على خلاف الدول العربية الاخرى المتورطة مع اسرائيل فيما يسمى بالصراع العربي الاسرائيلي, والتي تعرضت اراضيها للاحتلال نتيجة لحرب يونيو 1967, وبالتالي تخضع من حيث القانون الدولي لمرجعية القرار 242 الصادر في نوفمبر 1967 , والقرار 338, الذي اصدره مجلس الامن في يوليو 1973, فان لبنان يتصف بخاصية اساسية, حيث انه البلد العربي الذي تحتل اسرائيل جزءا من اراضيه, لكنه لا يرتبط بالمرجعية السالفة الذكر, بل انه يخضع بالاساس للقرار 425 والقرارات الاخرى التي أحيلت اليه. وهذا لا يعني بتاتا ان لبنان ليس معنيا بتداعيات الصراع العربي الاسرائيلي, بل على العكس من ذلك, فانه تفاعل مع مستجدات الصراع, وتطورات مواقف اطرافه المختلفة, دون ان يشارك في الحروب التي نشبت بين اسرائيل والدول العربية, لاسيما حربي 67 و73. ومع ذلك, فان هذا المعطى لم يمنع اسرائيل من احتلال جزء من اراضيه منذ اكثر من عشرين سنة. وكما هو الامر بالنسبة لقضايا الاحتلال فقد رفضت الامم المتحدة, بواسطة مجلس الامن الاقرار بهذا الاغتصاب, ورغم ذلك فان السؤال الاساسي يكمن في معرفة الاسباب التي حالت دون تفعيل هذا القرار وتنفيذه من طرف الامم المتحدة المعنية مباشرة باحترام الشرعية الدولية, كما تدعي بذلك في حالات اخرى. ونفس المعاينة تنطبق على الدول الكبرى, وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية. اولا: ظروف ومحتوى القرار 425 لقد جاء العدوان الاسرائيلي على لبنان في سياق الادعاء بمواجهة المقاومة الفلسطينية التي اشتدت بفعل الانفتاح اللبناني على الفلسطينيين, وكذلك مناهضة النفوذ السوري في لبنان. وبدأ انهيار التوازنات الوطنية في لبنان من سنة 1975 مما دفع بعض الفرقاء, وخاصة اللبنانيين المسلمين انفسهم الى الاستفادة من المؤسسة العسكرية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان في صراعهم ضد المسيحيين الذين استفادوا من مؤسسات مدعومة من طرف اسرائيل. ولا ريب في ان تنامي هذه القوة الفلسطينية هو الذي اشعر اسرائيل بمخاطرها المحتملة على امنها, ومن ثم كان الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني, والذي كان من اهدافه الاساسية تحجيم الحركة التقدمية اللبنانية والفلسطينية والسورية, لاسيما ان سوريا كانت قد استطاعت تشكيل قوات الردع العربية بمشاركة فاعلة منها في خريف 1976. لذلك, فان الاجتياح الاسرائيلي للاراضي كان يستهدف بالاساس اعادة التوازنات لما من شأنه ان يضمن مصالح اسرائيل. ان استمرار اسرائيل في احتلال الجنوب اللبناني, وتشكيل قوات عميلة برئاسة سعد حداد, جعل مجلس الامن يصدر القرار 425 بتاريخ 19 مارس 1978, والذي دعا فيه اسرائيل الى الانسحاب من الاراضي اللبنانية, وبالتالي الاحترام الصارم لوحدة اراضي لبنان ولسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا, كما نص على تشكيل قوة دولية لمراقبة الانسحاب الاسرائيلي. على غرار رفضها لقرارات الشرعية الدولية التي صدرت ضدها, فان اسرائيل لم تكتف بتجاهل هذا القرار, بل انها منذ اجتياحها لجنوب لبنان في سنة 1978, باتت تلعب دورا متناميا في الشأن اللبناني, وعاودت اجتياح لبنان في سنة 1982, في اطار عملية (سلام الجليل) , مبررة ذلك بالتصدي للتهديدات التي يمثلها الفلسطينيون الموجودون في لبنان على امن المستوطنات الاسرائيلية بالقرب من الحدود. وهذا الامر يفرض شل هذه القوة من خلال ضرب قواعدها في المنبع. لقد افضى الاجتياح الاسرائيلي الى اخراج القوات الفلسطينية من لبنان, دون ان يؤدي الى انسحاب اسرائيل من مناطق الجنوب اللبناني. ولم يخرج مجلس الامن عن مرجعيته المتمثلة في القرار المشار اليه آنفا. فسواء تعلق الامر بالقرار 509 الصادر في 1982/6/8 او القرار 520 الصادر في 1982/9/17, فان مجلس الامن قد جدد موقفه القاضي بالانسحاب الاسرائيلي من الجنوب, كما انه اخذ العلم بتصميم لبنان على تأمين انسحاب كل القوات غير اللبنانية من اراضيه, مركزا على سلطة الحكومة اللبنانية وحدها في بحث اي انسحاب. ولم يكن بامكان مجلس الامن اتخاذ مثل هذه القرارات الواضحة لولا اجماع كافة اعضائه, بما فيهم الولايات المتحدة, حليفة اسرائيل, على رفض مثل هذه السلوكيات التي تتنافى ومقتضيات الشرعية الدولية القائمة على احترام السيادة والوحدة الترابية لكافة الدول. ثانيا: محدودية التدخل الاممي بصفة عامة, وكما هو الامر بالنسبة للقرارات الاخرى المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي, فان مجلس الامن لم يدرجها ضمن الفصل السابع, وهو الوحيد الذي يتضمن آليات ملموسة لضمان تنفيذ مقتضيات القرارات الصادرة في ظله. في حين فان القرارات التي تتخذ خارج الفصل السابع تتمتع بالالزامية دون وسائل عملية لتنفيذها, وهو الامر الذي يقلص من فعاليتها, وبالتالي يترك المجال امام الاطراف المعنية للعمل على اخراجها الى حيز التطبيق. لقد اقتصر دور الامم المتحدة في لبنان على المساهمة في بعض الترتيبات المتعلقة بمراقبة احترام وقف اطلاق النار, كما هو الامر بالنسبة للمراقبين المنتشرين حاليا, والذين تقتصر مهمتهم على ضمان احترام الاتفاق الذي ابرم بين حزب الله واسرائيل, والذي يمنع بالاساس التصدي للمدنيين وهو الاتفاق المعروف بتفاهم نيسان, والذي جاء في سياق عملية (عناقيد الغضب) التي قادها الوزير الاول الاسبق شمعون بيريز, والتي حاول من خلالها ان يطمئن المستوطنين الاسرائيليين الى قدرته على تبني سياسة حازمة في مواجهة المقاومة الاسلامية اللبنانية. ان عجز الامم المتحدة على تنفيذ قراراتها ليس امرا جديداً او خاصا بحالة لبنان. ففي الصراع العربي الاسرائيلي, اكتفت هذه المنظمة على تقديم فقط الاطار القانوني للشرعية, لكنها استبعدت من دينامية التسوية. فكل الحلول التي تمت على مختلف المسارات, لم تشرك فيها الامم المتحدة, بل اكثر من ذلك, فانها لم تستدع حتى الى مؤتمر مدريد. ويعود ذلك الى موقف اسرائيلي امريكي مضمنه ان هذه المنظمة ليست مؤهلة لقيادة مثل هذه المفاوضات, وكذلك بسبب ثقل اجهزتها التنفيذية. يعني هذا الاستبعاد, ان مسألة تطبيق مقتضيات القرار تبقى رهينة بالاطراف المعنية, وتقدم الانتخابات الاسرائيلية فرصة ملائمة امام حركة المقاومة الاسلامية, من خلال اعمال جريئة لتذكير الفرقاء السياسيين في اسرائيل بضرورة التخلي عن سياسة الاحتلال التي لا تستند على أية شرعية دولية. لكن في الوقت الذي يدرك الاسرائيليون انه لا مناص من هذا الانسحاب, ولا يترددون في المزايدة على ضرورته, وذلك بفعل الخسائر البشرية التي يتكبدونها, والتي تجاوزت اكثر من الف وخمسمائة قتيل منذ التورط في لبنان, اخرها ضابط من رتبة جنرال, وكذلك بفعل عدم ارتكاز الاحتلال على أية مشروعية دولية, وتصميم المقاومة الاسلامية اللبنانية على الاستشهاد من أجل اجلاء قوات العدو المحتل, فانهم لا يريدون الالتزام فقط بالقرار 425 الذي يشكل مرجعية الحل, بل انهم يريدون ربط هذا القرار ببعض الشروط التي ما فتيء يذكر بها الوزير الاول الحالي نتانياهو, وهي المتمثلة في تجريد حزب الله من السلاح, وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب, وكذلك البحث في ضمانات تتعلق بمستقبل عناصر ميلشيا جيش لبنان العميل لاسرائيل. ترفض الحكومة اللبنانية هذه الشروط, وتعتبر ان الانسحاب الاسرائيلي ينبغي ان يستند الى القرار 425. وفي حالة ذلك, فان العلاقات الاسرائيلية اللبنانية ستكون محكومة باتفاقية الهدنة التي وقعت في سنة 1949, والتي بمقتضاها لا يمكن ان تكون هناك اعمال عسكرية على الحدود. وما بين هذا الموقف الاسرائيلي المشروط, والموقف اللبناني, فانه من الواضح ان الانسحاب الاسرائيلي يبقى مرهونا بمعالجة العلاقة مع سوريا, اي فتح مفاوضات جدية للانسحاب من الجولان فالكل يدرك جيدا العلاقة العضوية بين المسارين اللبناني والسوري حيث لا يمكن تسوية الملف اللبناني دون تسوية الملف السوري. ومن ثم, فان الحديث عن الانسحاب كرد فعل على عمليات المقاومة, واثناء الحملة الانتخابية, قد يتحول الى مجرد وعود ومزايدات. الامر الذي لن يترك امام المقاومة الاسلامية المتمثلة في حزب الله, من خيار اخر سوى الاستمرار في عملياتها الجريئة, والتي تتكبد من خلالها اسرائيل مزيدا من الخسائر. وفي ظل تعقيدات, وتشابك خيوط هذه القضية, وامام تهميش الامم المتحدة, فان دور القوى العظمى, وبالاساس الولايات المتحدة, وبعض الدول الاوروبية, يبقى اساسيا في اقناع الحكومات الاسرائيلية المختلفة بضرورة الالتزام بمقررات الشرعية الدولية التي كرستها قرارات مجلس الامن, ومن بينها القرار 424 و425 المتعلق بلبنان, والتي ترتكز في جوهرها على المعادلة المعروفة: الارض مقابل السلام. وفي الواقع, فان المعالجة الفعلية لهذا الملف لن تتم الا بعد اجراء الانتخابات الاسرائيلية في 17 مايو المقبل. وستكشف مخلفاتها السياسية عن بعض التوجهات في هذا الصدد. فهزيمة الليكود, وعودة حزب العمل, من شأنه ان يعطي دفعا جديدا لمسيرة التسوية, لاسيما وان الحكومة العمالية بقيادة بيريز كانت اكثر استعدادا للتوصل الى تسوية مع سوريا. لكن استمرار الليكود في السلطة, وتفضيله لمنطق امني يكرس الاحتلال, قد يدخل المنطقة في مزيد من الاضطراب واللااستقرار.