وراء الاحداث: إسرائيل تتخبط في المستنقع اللبناني:بقلم- مصطفى كمال

من المؤكد ان الحكومة الاسرائيلية عندما اقدمت على احتلال قرية ارنون, معلنة ضمها الى الشريط الحدودي او ما تسميه بالحزام الامني في جنوب لبنان بعد ان عزلتها بالاسلاك الشائكة, لم يكن في نيتها بالمرة التراجع عن هذا القرار بعد أيام قليلة من اعلانه . ولكنها فعلت. ولم يكن ذلك نتيجة عمل عسكري او حرب تحرير, وانما جاء في اعقاب مواجهة قصيرة مع نحو الفي شاب لبناني, لم يأبهوا بالدبابات الاسرائيلية التي وقفت وراء الاسلاك الشائكة لتنفذ عملية العزل والاغتصاب, وانما زحفوا ليقتلوا اشواك اسرائيل كالاعصار, فاذا بدبابات العدو تؤثر السلامة وتولى الادبار.. وهكذا دخلت قرية ارنون تاريخ النضال العربي ضد الصلف الاسرائيلي, ليس فقط باعتبارها ملحمة للشباب البواسل الذين اخترقوا الحصار, وانما ايضا باعتبارها دلالة على حالة التخبط التي وصل اليها الاسرائيليون بعد اكثر من 16 سنة من السقوط في المستنقع اللبناني.. وتعبير (المستنقع اللبناني) ليس من عندنا. وانما هو التعبير المفضل لدى الصحافة الاسرائيلية عند الحديث عن المأزق الذي تختنق فيه اسرائيل منذ عدوانها الآثم ضد لبنان في سنة 1982, فنجد على سبيل المثال صحيفة هاآرتس تقول منذ أيام: (الحقيقة المرة هي انه لا توجد طريقة جيدة للخروج من المستنقع اللبناني.. تماما مثلما لم تكن هناك طريقة جيدة لدى الامريكيين للخروج بشرف من مستنقع فيتنام) . وفي مجال اخر تقول نفس الصحيفة في سياق نقدها للسفاح اريك شارون: (ان شارون وليس غيره هو الرجل الذي القى بنا منذ اكثر من 16 عاما في المستنقع اللبناني الذي لم ننجح في الخروج منه حتى يومنا هذا..) وهذان مجرد مثالين للنغمة السائدة في اسرائيل ازاء استمرار الوجود الاسرائيلي في جنوب لبنان.. فلا غرابة اذن في ان يكون الاحساس العام ازاء المغامرة الاسرائيلية الجديدة التي تمثلت في احتلال قرية ارنون هو ان الحكومة تغوص بهم اكثر واكثر في (المستنقع) .. واذن فان الافضل هو التراجع عن هذه الخطوة قبل ان يزدادوا غرقا في الوحل.. وما من شك في ان حكومة بنيامين نتانياهو قد حسبت جيدا ارقام المكسب والخسارة في حالة تصديها للطلبة الذين تحدوا الحصار سواء من ناحية تصعيد عمليات المقاومة وبالتالي زيادة خسائرها وتناقص سمعتها الانتخابية, او من ناحية ردود الفعل العالمية التي لم تعد على الاقل على نفس المستوى من الانحياز لاسرائيل ظالمة ام مظلومة.. فاكتشفت ان خسارتها سوف تكون اقل لو (اخلت سبيل) ارنون, وانها لن تكسب شيئا اذا احتفظت بها.. غير ان يقين الاسرائيليين بأنهم وقعوا في (مستنقع) ليس وليد اليوم.. وانما هو موجود ويتزايد رسوخا منذ بدأت المقاومة اللبنانية عملياتها الفدائية ضد الوجود الاسرائيلي وضد عملائه في الجنوب, ومنذ اصبح فشل الغارات البربرية الاسرائيلية على مواقع الفدائيين خبرا يوميا بل نكتة يومية ترددها الصحف ووكالات الانباء دون ان يبدو لها اثر في اضعاف المقاومة او تهديدها.. بل ان المشاهد انه كلما ازدادت الغارات الاسرائيلية هياجا, كلما كان رد الفعل لدى المقاومة اللبنانية اقوى واعنف.. والاهم من هذا ان المقاومة بدأت تتخذ لدى الرأي العالمي تعاطفا ــ هو بالضرورة يعني تضاؤل التعاطف مع اسرائيل ــ باعتبارها حركة وطنية تحريرية ضد محتل اجنبي غاصب.. وهذا ولا شك يضعف كثيرا من الرصيد الاعلامي الذي بنته اسرائيل على مدى عشرات السنين فوق اكوام من المزاعم والاكاذيب.. وزاد من احساس الاسرائيليين بعمق الوحل في المستنقع الذي سقطوا فيه ان المقاومة المسلحة لم تعد قاصرة على حزب الله فقط بل انضمت اليها منظمات وجماعات اخرى واصبحت بالفعل تمثل جبهة وطنية واسعة تمثل معظم اتجاهات الشعب اللبناني, حتى ان الحكومة ذاتها سواء في عهد الحريري او في عهد سليم الحص لم تنكر حماسها لعمليات المقاومة بل اعلنت اكثر من مرة تأييدها لها. خلاصة القول ان خسائر اسرائيل, سواء في الارواح, أو في التكلفة المادية او لدى الرأي العام العالمي, كانت هي الدوافع الحقيقية وراء اعلان الحكومة الاسرائيلية في مثل هذه الايام من العام الماضي عن استعدادها لتنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 425 الذي يطالبها بالانسحاب من لبنان والعودة الى حدود ما قبل 1982. ولاشك ان من بين الاسباب التي دعت الى هذا الاعلان الذي صدر اولا عن وزير الدفاع الاسرائيلي حينذاك اسحاق موردخاي في يناير 1998 ثم اكده بعد ذلك شارون ومن بعده بنيامين نتانياهو, كان تزايد الضغط الجماهيري من جانب عائلات الجنود الذين تقذف بهم الحكومة الى جنوب لبنان ليتعرضوا لخطر الموت او ليموتوا فعلا على يد المقاومة.. وكان من علامات هذا الضغط ان تشكلت منظمة باسم (جمعية اربع امهات) اسستها اربع اسرائيليات لقى ابناؤهن حتفهم نتيجة عمليات المقاومة.. ولكنها اي الجمعية ما لبثت ان اتسعت واصبح لها جماهيرية واسعة تتبنى المطالبة بعودة الابناء من جبهة القتال ولم تستطع كل اكاذيب نتانياهو اقناع امهات الجنود بأن قتل ابنائهن في جنوب لبنان ضرورة وطنية يقتضيها امن اسرائيل المزعوم.. وفي مواجهة كل هذه الضغوط اعلنت حكومة نتانياهو استعدادها للانسحاب تنفيذا لقرار مجلس الامن رقم 425 بعد 16 عاماً من صدوره, غير انها اشترطت لذلك ان تدخل مع الحكومة اللبنانية في مفاوضات حول الضمانات الامنية التي ينبغي على لبنان ان يقدمها لحماية حدود اسرائيل الشمالية.. وهو شرط لا وجود له في قرار مجلس الامن المشار اليه والذي لم يتضمن سوى ثلاثة عناصر, هي: * انسحاب اسرائيل الى الحدود الدولية المعترف بها. * ان يشكل مجلس الامن قوة دولية لها مهمة محددة وهي مراقبة تنفيذ قرار الانسحاب. * مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سيطرتها الفعالة على كل اراضي لبنان. ولكن حكومة اسرائيل ادخلت هذا الشرط لغرض في نفس يعقوب. اما هذا الغرض فهو انها وجدت في استجابتها للضغوط الذاتية والموضوعية التي تضطرها للانسحاب من (المستنقع اللبناني) فرصة للوقيعة بين اللبنانيين والسوريين. فالتفاوض من أجل تدابير امنية لحدود اسرائيل يعني فصل المسار اللبناني ــ المجبرة اسرائيل عليه اليوم, ــ عن المسار السوري الذي تسعى لارجاء مناقشته لعشر سنين ان لم يكن لعشرين. وواضح ان تقدير نتانياهو وشركاه ان اللبنانيين سوف يرحبون بالفرصة المتاحة للخلاص من الاحتلال الاسرائيلي للجنوب.. وان كثيرين منهم سوف ينقمون على سوريا, ويعارضون الوجود السوري في لبنان اذا كان هذا يعرقل تحرير الشريط الحدودي.. ولكن اللبنانيين اثبتوا انهم اكثر ذكاء من الوقوع في الفخ الاسرائيلي, وان انفراد اسرائيل بلبنان حتى ولو كان في اطار الانسحاب من الجنوب يهدد مصالح لبنان مثلما يهدد مصالح سوريا والمصلحة العربية بأسرها, ولذلك فقد بادرت كل العناصر النافذة في لبنان, حكومية وشعبية على حد سواء بكشف الملعوب الاسرائيلي, على اساس ان القرار رقم 425 واضح.. فاذا كانت اسرائيل تريد ان تنفذه فلتنفذه, ولكن دون مفاوضات منفردة, ودون الفصل بين طرفي المسار السوري اللبناني.. *** والذي لاشك فيه ان تصاعد الخسائر الاسرائيلية في الجنوب اللبناني خلال الايام الاخيرة, والذي توّج بعمليتين كبيرتين في غضون اسبوع واحد, قد هيأ الارضية لتطور ردود الفعل في أحد اتجاهين: اما الاستجابة للنزعات الانتقامية المتهورة, على شكل غارات واسعة في عمق لبنان, تشمل تدمير البنية الاساسية او أجزاء منها على الأقل مثل الجسور ومحطات الماء والكهرباء وبعض منشآت المباني... الخ.. واما الاستجابة للمنطق والعقل, والاعتراف بان جذر المشكلة كلها هو في الوجود الاسرائيلي غير المشروع في جنوب لبنان.. وان حلها يكمن في إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن, وبغير شروط.. وهناك بالطبع اتجاه ثالث, هو تجميد الوضع على ما هو عليه الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية.. اما عن الاحتمال الاول ــ وهو الاحتمال الاقرب الى شخصية نتانياهو ــ فان مخاطره بالنسبة لاسرائيل ليست قليلة فان اي عمل غير محسوب من اعمال العنف الاسرائيلي قد لا يمكن التحكم في تداعياته, وقد يطيح بعملية السلام بأسرها خصوصا وانها الان بين الحياة والموت في غرفة الانعاش بعد تجميد اتفاقية واي بلانتيشن بحجة الانتخابات الاسرائيلية.. ولذلك فمن المستبعد جدا ان تعطى ادارة الرئيس كلينتون الضوء الاخضر لكي يشبع نتانياهو رغباته الانتقامية. كما ان من المستبعد ان يجازف نتانياهو بالتصرف على هواه دون انتظار الاذن من امريكا.. خصوصا وهو مقبل على معركة انتخابية هي بالنسبة له معركة حياة او موت.. وليس في صالحه بالمرة ان يجازف الان بمخالفة النصائح الامريكية المعلنة بضرورة ضبط النفس. واما عن الاخذ بمقتضيات العقل والمنطق التي تدعو الى سرعة التخلص من (المستنقع) اللبناني, حتى ولو استدعى ذلك التنازل عن ملعوب الوقيعة بين لبنان وسوريا فانه يبدو حتى الان ورغم العمليات الفدائية الجريئة الاخيرة. الاحتمال الاقرب, وقد يعزز من هذا الاحتمال الانسحاب السريع من ارنون وتفادي المواجهة مع الجماهير اللبنانية الغاضبة.. ولكن تحول دون التفاؤل بهذا الحل المعقول معرفتنا الجيدة بالعقليات المسيطرة على ادارة صنع القرار الاسرائيلي من امثال شارون وارينز والاحزاب الدينية المسرفة في التعصب والصلف والغرور. ولكي يؤكد هؤلاء وجهة نظرهم المعادية للانسحاب من لبنان او من اية ارض عربية اخرى اضافوا اخيرا حجة جديدة هي: ما هو مصير الجيش العميل جيش لحد اذا فرض وانسحبت اسرائيل من جنوب لبنان؟ احدهم وهو اورى لوفراني ــ ووظيفته منسق اعمال الحكومة في لبنان ــ يقول: اذا انسحبنا فان كل جنود جيش لحد سوف ينضمون الى صفوف حزب الله!! لماذا؟ لانهم ليسوا جيشا نظاميا وانما هم مرتزقة, والمرتزقة يمكن جدا ان يحولوا ولاءهم... ألم تروا ان المرتزقة في افغانستان انقلبوا على الامريكان؟ ويبقى بعد هذا وذاك الخيار البديل وهو بناء الوضع على ما هو عليه, مع زيادة جرعة القصف اليومي للمواقع اللبنانية فيما وراء الشريط الحدودي, ولكن ليس الى الحد الذي يستفز الادارة الامريكية, ومع الاستمرار في التلويح بورقة الانسحاب المشروط.. ويقترن هذا مع اتخاذ خطوات عملية من اجل تقليص الخسائر الناجمة عن عمليات المقاومة, مثل تعزيز نشاط التجسس والمخابرات, والتوسع في استخدام الطائرات بدون طيار, وزيادة مقومات الحراسة لدى الدوريات الاسرائيلية, وحجب المعلومات عن الجيش العميل خشية تسربها عن طريق جنوده الى الفدائيين.. غير ان احدا لا يتصور انه لن تكون هناك تدابير من جانب المقاومة لمواجهة اية تطورات في أساليب الاسرائيليين وعملائهم. ومن ثم بأن بقاء الوضع على ما هو عليه لا يعني سوى استمرار مؤشر الخسائر الاسرائيلية في الارتفاع.. انه فعلا مأزق.. لان الصلف الاسرائيلي عاجز تماما عن رؤية المخرج الصحيح منه.. ولعل هذا ما عبرت عنه صحيفة معاريف في افتتاحية اخيرة لها بقولها: (انه لامر مؤسف ان يكون استمرار هذا الوضع يعني استمرار سقوط جنودنا صرعى في جنوب لبنان رغم كل الجهود التي تبذل من أجل تقليل عدد الضحايا) .. (ولكن الامر الادعى لليأس والقنوط هو الاعتراف بانه ما ان يسقط ابناؤنا قتلى, حتى تبدأ على الفور رقصات الاوهام) ...

طباعة Email
تعليقات

تعليقات