هناك شبه اجماع في سوريا على مستوى السياسيين او المثقفين او التجار واصحاب الصادرات والمشاريع الحرة ان الفترة الحالية التي تلي الاستفتاء الرئاسي سيكون فيها القرار الاقتصادي اكثر جرأة باتجاه انفتاح مراقب . ويقول عدد من المسؤولين في مستويات مختلفة بسدة الحكم ان المرحلة القادمة ستكون اكثر مواكبة لمتطلبات الوضع الدولي دون ان يجعل ذلك سوريا تغير شعاراتها التي يرى فيها الغرب انغلاقا بمائة وثمانين درجة. وفي الحقيقة فإن تحديات مختلفة وربما عديدة تواجهها سوريا منها السياسي والاقتصادي والعسكري. فعلى المستوى السياسي تقبل سوريا حسب بعض المصادر المطلعة او المواكبة للعملية السياسية بدمشق على استحقاقات سمتها التغيير وربما شهد الحزب الاغلبي في السلطة, اي حزب البعث مؤتمرا بعد 14 سنة, هذا مؤشر حسب الملاحظين ان هناك تغييرات ومتغيرات ستشهدها الساحة السياسية في هذا البلد, كما ان حملة تشبيب ربما ترافق عملية التغيير المنتظرة. وهنا لابد من الاشارة الى ان اسئلة مثل هذه تهم التغيير والتشبيب لا ينكر امكانيتها عدد من المسؤولين الثوريين, مشددين ان التطور الديمغرافي من جهة, والنسبة العالية للذين هم دون الثامنة عشرة, من جهة ثانية تعدان مؤشرا على امكانية دخول سوريا القرن الحادي والعشرين بوجه مغاير للذي عرفت به منذ ثلاثة عقود على الاقل. على المستوى الاقتصادي تنقسم توجهات سوريا الآن الى مستويين. الاول (جهوي اقليمي) حيث تشمل العلاقة انفتاحا على العراق وتعميقا لأسس علاقة تبادلية تجارية بين البلدين الجارين اللذين عرفا محنة الانقطاع الذي دام حوالي عقدين, فيما يمثل جانبها الآخر شبه شراكة مع لبنان, وذلك في مستوى منطقة التبادل الحر والتنسيق المطرد اقتصاديا وتجاريا. اماالمستوى الثاني فهو ذو بعد دولي حيث نجد ان سوريا الآن تتفاوض مع الاتحاد الاوروبي باتجاه اتفاق شراكة على غرار تونس والمغرب, وهنا لا ينكر السوريون كما الملاحظون ان زيارتي الرئيس الاسد وشيراك لباريس ودمشق كان لهما الاثر المباشر في صياغة اتفاقية ثنائية بين سوريا ودمشق وفتحت المجال امام دمشق لتدعيم علاقتها التاريخية مع الاتحاد الاوروبي. في هذا المستوي ايضا يمكن الاشارة الى علاقة سوريا مع المؤسسات العالمية الدولية. اذ معروف ان هذه الدوائر وبحكم شديد ارتباطها بصنع القرار السياسي الدولي فإنها تنظر الى سوريا على اساس انها في خانة الدول المستعصية على التوجه المطلوب حاليا.. وارتباط هذا الامر بموضوع السلام يجعل سوريا ـ كما يقول لنا د. راتب الشلاح رئيس الغرفة التجارية بدمشق ـ توضع في خانة غلط, ويواصل ليقول ان اعباء سوريا الوطنية لها الاولوية وانه بامكان بلاده ان تحظى بالرضاء المطلوب من الدوائر العالمية الدولية المتنفذة اكثر فأكثر في سياسة الدول, لكن يضيف محدثنا: لن يكون ذلك على حساب مواقفنا, وان السياسة في سوريا مازالت تحظى بالدور الرئيسي والمهم في تحديد الخارطة الاقتصادية. اما المستوى الثالث والذي يهم الجانب العسكري فنجده جزءا مكونا للخارطة الاقتصادية العامة لسوريا بفعل الموقع الجغرافي لهذا البلد (المواجهة) وايضا بفعل خضوع جزء استراتيجي من ارضه الى الاستعمار الاسرائيلي.. وهنا بالذات يقول (السوريون انهم لا يستطيعون مس استراتيجية الدفاع على ضوء تصريحات العدو او بفعل ضمانات دولية تبين على المستوى الفلسطيني مثل انها هشة. لكن في هذا التاريخ المفصل تحاول سوريا ان تعطي مضامين اقتصادية للعمل الاقليمي العربي اكثر منه مفهوما دفاعيا واعيا من السوريين, ان اتفاقية الدفاع العربي المشترك كما قال لنا ذلك الاستاذ عبدالحليم خدام لم تطبق في اي صراع مر به العرب منذ إحداثها. من جهة اخرى لاحظنا ان سوريا تعمل على ابعاد الحديث عن الجانب العسكري وعدم اعطائه الاولوية في الخطاب السياسي وذلك قصد الوصول الى ملاءمة ما توصلت اليه سوريا من ابعاد تنموية وتجارية وصناعة وانتاج فلاحي متطور مع صورة هذا البلد لدى الاوساط الدولية المتنفذة. فقد عمدت دمشق الى تحديث الاعمال المصرفية فيما يقول د. الشلاح ان نظام النقد تطور بشكل ملفت في سوريا دون ان ينفي ان ميزانية الدفاع مازالت كبيرة لأن الطرف المقابل في المفاوضات يتلكأ ولا يعترف باستحقاقات السلام العادل. المستويات الثلاثة المشار اليها نجدها مترابطة عبر عنوان وطني واحد يتمثل في القرار السياسي السوري حول الانفتاح. ولئن يبدو مفهوم الانفتاح متنوع الدلالات حيث لا يراه السوريون كما يراه الغرب فإن الحديث عن هذا الملف بات متناولا في عديد مستويات القرار السياسي السوري. فسوريا التي عرفت نقصا في المواد الفلاحية منذ سنوات وتحديدا منذ 7 سنوات نجدها اليوم تحقق اكتفاء ذاتيا من الخضر والفواكه ويضيف د. الشلاح ان سوريا تتمتع بفائض سنوي من الفواكه والخضر يتراوح بين 250 و350 الف طن, مما يدعو الى ضرورة البحث الجدي عن اسواق, لعل العراق الآن هو الاقرب, وهو السوق المراهن عليها نسبيا وسوريا التي كانت تتربع على ثروة من الزيتون وزيته تعد متواضعة سوف تمر رأسا الى المنافسة الدولية لأنها تمتلك حوالي 80 مليون شجرة زيتون سوف تدخل حيز الانتاج الى جانب الثروة القديمة. وبفعل هذه المنافذ التي يؤكد السوريون انها انجازات ذات بعد استراتيجي بحكم افتقاد دمشق للبترول, وايضا انطلاقا من ايفاء دمشق بديونها التي لم يبق منها الكثير, بدأت سوريا تتلمس طريقا جديدا يفتح لها آفاقا ساهمت بعض النعوت الدولية في سدها امامها. هذه الانجازات ان صح نعتها كذلك, ساهم فيها السوريون المقيمون في الخارج من اصحاب رؤوس اموال مهمة. وهنا لابد من الاشارة الى ان كل هذه التوجهات الجديدة كان منطلقها قانون الاستثمار المعروف بالقانون رقم (85) لتشجيع الاستثمار في سوريا وان كان رأس المال الاجنبي لم تطأ قدماه سوريا بالشكل المؤمل غير ان الحوافز والوعود التي يؤمنها هذا القانون يمكن ان تكون منطلقا نحو مجال ارحب, وهنا كشف لنا رئيس مكتب الاستثمار ان المشاريع برأس مال اجنبي المقامة في وسريا تتوزع بين العرب والاجانب يصل عددها 37 دولة 12 منها عربية, كلها في مجالات القطن الذي يميز سوريا وقطاع الادوية, والملابس فيما اقتحم الميدان التلفزيوني والسينمائي مجال التصدير في سوريا, ويقول محدثنا ان كل من يصدر اكثر من 24% يمنح اعفاء مجددا بسنتين. وهكذا نجد ان هناك مزجا بين كل المستويات المكونة لخارطة سوريا الاقتصادية والسياسية والتي نلمس فيها تطويرا للموجود وليس انقلابا عليه. دمشق ـ فاطمة عبدالله