية انا لا استطيع ان اسجل اعتراضا على اعلان الدولة. فهذا حق ثابت وما نخشاه مضاعفات لاتكون في صالحنا وقد تأخذ اسرائيل منه اسبابا للجوء الى اعمال عسكرية. ولايدري د.حيدر عبدالشافي اذا كانت اسرائيل ستجتاح المناطق الفلسطينية في حال اعلان السلطة الفلسطينية عن الدولة, واوضح ان الاحتمالات قائمة وتساءل ما الذي سوف نجنيه عن اعلان الدولة على صعيد الامر الواقع؟ وحول الاسس القانونية التي تستند عليها السلطة الفلسطينية في اعلانها للدولة في 4 مايو قال الحقوقي الفلسطيني ومدير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان في غزة (راجي الصوراني) ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, وهي التي وقعت بالنيابة عن الشعب الفلسطيني اتفاقيات أوسلو وما تلاها, وهي اتفاقيات في جوهرها تؤدي الى مرحلة انتقالية بغض النظر عن تقييمها سلبا أو ايجابا وما عليها من تحفظات وانتقادات وأوضح أن فلسفة وجوهر المرحلة الانتقالية هي بناء اجراءات الثقة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني, وكان يفترض في العامين الأخيرين أن تكون جرت مفاوضات المرحلة النهائية, وأن يتوصل الطرفان الى تصور ورؤية حول المرحلة النهائية. وأشار الصوراني الى أن اتفاقية أوسلو لم تتطرق الى الصراع ولم يتم التطرق الى القضايا الجوهرية والاساسية, القدس, المستوطنات, اللاجئين, المياه, التي هي جوهر وعصب الصراع, ولذلك لا يمكن الحديث عن تسوية سلمية بمقدار ما هي اجراءات تم توقيعها. وتساءل الصوراني: ماهو الموقف الفلسطيني في 4 مايو أو في الثالث منه الساعة الثانية عشرة ليلاً, لاسيما بعد أن ادار نتانياهو ظهره وتنكر شكلاً وموضوعاً ليس فقط لاتفاقيات أوسلو أو الخليل بل ايضاً لمذكرة واي بلانتيشن؟ وأشار الى أن 4 مايو هو تاريخ انتهاء المرحلة الانتقالية وهذا يعني أن استمرارها يشكل خطراً كبيرا, وتحديداً بعد المستجدات السياسية الاسرائيلية ومنهجية العمل على شطب امكانية قيام دولة فلسطينية من خلال الاستيطان وتقطيع أوصال المناطق المحتلة. وهذا يعني حسب الصوراني, الدخول في طريق لا نهاية له من المرحلة الانتقالية التي قد تستمر لسنوات لا يعلم بها إلا الله. وعند ذلك يكون الواقع على الأرض قد تغير ويحول دون قيام دولة فلسطينية. ويرى د. خليل الشقاقي أن ذلك يشكل فرصة تاريخية للفلسطينيين ليأخذوا زمام المبادرة بايديهم والا فان الحكم الذاتي سيستمر الى الابد محذراً من اننا ان لم نعلن الدولة المستقلة في التاريخ المحدد فليس هناك من يجبر اسرائيل على ابداء الاستعداد للانتهاء من المفاوضات النهائية وحينها سيستمر الحكم الذاتي طالما لم تتوفر خيارات أخرى, ورغم ما تظهره النخب الفلسطينية من شبه إجماع على ضرورة اعلان الدولة المستقلة في الرابع من مايو إلا أن الشارع الفلسطيني لايبدي حماساً كبيراً حتى اللحظة لهذه الخطوة وفق ما تبينه استطلاعات الرأي العام الدورية التي يجريها مركز البحوث والدراسات الفلسطينية والتي بين الاستطلاع الاخير منها ان نسبة المؤيدين للاعلان عن الدولة المستقلة في الموعد المذكور لا تتجاوز الـ 47% وهو ما يعزوه د. خليل الشقاقي الى تضارب تصريحات المسؤولين الفلسطينيين بشأن هذا الاعلان. يقول الشقاقي رداً على المتخوفين من عدم قدرة الدولة على البقاء: إن قدرتنا على البقاء لن تتعزز مع وجود نتانياهو ولن تقتنع اسرائيل بمنحنا السيطرة على المعابر بدون ورقة ضغط وبالتالي فإن التأجيل معناه اعطاء نتانياهو البطاقة الحمراء بأن في يده اعطاء دولتنا القدرة على البقاء. أما بشأن مخاوف الاسرائيليين يقول: هذا ليس واقعياً فتأييد الدولة الفلسطينية بين الاسرائيليين ارتفع من 28% الى 52% وثمة 70% منهم يتوقعون قيام الدولة الفلسطينية وهو ما يجعل الاعلان غير مفاجيء. وأضاف: كما انه من غير المتوقع ان يتغير شيء لدى الناخب الاسرائيلي في الاسبوعين الأخيرين للانتخابات. وبشأن امكانية تراجع نتانياهو عن اتفاق أوسلو قال: أوسلو تعطي اسرائيل مزايا كثيرة ولن تجازف أية حكومة اسرائيلية بالتخلي عنها لأن في هذه الاتفاقية الكثير مما يضمن مصالح الدولة العبرية. ويحتوي اتفاق اوسلو على الكثير من البنود الهامة لاسرائيل منها الاعتراف بالدولة العبرية والتعهد بالتوصل الى تسوية سلمية معها عبر المفاوضات وإدانة ومحاربة الارهاب وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني والتعهد بالتفاوض للوصول الى حل نهائي على اساس تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي على 242 وغيرها. اما بشأن اعتراف دول العالم فيقول الشقاقي: اذا وقعت دول العالم تحت الامر الواقع فأنها ستعترف باستثناء امريكا والسبب في عدم اعترافها لا يعود اليها بل الى اللوبي اليهودي. ولا يرى د. شقاقي مخاطر حقيقية في التهديد الاسرائيلي بضم الاراضي الفلسطينية في حال الاعلان عن الدولة: فذلك يتطلب قراراً من الكنيست التي تكون معطلة في ذلك الوقت, وبعد الانتخابات سيكون لنتانياهو اذا ما أعيد انتخابه حسابات مختلفة عن حساباته قبل الانتخابات ــ قال د. خليل: وهو لا يرى ايضاً في الضم في حال حدوثه سوى خطوة رمزية فإسرائيل ضمت الجولان لكنها تفاوض سوريا على الانسحاب الكامل منها. أما اذا فرضت اسرائيل حصاراً على الدولة المعلنة فهو حتماً سيكون حصاراً مؤقتاً وسيكون لها بعد قليل مصلحة في التعاون الأمني معنا ــ قال د. خليل (يخشى الكثير من السياسيين الفلسطينيين من مخاطر عدم اقتناص الفرصة التي يوفرها موعد الرابع من مايو حيث ينتهي موعد الاتفاقية ويحدث فراغ قانوني في فلسطين يكون الاول من نوعه منذ نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين. ويقول صخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) : اسرائيل نفسها قامت في ظروف مماثلة لظروف الرابع من مايو إن لم يتركوا لحظة فراغ بعد الانتداب ويضيف صخر حبيش: نحن نخشى أن يكون تأجيل اعلان الدولة على حساب قضايا الحل النهائي مشيراً الى أننا سنعقد بذلك ورقة قوية ضاغطة هي ورقة الدولة. ويشير الى العديد من المحاذير على التأجيل منها ابقاء الأرض الفلسطينية متنازعا عليها بدلاً من أن تتحول مع اعلان الدولة الى أراض محتلة. ويشتعل ملف القضية الفلسطينية في المحافل الدولية على الكثير مما يوفر الاساس القانوني لاعلان الدولة المستقلة بدءا بقرار التقسيم مروراً بقرارت الأمم المتحدة الخاصة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وصولاً الى قراري مجلس الأمن 242 و238 لكن الشقاقي يقول بأن الأساس السياسي للاعلان يظل الأقوى مشيراً الى أن شروط الاتفاقية الانتقالية التي بدأت تطبيقها عام 1994 تنتهي في الرابع من مايو 1999. واضاف الشقاقي بعد هذا الموعد نكون أمام خيرات محدودة إما التعديل أو التفاوض على اتفاق جديد أو اعلان عن الدولة وبالنسبة لتوقعاته يرجح أن يتم تأجيل الاعلان رغم خطأ ذلك الاختيار. رام الله ــ عبدالرحيم الريماوي