شكل التحرير الشعبي لقرية ارنون اللبنانية واقعاً جديداً للمقاومة اللبنانية في حسابات السياسة الاسرائيلية, فقد كان الاحتلال الاسرائيلي لتلك القرية ومحاولة ضمها للشريط المحتل في جنوب لبنان, محاولة أكيدة من اسرائيل للضغط على لبنان في شأن الاجراء التنفيذي للقرار 425, متذرعة بالعلة الامنية التي تسوقها اسرائيل دائماً في كل جريمة جديدة في حق الاراضي العربية وللتنصل من تنفيذ القرارات الدولية لمجلس الامن او التراجع عن التزامات دولية تعهدت بها, غير ان التحدي الشعبي اللبناني وتحريرهم ارنون تحت طلقات المدافع الاسرائيلية الثقيلة, قد جعل الاحتلال الاسرائيلي في مواجهة حقيقية وخيار صعب بين ضمان امنه والانسحاب من الجنوب اللبناني, وبين البقاء العنيد او الانسحاب المشروط مع فقدانه لاي ضمانات امنية لجنوده ومستوطنيه في الجنوب وهو مأزق على الحكومة الاسرائيلية ان تجد له حلاً سريعاً, فعلى هذا الحل يتوقف مستقبل حكومة نتانياهو وآماله في الفوز في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, خاصة وان هناك حركات سياسية وشعبية في اسرائيل تطالبه بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان, وقد استطلع (الملف السياسي) في حلقة نقاش اراء اثنين من الخبراء والمراقبين السياسيين في هولندا حول مصير الجنوب اللبناني والقرار 425 على ضوء المتغيرات الجديدة والتحرير الشعبي لقرية ارنون. ونسأل (جاك فوس) مراقب الشؤون السياسية العربية وعضو منظمة السلام العالمي في هولندا عن تداعيات التحرك الشعبي اللبناني وتحرير ارنون وتأثير ذلك على الجانبين اللبناني والاسرائيلي فيقول: انطلاقا من الغوص في العقلية الاسرائيلية العسكرية, يمكنني ان اؤكد ان الاحتلال الاسرائيلي لارنون وزرعها للاسلاك الشائكة حول القرية في 17 فبراير الماضي, لم يكن في الواقع امرا جاداً تقصده اسرائيل الى ما لا نهاية, بل كان المقصود به خلق نوع من التهديد او الارهاب للمقاومة في الجنوب اللبناني, التي كثفت من نشاط مقاومتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة, وكبدت القوات الاسرائيلية المرابضة في الشريط الحدودي خسائر بشرية وعسكرية كبيرة بالقياس لسنوات المقاومة السابقة, وكانت اسرائيل تقصد باحتلالها هذه القرية نوعاً من الضغط على المقاومة وكذلك الحكومة اللبنانية, وان تتخذ من تلك القرية وسيلة للتفاوض لايقاف الهجمات من قبل المقاومة على قواتها, اي ان الاحتلال الاسرائيلي كان رد فعل للضغط, ولم تكن العقلية الاسرائيلية من الغباء لتعتقد ان اللبنانيين سوف يصمتون, او يقفوا مكتوفي الايدي امام احتلال جزء جديد من اراضيهم وضمه للمنطقة المحتلة في ظل اوضاع دولية تدفع اسرائيل للتنازل الاقليمي لتنفيذ السلام في الشرق الاوسط, بل يمكنني القول بان اسرائيل كانت سترفع بنفسها ما فرضته من حصار حول ارنون حال تحقق الهدف الامني لقواتها في الجنوب, غير ان التحرك الشعبي اللبناني قد اطاح بالخطة الاسرائيلية, او عجل بما كانت ترجئه اسرائيل من عملية تخليها عن ارنون, وبالتالي لم يتحقق الهدف لاسرائيل من احتلالها تلك القرية, بل ان التحرك الشعبي السريع جاء مفاجأة سيئة وفي غير التوقيت الذي كانت تأمله الحكومة الاسرائيلية, اي انه غير من مجريات السيناريو الاسرائيلي المرسوم بسرعة, فقد كانت ترغب ان تكون هي البادئة بعرض التنازل عن احتلال القرية مقابل مطالب او شروط, اما الان وكونها تخلت عن القرية مرغمة, فقد وضعتها المقاومة في الجنوب في موقف او قل مأزق لا تحسد عليه. لكن هل يمكن تصور ان التحرك الشعبي في ارنون من الممكن ان يكون بداية لانطلاقة شعبية وتحرير مناطق اخرى في الجنوب والبقاع؟ من ناحية عملية وعسكرية, لا اعتقد ان هذا من اليسير على المقاومة الشعبية اللبنانية, فاذا كانت اسرائيل لم تواجه الطلاب والشباب اللبناني بما فيه الكفاية من عنف وسلاح كان من الممكن ان يحصد هؤلاء اللبنانيين عن آخرهم, انما من منطلق علمها المسبق ان قرية ارنون هذه لم تكن الا وسيلة لمفاوضات سريعة او طعم تبتلعه المقاومة اللبنانية المسلحة, ولكن هذا الامر يختلف تماما في حماية اسرائيل للمناطق الاخرى التي تحتلها في جنوب لبنان, ولا اتصور ان اللبنانيين من الممكن ان يقدموا على عمليات انتحارية جماعية ويخوضوا هذه المحاولة. هل من المتوقع ان يدفع التحرك الشعبي اللبناني اسرائيل الى تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 425؟ يجب الاشارة اولا الى ان هذا القرار الذي اصدره مجلس الامن منذ واحد وعشرين عاما تقريبا, ويقضى بالانسحاب الاسرائيلي غير المشروط من جنوب لبنان, لا تريد اسرائيل في الواقع حتى تلك اللحظة تنفيذه, على الرغم من اعترافها رسميا بهذا القرار في ابريل من العام الماضي فقط, لكن اسرائيل لديها مخاوف كبيرة من الانسحاب من الجنوب اللبناني, فهو سيفتح عليها باب الضغوط السورية للانسحاب من الجولان التي تتمسك بها اسرائيل لمصالح استراتيجية وعسكرية لها في المنطقة العربية, ولضمان امنها فاسرائيل يمكنها مراقبة كل الطريق المؤدي الى دمشق عبر هضبة الجولان, لان اسرائيل تعلم مدى اهمية الدور السوري في الامن الداخلي بلبنان, وحفظ التوازن بين كافة الطوائف الدينية في لبنان, ومنع تفجر حروب اهلية على غرار التي عانت منها لبنان طويلا في العقود الماضية, لذلك لو تخلت اسرائيل عن جنوب لبنان, ستواجه ضغوطا لبنانية تدفعها سوريا او ضغوطا سورية من جنوب لبنان وتهديدات امنية للتنازل عن الجولان المحتل, وبالتالي لو نجحت هذه الضغوط وتركت اسرائيل الجولان بعد جنوب لبنان, لن يبقى الا ان تترك الاراضي المحتلة في اسرائيل, وهذا هو المستحيل بعينه, بالنسبة لاسرائيل لذلك فجنوب لبنان يمثل لاسرائيل حلقة آمان وسطى, ترجئ بها وقوعها تحت ضغوط للجلاء عن الجولان, وبالتالي تبعد بها شبح الضغوط العربية للتخلي عن الاراض الفلسطينية, او حتى معظمها لقيام دولة فلسطينية حقيقية لها قوتها واراضيها, اي يمكن التأكيد هنا بان جنوب لبنان هي نقطة ضعف اسرائيل التي تعاني منها وتضعها في مأزق, وعليها التفكير الف مرة قبل ان تستجيب لقرار مجلس الامن وتنفذه. وبسؤال الدكتور (هانس فان دورب) استاذ العلوم السياسية بأكاديمية السياسة الدولية في امستردام عن وجود مؤشرات لتحقيق عملية السلام مع لبنان وسوريا بعد تفجر المقاومة الشعبية في جنوب لبنان أجاب: المؤشرات المطروحة على الساحة السياسية تدفع بالامال السلمية الى جانب بعيد عن التحقق على الاقل في المدى القريب, فاسرائيل لن تنفذ قرار مجلس الامن بالانسحاب غير المشروط من لبنان, لانها عصفت بكل ما جاء في هذا القرار , وحولته من انسحاب غير مشروط الى انسحاب تسبقه عدة شروط, في مقدمتها ضمان الامن الاسرائيلي, وعدم استخدام جنوب لبنان بعد الانسحاب عنه في عمليات مضادة لاسرائيل تمس الشمال الاسرائيلي المتاخم, واسرائيل تحاول منذ اعترافها بالقرار في العام الماضي الفصل بينه وبين القرار 246, المرتبط به والذي ينص على آلية تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي تحت اشراف القوات الدولية المتواجدة في جنوب لبنان منذ عام 78, فقد اخضعت القرار لاتفاقيات ثنائية جديدة بين لبنان واسرائيل يجب ان يتم بحثها من جديد على مائدة مفاوضات قد يظهر فوقها مزيد من الشروط الاسرائيلية, لذلك فالرفض اللبناني للشروط الاسرائيلية هو امر بديهي, لان الشروط التي تحاول اسرائيل الزج بها في تنفيذ القرار 425 انما تمس السيادة اللبنانية, وتجعل عملية الانسحاب تحقق مكاسب اسرائيلية جديدة خاصة فيما يتعلق بقضية الجولان, فالشطر الخاص بعدم سماح لبنان باستخدام الجنوب بعد استعادته في عمليات ارهابية مضادة لاسرائيل, انما المقصود بها سوريا بشكل بديهي, اذ تعرف اسرائيل ان جنوب لبنان سيكون هو الثغرة التي تستخدمها سوريا للضغط لاستعادة الجولان, والسياسة الاسرائيلية كما هو معروف عنها وقبل ان تشكل دولتها الصهيونية, انما ترمى الى زرع وجود اسرائيلي داخل كل بلد او منطقة جوار للحفاظ على امن دولتها ووجودها في المنطقة العربية, ولو تم تحرير هذه الألسنة التي تمدها اسرائيل داخل الدول العربية واحدة بعد الأخرى لهدد ذلك وجود الدولة الاسرائيلية من جذورها, لذلك انا لست مع المتفائلين بقرب حلول السلام في الجنوب اللبناني, وان كانت بعض المؤشرات ترجح اقتراب هذا الأمل. على الصعيد اللبناني, هل يمكن ان تنفذ الحكومة اللبنانية استراتيجية سياسية لتحقيق هدفها مع اسرائيل؟ لبنان تسير بالفعل كما هو واضح في استراتيجية جديدة, املا في استعادة المناطق المحتلة بالجنوب, يتمثل هذا في مسار دبلوماسي على الصعيد الدولي, ومسار عسكري من خلال لجنة تفاهم ابريل المختصة بمراقبة وقف اطلاق النار, ومسار جديد الان هو مسار المقاومة الشعبية, الذي بات واضحاً ان الحكومة اللبنانية نفسها تعول عليه كثير من الآمال لزعزة التواجد الاسرائيلي في الجنوب, واتصور ان يتم الآن تحرك لبناني سوري مشترك ومكثف للتوصل الى حل سلام يشمل الجنوب والجولان, لان حلول السلام المنفردة قد كبدت العرب خسائر استسلام وانهزامية اكثر مما خلفته هزائم الحروب نفسها, وتجربة كامب ديفيد المصرية اكبر دليل وبعدها السلام المنفرد مع فلسطين والذي تدفع فلسطين ثمنه الان والى امد غير معلوم. وكيف يمكن رصد الموقف الامريكي تجاه احتلال اسرائيلي للجنوب اللبناني ورؤيتها لمسار المفاوضات مع لبنان وسوريا؟ يمكن ان نقول ان الادارة الامريكية قد بدأت تمارس نوعاً من الضغوط على حكومة نتانياهو, ولعلها المرة الاولى التي تحدث منذ عام 56 عندما ضغطت امريكا على اسرائيل وطالب رئيسها ايزنهاور باحترام القرارات الدولية المتعلقة بالانسحاب من صحراء سيناء المصرية, فامريكا تضغط الان على نتانياهو لتنفيذ القرارات الدولية, هذا هو الظاهر او المطروح على الساحة السياسية, ولكن للعلاقة الاسرائيلية الامريكية اغوار اخرى وكواليس لا يمكن ابدا تحديد كل ما يجري فيها بدقة, غير انه من الواضح ان الادارة الامريكية لم يعد لديها الصبر الكافي على رعونة نتانياهو واصبحت الشكوك تحيطها في مدى قدرة نتانياهو على تحمل تبعات ومسؤوليات سياسته المعادية لدول الجوار في الشرق الاوسط, وامريكا ترغب في المرحلة المقبلة في التوصل الى تسوية بمنطقة الشرق الأوسط لان مصداقيتها مع شركائها بدأت تهتز بسبب المساندة المطلقة لاسرائيل, وهي مطالبة الان بإبداء نوع من التوازن لانقاذ هذه المصداقية, من اجل مصالحها في المنطقة, ولعلها المرة الاولى التي نلمس فيها ان يهود امريكا قد رفضوا الوقوف بجانب سياسات نتانياهو الأخيرة او تأييدها, وفي هذا مؤشر خطير قد يبعث على الأمل في نجاح بعض هذه الضغوط على الحكومة الاسرائيلية لتقديم تنازلات عن اطماع لها في المنطقة, كما يجب على اسرائيل ان تعلم ان امنها مستمد من السلام وعلاقات حسن الجوار وليس من استنفار العداء والاطاحة بالسلام, غير ان الاستراتيجية السياسية الجديدة لاسرائيل تهدف الى ابعاد التأثير الامريكي عن السياسة الاسرائيلية, وايجاد صيغة جديدة للتعامل معها على اساس ندي او كشريك, وفي الوقت نفسه تنطلق اسرائيل للاعتماد على نفسها والتخلص من التدخل او الوصاية الامريكية, وإلغاء مفهوم ان اسرائيل مدينة لامريكا بامنها واقتصادها, وتدعيم مفهوم ان اسرائيل هي صخرة الامان للمصالح الامريكية في الشرق الاوسط, وعليه فان التأييد الامريكي المطلق وغير المشروط للسياسة الاسرائيلية هو امر بديهي ولا مفر لامريكا من تغييره. هل يمكن ان نقول ان عملية السلام مع لبنان تحولت الى محور العملية الانتخابية في اسرائيل؟ بدا واضحاً ان هناك اتجاهات شعبية وسياسية تضغط على نتانياهو للانسحاب من جنوب لبنان لضمان امن وحياة الجنود الاسرائيليين الذين اصبحوا هدفا دائما للمقاومة في الجنوب, والصراع الان بين حزبي العمل والليكود للفوز في الانتخابات سوف يحدد كفته الارجح هذه التوجهات الشعبية الجديدة التي سئمت الحرب, وتساقط الضحايا من ابنائها مقابل قضية مجهولة المعالم والمستقبل بالنسبة لهم, لذلك اتوقع ان يحقق حزب العمل نجاحاً في الانتخابات المقبلة, لانه يروج الى استراتيجية مؤداها تقديم بعض التنازلات الاقليمية, والانسحاب من اراض تحتلها اسرائيل مقابل امنها, وهو حزب اقرب لتفهم المتغيرات الاقليمية وتقبلها مع عدم التنازل عن كيان الدولة الصهيونية, ان يمنى حزب الليكود بالهزيمة بعد ان اثبت فشله في سياسته الخارجية, وألب على اسرائيل اصدقاءها قبل خصومها, الأمر الذي يقود اسرائيل الى عزلة دولية عن حلفاءها ويهدد امنها بل ووجودها. تحقيق: سعيد السبكي