بعد رحيل الحسين تبدو التحديات امام الاردنيين اكبر حجما واضخم عبئا. ثم اجماع عالمي تجلى في مشهد وداع الحسين على قدرة العاهل الراحل في بناء دولة تفوق قدراتها ومصادرها . لما ادرك الاردنيون حجم التحديات في غياب الحسين كفكفوا دموعهم, وعزموا على توحيد صفوفهم اكثر من قبل وشمروا عن سواعدهم لاستئناف مسيرة العمل. مثل جميع الاقطار في المنطقة يواجه الاردن سلسلة من العقبات على طريق التنمية والتقدم, ربما يفيد الاردنيين اكثر من غيرهم انهم يملكون قائمة موحدة للقضايا الساخنة التي تشغلهم. ثمة اجماع اردني على اهم المحاور التي يجب معالجتها. هناك تباين طفيف في ترتيب الاولويات فقط. بدا لي ذلك واضحا من خلال سلسلة من اللقاءات مع عدد من الاقطاب المرموقين على الساحة السياسية في الاردن. وتمثل الازمة الاقتصادية المحور الساخن الذي يستقطب هم جميع الاردنيين غير ان قضية المياه تعتبر اكثر الحاحا, اذ انها تهدد بصيف سياسي ربما يكون اكثر سخونة من درجات حراراته الطبيعية كما يشكل بعض التباين في النسيج الاجتماعي احد محاور القلق الاردني. الاحساس العام ان هناك فراغا سياسيا افرزه رحيل العاهل الاردني, فثمة اجماع على براعة الحسين التي لا تجارى في تطويق ومعالجة الازمات الطارئة والمزمنة التي عايشها الاردنيون, وهناك قناعة راسخة بان الكاريزما التي كان الحسين يتمتع بها كانت تفرض نفسها فوق الجميع في أوقات الشدة كما في أوان اليسر (كان الحسين يهون علينا جميعا) على حد تعبير طاهر المصري رئيس الوزراء الاردني الاسبق وعضو مجلس الاعيان حاليا. ليس هناك خلاف حول الفراغ على الساحة الاردنية بعد غياب الحسين غير ان وجود ملك جديد لا يشكل مصدر قلق الاردنيين. فالحسين نفسه تسلم العرش في سن يصغر عبدالله الثاني وظروف الاردن الداخلية اصعب مما هو عليه الحال ووضع الاردن اقليميا اكثر حرجا والتباسا ومن ثم فحداثة تجربة الملك لا تمثل مصدر قلق لدى الاردنيين وفقا للتجربة والارث. في البدء يأتي الاقتصاد مثار القلق الحقيقي يتمحور حول الازمة الاقتصادية بما تنطوي عليه من تضاعيف, فثمة اجماع على ان الاردن يعبر نفقا ضيقا يثقل فيه الشعب باعباء معيشية ثقيلة, لكن هناك تباينا في التوجه لمعالجة هذه الازمة من حيث ترتيب الاولويات, فالازمة الاقتصادية تحمل في جوفها قضايا ساخنة فهناك خلل في الموازنة العامة للدولة وهناك تضخم في جهاز الخدمة المدنية فبند الاجور والمعاشات يشكل ما نسبته 82% من الموازنة, هذه الازمة وحدها تستوجب انتهاج اصلاح اداري عند اطلاق اي عملية جادة لتطبيق اصلاح اقتصادي. ولا يبدو اللجوء إلى التخلص من التكدس البشري في اروقة دواوين الدولة طريقا سهلا امام الحكومة الحالية ذلك ان البطالة المقنعة داخل الدولة تقابلها بطالة مكثفة في الشارع الاردني, مما يعقد المسألة وجود اعداد كبيرة من العمالة الوافدة داخل الاردن تصل إلى 700 الف شخص يحولون مليارات الدنانير إلى الخارج وفق تقدير رئيس حكومة اردنية سابق. احد المسائل التي ساهمت في ترهل جهاز الدولة ترتبط بقضية اخرى بالغة الحساسية في النسيج الاجتماعي الاردني اذ انها تنبع من العشائرية وهي محور اخر اخذ في الاستفحال, فقد لجأت الدولة إلى منهج الاسترضاء على حساب المصلحة العامة في بعض المنعطفات فتم استيعاب عاملين وموظفين لتطويق بعض الازمات أو امتصاص غضب واسترضاء طرف. هذا النوع من التوجه ضخم الشعور بالانتماء القبلي أو الجهوي احيانا فخرجت القبيلة من كونها وحدة اجتماعية فقط لتصبح وحدة سياسية. لم يعد الاردن اسير التقسيم الجغرافي الطبيعي الذي يتمثل في شرق الاردن وغربه, فانزلق كذلك إلى معادلة الشمال والجنوب. اكثر من ذلك باتت بعض التشققات الاجتماعية الاخرى مثل الشوام والشراكسة وتناهت التقسيمات إلى القحوف والبيوتات. ترك المجال امام هذه التقسيمات للاستشراء يؤدي إلى مجتمع فسيفسائي فتزداد معها حدة الانقسامات وتعمق معها انعكاسات الازمة الاقتصادية. في مثل هذه الاجواء التي يتضخم جهاز الدولة والشعور بالانتماء تتكاثر امراض الجهاز الاداري وهناك اعتراف اردني بوجود فساد على الصعيد الرسمي. ولا يمكن اطلاق اصلاح اقتصادي حقيقي دون اجتثاث مظاهر الفساد في الدولة. ولهذا يؤكد بعض اقطاب السياسة الاردنيين على اهمية تحديث القوانين وتفعيل القضاء وتأكيد حيادية القضاء ليس فقط لضمان العدالة الاجتماعية على الصعيد الداخلي وانما كذلك لتوفير ضمانات مطلوبة امام المستثمرين الوافدين من الخارج على حد تعبير عون الخصاونة رئيس الديوان الملكي السابق. قضية البطالة ترتبط لدى بعض العامة بتحديث نظام التعليم في الاردن اذ يعتقد هؤلاء ان النظام الحالي أدى إلى ظاهرة البطالة في الشارع والتكدس داخل اروقة الدولة. ويؤكد الدكتور عبدالسلام المجالي رئيس الوزراء الاسبق وعضو مجلس الاعيان حاليا ان نظام التعليم في الاردن يمثل احد العناصر التي تساهم في تضخيم الازمة الاقتصادية, فمستوى التعليم في الاردن يمثل اعلى نسبة من نوعها في العالم العربي واعلى نسبة على صعيد التعليم العالي في العالم. وادى انتشار التعليم ــ في نظر المجالي ــ إلى خلق طموح عال يفوق امكانات الوطن ومن ثم فان التوقعات دائما اكبر من النتائج الحقيقية. ويشير المجالي في الوقت نفسه إلى ازدياد معدل الانجاب في الاردن, اذ تبلغ نسبة التكاثر السكاني 4% سنويا وهي نسبة تعكس التناقص بين الوعي المفترض والواقع المعاش, فقناعات الناس وتقاليدهم لا تشجع على كبح نسبة النمو السكاني لمواكبة المعطيات المادية. ما لم يقله المجالي ولكنه يفضح نفسه من جانب اخر ــ باعتباره عقبة تتناقض مع الوعي هو الحياة الاستهلاكية التي دأب عليها المجتمع الاردني في السنوات الاخيرة وهو نهج لا يواكب كذلك الوعي المفترض في ظل نسب التعليم المرتفعة. يؤكد عدنان ابوعودة المستشار السياسي للعاهل الاردني على اولوية استحداث نظام تعليم جديد يساهم في تشكيل انسان القرن المقبل, فمن شأن كسر اطر النظام التعليمي التقليدي الحالي وقف توجه المتعلمين إلى الدولة فقط ومن ثم تخفيف العبء عن جهاز الخدمة المدنية وارتياد آفاق ارحب في مجال الانتاج والاداء. الماء والرقعة الخضراء 81% من مساحة الاردن تقع داخل منطقة الصحراء أو شبه الصحراء وتحتل الهضبة الجبلية مساحة كبيرة فلا يبقى امام الرقعة الخضراء مجال للاتساع الطبيعي. ففي ظل عدم وجود مصادر طبيعية تشكل قاعدة لصناعة ضخمة فان الزراعة تمثل مجالا طبيعيا للاستثمارات المحلية خاصة في وادي الاردن غير ان شح المياه يشكل ازمة مزمنة. فالدراسات المتوفرة تزعم ان مصادر المياه الاردنية تكفي لحياة نحو 1.5 مليون شخص وهذا هو ثلث عدد السكان حاليا وربما هو تعداد سكان العاصمة عمان وحدها. الشتاء الحالي كان جافا في الاردن على نحو استثنائي وهناك قلق مشروع ازاء توقعات بصيف ساخن فوق العادة, فقد عايشت عمان الصيف الماضي ازمة مياه الشرب على نحو كادت تعصف بالحكومة واطاحت بوزير المياه آنذاك الدكتور منذر حدادين. واستنادا إلى الشتاء الجاف هذا العام يخشى ان تواجه الحكومة الجديدة ازمة صيفية ساخنة ولهذا فان رئيس الوزراء الاردني يضع هذه المسألة في صدارة جدول اعمال حكومته. وقد اكد ان بيانه الوزاري لنيل ثقة البرلمان يتضمن بالفعل اجراءات محددة لمعالجة هذه القضية وطمأنة الاردنيين. احد ابرز المفارقات الاردنية ان الموقع الجييولوتيكي الذي ظل الاردن يراهن عليه طوال عمر الحسين بنجاح يمثل في الوقت نفسه كعب اخيل الاقتصاد الاردني. ذلك ان التطورات السياسية في المنطقة تنعكس بحدة وعلى عجل على حال الاردنيين. فاذا كانت عملية التسوية السلمية امنت للاردن نحو 60 مليون متر مكعب من الماء فليس ببعيد ان تمارس اسرائيل ضغوطا على الاردن أو عبره لتأمين حصة اضافية اذا اقتضى الصيف المقبل لجوء الاردن إلى الجانب الاخر من اجل توفير ماء الشرب. ومفارقة الموقع الجييولوتيكي تنعكس اوضح من ذلك في تأثر الاردن بما يجري في الضفة الغربية لنهر الاردن وبما يعايشه العراق حاليا وبهبوط اسعار النفط في الخليج. ربما تشكل اتفاقية وادي عربة التي وقعها الاردن مع اسرائيل في العام 1994 احد ابرز انعكاسات موقع الاردن الجييولوتيكي. فمع الاجماع العربي على ان السلام خيار استراتيجي للجميع في المنطقة الا انه يصبح مشروعا السؤال عن المكاسب التي حققها الاردن من اتفاق وادي عربة. الدكتور عبدالسلام المجالي الذي وقع الاتفاق عندما كان رئيسا للوزراء آنذاك قال ان زيادة حصة المياه تمثل ابرز نتائج الاتفاق كما ان المجالي يعتبر ان الاتفاق قبر ما يسمى بالوطن البديل الذي كان خيارا يهدد الاردن وحده دون اي قطر اخر في المنطقة لكن هذه النتيجة ليس مسلما بها حتى من قبل جميع الاقطاب الاردنيين انفسهم. فإلى جانب بروز الوطن البديل من حين إلى اخر كما لاح اكثر من مرة بعد وادي عربة فقد اعرب رئيس حكومة اردني سابق اخر عن قناعته بان اسرائيل لم تتخل عن مشروعها التوراتي لكنها قد تلجأ إلى تكتيك جديد وضرب لذلك مثلا بمحاولة تحقيق اختراق سياسي أو تسريب فلسطينيي الضفة الغربية. وهذا يعني ان الخطر الاسرائيلي لايزال يناور على الحدود الممتدة مسافة 400 كيلومتر غير ان المجالي يرى ان الاتفاق ثبت الحدود مع العدو التقليدي فامكن سلما كبح السرطان الاسرائيلي الطامع إلى التمدد شرقا. عمان ــ عمر العمر