هل اسرائيل في وارد الانسحاب من الجنوب اللبناني ولماذا الهجوم الاسرائيلي على تفاهم نيسان وهل انتقل خيار القوة من الجيش الاسرائيلي الى رجال المقاومة اللبنانية ؟.. أسئلة تطفو الان على سطح الاحداث اللبنانية في ضوء التطورات السياسية والعسكرية على الصعيدين اللبناني والاسرائيلي.. فحكومة نتانياهو وبعد ثلاث سنوات في السلطة يبدو انها أخفقت تماما في احتواء جنوب لبنان وشرعت فعليا في مناقشة حلول مقترحة بعد الاحباط الكبير الذي أصاب الاسرائيليين, عسكريين وسياسيين على حد سواء بفعل الضربات المؤلمة التي وجهتها المقاومة اللبنانية للجيش الاسرائيلي. لقد فقد الاسرائيليون أكثر من 900 ضابط وجندي.. ونتانياهو لا يريد ان يظهر بمظهر الضعيف الذي فشل في الانتقام لمقتل جنوده في لبنان, وهو لا يريد ايضا ان يجعل شعاره الانتخابي (زعيم قوي لشعب قوي) يفقد مصداقيته لدى الاسرائيليين, لكن نتانياهو لا يريد ايضا للرد الاسرائيلي ضد المقاومة اللبنانية ان يتحول حرباً مصغرة غير محمودة عقباها وان يحصل معه في الانتخابات المقبلة في مايو ما حصل مع سلفه شمعون بيريز اثر عملية (عناقيد الغضب) . لقد حاول نتانياهو ان يضع لبنان في مأزق جديد حين عمد الى ضم بلدة ارنون اللبنانية الى الشريط المحتل, لكنه سرعان ما اكتشف انه وضع نفسه في مأزق آخر يضاف الى سلسلة الورطات التي يصعب الخلاص منها وخاصة بعد التحرير الناجح لأرنون والعمليتين الفدائيتين اللتين اسفرتا عن مقتل ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي كالجنرال ايريز جيريشتاين ليعترف نتانياهو بعد ذلك ان ما جرى كارثة بكل معنى الكلمة. بعض الاسرائيليين وعلى رأسهم موشيه ارينز وزير الحرب يتحدثون الان عن ضرورة الغاء اتفاق تفاهم نيسان الذي رعته الولايات المتحدة في العام 1996 وذلك لان نصوص الاتفاق تحد من حرية اسرائيل في استخدام كامل طاقاتها العسكرية ضد المقاومة اللبنانية, لكن ضابطا كبيرا في الجيش الاسرائيلي لم تذكر صحيفة (هاآرتس) اسمه قال: (آن الاوان لقول الحقيقة وجها لوجه.. لم يعد لدينا اي شيء نفعله في لبنان.. ان حزب الله الذي صعد هجماته ليس منظمة ارهابية وانما حركة تحرير وطنية تشن حربا مسلحة, وفي ظل هذه الظروف المشابهة للجزائر وفيتنام يستحيل الانتصار ميدانيا) . ويقر قائد المنطقة العسكرية الشمالية الجنرال غابي اشكينازي لصحيفة (معاريف) بقوله: (يجب ان نقول الحقيقة.. اننا نواجه صعوبات في تحديد مواقع حزب الله حتى في العمق اللبناني) ومع ذلك يبدي اشكينازي معارضة لانسحاب غير مشروط من لبنان.. اما الخبير العسكري اورين فيعتبر ان القيادة العسكرية منقسمة مثل بقية الرأي العام الاسرائيلي حول هذه المسألة ويقول: ان بعض المسؤولين مستعدون للمخاطرة بانسحاب غير مشروط في وقت يخشى البعض الآخر من ان يتحول شمال اسرائيل هدفا لهجمات اذا لم يتم التوصل الى اتفاق مع بيروت ودمشق. ان نتانياهو يفكر الان بتحقيق انتصار سياسي انتخابي بتأكيده استعداده للتفاوض حول الانسحاب عسكريا من جنوب لبنان وقوله: اذا كان لبنان جادا فنحن على استعداد للجلوس الى طاولة المفاوضات شرط ان تنشر الحكومة اللبنانية جيشها في جنوب لبنان وتشرع بنزع اسلحة حزب الله كمقدمة لانسحاب الجيش الاسرائيلي بعد الوصول الى ترتيبات امنية دائمة ومقبولة من الطرفين.. ويؤكد نتانياهو ايضا ان لبنان سيجد فينا شريكا امنيا لان اسرائيل معنية بالانسحاب من الجنوب بعد التوصل الى ترتيبات امنية ملائمة!.. حتى ان اوساطا مقربة من نتانياهو قالت: ان اسرائيل تريد احياء اتفاق الهدنة الموقع بين البلدين في العام 1949. ان اسرائيل تتخبط الان في البحث عن منفذ للخروج من لبنان (فيتنام الاسرائيلية) وتحاول لاخر لحظة المناورة بكل الاساليب (المشرفة) للتخلص من مأزق امني وسياسي واجتماعي بدلا من التورط في حرب دائمة مع لبنان الذي كان الحلقة الاضعف في الصراع العربي الاسرائيلي, فأصبح الاقوى في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي بفعل النجاح الباهر لحرب العصابات التي تنفذها المقاومة الوطنية كملاحم اسطورية. وكان الرد اللبناني على الطروحات الاسرائيلية واضحا من خلال الاعلان على لسان رئيس الوزراء الدكتور سليم الحص: ان انسحابا اسرائيليا من المنطقة المحتلة في جنوب لبنان سيؤدي الى احلال الامن والاستقرار على الحدود الدولية اما لبنان فيرفض مناقشة ترتيبات امنية على اسرائيل فالامن والاستقرار يسودان كل المناطق اللبنانية خارج المناطق المحتلة ولا داعي لان يكون مختلفا في المنطقة الحدودية بعد انسحاب العدو الاسرائيلي منها. ويتابع الحص: ان انسحاب قوات الاحتلال من الاراضي اللبنانية من شأنه احياء اتفاق الهدنة عام 1949 وهذا يعني ان الحدود ستكون آمنة. وفي هذا السجال تدخل زيارة مارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية الامريكية الى لبنان ليتضح جوهر التحرك الامريكي وسط أنباء عن ترتيبات لمسألة أرنون وحرص امريكي على ان يبقى اتفاق تفاهم نيسان سائدا الى حين التوصل الى حل سياسي منشود في الجنوب. ان مهمة انديك في لبنان تسجل دعما للمطالب الاسرائيلية الامنية والضمانات التي تريدها من لبنان خاصة وان مصير بلدة ارنون ثبت انه يدخل في صلب التحرك الامريكي لكي لا تتحول في المستقبل الى دائرة نشاط حزب الله, وترى واشنطن ان حدوث اية خسائر عسكرية جديدة الان سوف يؤدي الى ردود فعل اسرائيلية عنيفة خاصة في هذا الوقت بالذات حيث المزاج العام في اسرائيل يعيش أزمة هزائم عسكرية في الجنوب تدفع باتجاه زيادة الضغوط على حكومة بنيامين نتانياهو. وألمحت مصادر امريكية في هذا الصدد الى الوعود الاقتصادية التي يحملها انديك الى المسؤولين اللبنانيين في مسيرة الاصلاح وهو ما يتطلب من الحكم اللبناني مزيدا من التضحيات في اشارة ما الى محاولة دق اسفين بين المسارين السوري واللبناني. ويبدو ان اسرائيل فهمت من تصريحات الحص ان لبنان مستعد لتقديم ضمانات امنية في حال سحبت قواتها من الجنوب, لكنها سرعان ما اكتشفت خطأ وجهة نظرها فبدت تصريحات نتانياهو الأخيرة وكأنها مناشدة لبيروت عندما قال: ان لبنان دولة ذات سيادة وانه لا داعي للمرور عبر سوريا لاجراء المفاوضات بشأن انسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب اللبناني.. لكن لبنان اكد انه لن ينجر الى مواقع التفريط بأرضه وسيادته وانه لن يمنح اسرائيل الامن وهي تحتل ارضا لبنانية ويقول الرئيس اميل لحود في هذا الصدد: ان لبنان لن يجري اية مفاوضات مع اسرائيل امنية او غير امنية ولن يفك رباطه مع سوريا وانه ليس امام اسرائيل من خيار سوى الانسحاب عملا بقرار مجلس الامن رقم 425.. وقال لحود ايضا: فلتنسحب اسرائيل اولا ونحن ادرى بمسؤولياتنا والمقاومة ستبقى خيارنا الى ان يزول الاحتلال. وفي هذا الموقف الرسمي ما يؤسس الى ان المقاومة تحظى بتأييد بيروت وليس العكس وينظر اليها لبنانيا كعامل ضغط اساسي على اسرائيل لتحقيق انسحابها من الارض اللبنانية وليس كورقة للتفاوض. ان الكرة الان في الملعب الاسرائيلي خاصة وان الضغط الشعبي الاسرائيلي يتزايد على حكومة نتانياهو للهروب من المأزق اللبناني فهل يفكر نتانياهو بطريقة لحل اوجاع الجيش الاسرائيلي تضمن ايضا اصوات الناخبين في مايو المقبل؟ ان حسابات نتانياهو كثيرة والضغوط التي تمارس عليه كثيرة ايضا فهل يعيد تجربة (عناقيد الغضب) ام يواصل المناورة مع لبنان دون ان يلقى استجابة لبنانية تحقق طموحاته السياسية؟ واذا كان نتانياهو يخشى فوز منافسه باراك برئاسة الحكومة وباراك هذا وعد بتأمين انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان خلال عام من توليه السلطة, فكيف سيرد على موقف باراك. ويضمن نجاحه في الانتخابات؟. فهل يقدم نتانياهو في المستقبل القريب على بادرة ميدانية اكثر فعالية بدلا من محاولات الصيد في الماء العكر على امل فصل المسارين اللبناني السوري؟. اخيرا.. انه من الغريب حقا ان يدخل لبنان الاضعف عربيا طرفا مؤثرا في الحملة الانتخابية الاسرائيلية ويرفع حدة الجدل السياسي في اسرائيل وهو يلحق بها هزيمة للجيش الاسطوري... فيما بقية الدول العربية لا تقوم بأي ضغط حتى لو كان دبلوماسيا في الامم المتحدة لادخال قرارات مجلس الامن وضرورات تطبيقها في صلب الحملة الانتخابية الاسرائيلية كما دخل الشأن اللبناني. لماذا هذا الضعف العربي... وهذا الموقف العربي الذي يكتفي بالتصفيق الخجول في تشجيع ابطال المقاومة اللبنانية؟. بقلم: عمر جفتلي