بعد عودة بلدة (أرنون) الى اهلها ووطنها, بدت معضلة الاحتلال الاسرائيلي وخياراته اكثر تعقيدا, وتحت وطأة الضربات العسكرية المركزة التي اسقطت عشرات الضباط (خاصة الكبار منهم) والجنود الصهاينة بين قتلى وجرحى استعاد (المونولوج السياسي) في اسرائيل نفسه, وبلهجة اكثر حدة, وحيرة اكثر عمقاً وتشعباً: كيف الخلاص من الجنوب اللبناني؟. لم تكن اسرائيل تتصور منذ اجتياحها الموسع للبنان عام 1982 ولغاية الان, ان كلفة الانسحاب لن تقل عن كلفة الاحتلال, وانه اذا كانت الضربة العسكرية قراراً سياسياً, فانه من الصعب بمكان ان يكون الانسحاب السياسي قراراً عسكرياً في دولة مكبلة بعنجهية تفوقية على غير صعيد, خاصة من الناحية العسكرية. كانت النتيجة الطبيعية ان تكثر المشاريع والتصورات الاسرائيلية للانسحاب طوال السنوات التي اعقبت اجتياح 82 حتى العام الجاري, ولعل احد ابرز الجوامع المشتركة فيما بينها ظاهرة (التفخيخ) , بحيث يأتي المشروع المطروح للانسحاب (قشرة موز) يراد منها دفع لبنان الى اهداف استراتيجية اسرائيلية عدة ابرزها: فصل المسارين اللبناني ــ السوري, وضع ترتيبات وضمانات امنية لاسرائيل, بحيث يتحول الجيش والقوى العسكرية الشرعية اللبنانية الى (شرطي) يحمي (حدودها) , ومستعمراتها الشمالية (اصبع الجليل). ولعل الدليل الاسطع على ذلك الطريقة التي تلقفت بها اسرائيل ما نسب خطأ الى رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور سليم الحص مؤخراً, بعد ان جرى بتر اقوال من حديث كان قد ادلى به وبثته محطة هيئة الاذاعة البريطانية (بي. بي. سي) بشأن: (التزام الحكومة اللبنانية بالمحافظة على الهدوء في الحدود مع اسرائيل, اذا ما انسحب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان) . طبعاً هذا الكلام لم يقله الحص بل كان نتيجة بث الحديث مبتوراً. ورغم ان المسؤول اللبناني اوضح الامر, مؤكدا ان الموقف اللبناني يقوم على: أ ــ الامن في المناطق المحتلة يبقى جزءاً من الامن في سائر المناطق اللبنانية, وبالتالي فان مهمة الشرعية بسلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية, المحافظة على سائر المناطق شرط ان تكون محررة, وخاضعة لسيادتها. ب ــ ان انسحاب قوات الاحتلال من الاراضي اللبنانية من شأنه احياء اتفاقية الهدنة الموقعة في العام 1949, مما يعني ان الحكومة ستكون آمنة. ج ــ لم يكن لبنان, ولن يكون مستعداً للبحث في اي ترتيبات امنية, او ضمانات لاسرائيل من اي نوع كانت, كثمن لها ومكافأة على انسحابها. د ــ يتمسك لبنان بوحدة المسار مع سوريا, وبالقرار 425 حرفياً, والقاضي بانسحاب اسرائيل من دون قيد او شرط من الاراضي اللبنانية التي تمثلها كافة, اي من دون مفاوضات. فاستناداً الى (زلة البث) من قبل (بي. بي. سي) , تقول (يديعوت احرونوت) انه: (اذا كان لبنان جاداً في تصريحاته الاخيرة, فانه سيجد بنا شريكا مخلصاً لتحقيق هذه الترتيبات) . ويتابع محررها ان ما وصفه, بمصادر اسرائيلية رفيعة المستوى, اشارت الى: (وجوب عدم الاستخفاف او رفض اقوال رئيس الحكومة اللبنانية, بان حكومة لبنان مستعدة لتحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري على حدودها مع اسرائيل, ووضعت هذه المصادر اقوال الحص بانها تنطوي على تجديد معين) . اما (معاريف) فقالت إن السلطات الاسرائيلية ردت بداية بتفاؤل ثم بخيبة امل على تصريحات الحص. وذكرت ان وزير الدفاع الاسرائيلي موشي ارينز قال: (اذا كانت الحكومة اللبنانية على استعداد للعودة الى شروط الهدنة, التي كانت قائمة بين اسرائيل ولبنان اثر اتفاقيات الهدنة عام 1949, واحلال السلام والامن في الشمال, فان الحكومة اللبنانية ستجد في حكومة اسرائيل شريكا لها) . واعتبرت مصادر اسرائيلية عديدة ان تصريحات الحص لم تكن (زلة لسان) . لكن (معاريف) تذكر ان الجيش الاسرائيلي يميل الى التقليل من اهمية كلام الحص. ونقلت عن ضباط كبار قولهم انه: (ليس في هذه الاقوال اي جديد) , وان: (البشرى لن تأتي من بيروت) . ومع ذلك صدرت عن المؤسسة العسكرية تصريحات مغايرة. فنقلت الصحيفة نفسها عن من وصفته بــ (ضابط كبير مؤيد للانسحاب) , من طرف واحد من لبنان, قوله ان: (الجيش الاسرائيلي اسير مفهوم يرفض الانسحاب من لبنان, ولذلك فانه من الصعب ان نفتح اذاننا على الاشارات المقبلة من بيروت) . ذلك (التخبط) ليس جديداً على المواقف الاسرائيلية كلما صار الحديث عن الانسحاب من لبنان, ويتساءل الكاتب محمود حيدر: ما الذي دعا الاسرائيليين ليطلقوا على مشروعهم الجديد للانسحاب عنوان: (الكرة في القدس) , والذي جاء بعد المحاولة الفاشلة لضم ارنون الى (الشريط المحتل) وبعيد العمليات النوعية للمقاومة ضد قوات الاحتلال والميليشيات المتعاملة معه؟ ويقضي المشروع المشار اليه: ــ نشر اسرائيل لقواتها على طول الحدود الدولية مع لبنان بعد سحبها من المناطق التي تمثلها في الوقت الحاضر. ــ تتمركز في هذه المناطق قوة دولية (مطعمة) بجنود مغاربة وتونسيين, وتتولى مهمة الحفاظ على الامن فيها (اي الامن الاسرائيلي, ومنع المقاومة من القيام باية عمليات عسكرية داخل فلسطين المحتلة). ــ وتتمركز وحدات الجيش اللبناني بمحاذاة القوة الدولية العربية لجهة الداخل اللبناني, بحيث يصبح ذلك محفوظاً وفق التصور الاسرائيلي من قبل (صمامي امان) . ــ انتقال قائد (جيش لبنان الجنوبي) ــ الميليشيات المتعاملة ــ اللواء انطوان لحد, وعدد من ضباطه (مع عائلاتهم) الى فرنسا للاقامة والعيش هناك. ــ اما جنود ميليشيا لحد الذين يشعرون بان ثمة خطراً امنياً عليهم, فتسمح لهم اسرائيل بالانتقال الى مستعمراتها الشمالية للاقامة فيها والعمل هناك. وبدوره يأتي مشروع الانسحاب (الكرة في القدس) من ضمن جملة من العروض جرى تسويقها منذ النصف الاول من الثمانينات, ومنها سبعة عروض اساسية حتى حدود العام 1998. العرض الاول: تعهدت اسرائيل بالانسحاب عام 1983 مقابل اتفاق سلام. لكن لبنان رفض (المقايضة) باعتبار انه لا يوقع اتفاقاً من هذا النوع الا اذا كان في اطار الحل الشامل والعادل, اضافة الى ان القرار 425 يتحدث عن انسحاب من دون اية اتفاقات مقرونة به. العرض الثاني: بعث رئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه مناحيم بيجن برسالة الى وزير الخارجية الامريكي جورج شولتس ضمنها ربط الانسحاب الاسرائيلي من لبنان بانسحاب متزامن للوحدات العسكرية السورية العاملة فيه ضمن (قوات الردع العربية) . وذلك عشية التوقيع على الاتفاق المعروف في 17 مايو 1983, والذي اسقطه لبنان فيما بعد. العرض الثالث: انحصر في تشديد الوفد الاسرائيلي على محادثات الناقورة العسكرية, على طلب اقرار (ترتيبات امنية تضمن امن شمالي اسرائيل بالتحديد) , وذلك بشكل يتجاوز قراري مجلس الامن 425 و426 ويلغيهما في الوقت نفسه. العرض الرابع: حصل بعد عدوان (تصفية الحساب) في يوليو 1993, حيث اقترحت حكومة اسحاق رابين ما يسمى بــ (اختبار قدرة الجيش اللبناني) . العرض الخامس: بعد ثلاث سنوات على مشروع رابين فجرت حكومة شمعون بيريز حرب (عناقيد الغضب) في ابريل عام 1996, وطرحت عرضاً مماثلاً متجنبة المطالبة بــ (معاهدة سلام) , ومشددة على المطالبة بوجوب (التعاون الاسرائيلي ــ اللبناني) لتفكيك البنية العسكرية لــ (حزب الله) باعتبارها (خطراً على اسرائيل ولبنان معاً) وفق الطرح الاسرائيلي, وضمان سلامة (جيش لبنان الجنوبي) على: (ان يتم ذلك بموافقة سوريا ورعايتها ودعمها) . العرض السادس: حفل مجيء الليكود الى السلطة في عام 1996 بطروحات اسرائيلية متعددة للانسحاب من لبنان, فانهالت في (عصر) بنيامين نتانياهو على لبنان العروض الشفهية بذلك الشأن, وحملت عناوين عريضة وخطيرة, ومحافظة على مستوى (التفخيخ) نفسه, مثل: (مشروع لبنان اولا) , الى (الجنوب اولا) , ثم الى (جزين اولا) . وترابطت تلك الطروحات مع الاطر العامة التي تشدد عليها اسرائيل باستمرار وابرزها: ضمان (مستقبل) جيش لبنان الجنوبي, ضمان امن اسرائيل, تفكيك (حزب الله) وضربه, وتفتيت قواعده التحتية... اما العرض السابع: فقد اطلقه وزير البنى التحتية في حكومة نتانياهو ارييل شارون, وعرف باسم (مشروع شارون) , ويقضي بالانسحاب من لبنان من جانب واحد وعلى مراحل, شرط ان تأخذ الحكومة اللبنانية على عاتقها مسؤولية ملء الفراغ الناجم بعد اي انسحاب, وفي حال لم تتمكن حكومة لبنان من ذلك (يحق) لاسرائيل استخدام قواها التدميرية ضد المقاومة والبنى التحتية المدنية والجيش السوري العامل في لبنان, وذلك وفق (مشروع شارون) نفسه. شكلت تلك العروض الخطوط العريضة لبانوراما سياسة الرمال المتحركة التي ارادت اسرائيل, وماتزال, ان تدفع كلا من لبنان وسوريا الى التخبط فيها, وذلك كردة فعل تلقائية على الاقل, حث لا تبقى وحدها المتخبطة في المأزق الذي يشد خناقه عليها باستمرار في جنوب لبنان. ولم تكتف اسرائيل بذلك, فقد تبنى (المجلس الوزاري المصغر) الذي شكلته لدرس كيفية تحررها من ذلك الخناق مشروعاً جديداً من خمس نقاط جاء بعد اقل من اسبوعين من (صيغة تسوية) طرحها اوائل العام الماضي, الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان تضمنت النقاط التالية: أ ــ موافقة اسرائيلية صريحة على القرار 425. ب ــ انتشار فوري للجيش اللبناني في اي منطقة تنسحب منها القوات الاسرائيلية. ج ــ استمرار تفاهم ابريل (الذي انبثق في اعقاب عدوان 1996). د ــ البحث في توسيع رقعة انتشار القوى الدولية في جنوب لبنان وتمديد انتدابها. هـ ــ تحريك المفاوضات في اتجاه اتفاق سلام بين اسرائيل وسوريا, وبين اسرائيل ولبنان. في اعقاب طروحات عنان, والتي وصفت بانها (بالون اختبار لنوايا الاطراف المعنية) , تحركت العروض الاسرائيلية للانسحاب من لبنان مجدداً, ووفق صيغ مختلفة, كان الابرز فيها اعطاء اسرائيل تفسيرها للقرار 425, وذلك للمرة الاولى. فمن جهة اعلن المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر, المشار اليه اعلاه, النقاط الخمس التالية: ــ اولاً: تقبل الحكومة القرار رقم 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي, بحيث ينسحب الجيش الاسرائيلي من لبنان مع ترتيبات امنية مناسبة, وبحيث يمكن للحكومة اللبنانية بسط سيطرتها الفعلية على جنوب لبنان, وتحمل مسؤولية ضمان عدم امكان استخدام هذه الاراضي قاعدة لنشاطات ارهابية ضد اسرائيل. ــ ثانياً: تعرب الحكومة عن تقديرها للجنود الاسرائيليين وقادتهم الذين قاتلوا للدفاع عن سكان شمال اسرائيل, وستواصل نشاطاتها ضد التهديدات الارهابية في (الحزام الامني) حتى تنفيذ الترتيبات الامنية الضرورية. ــ ثالثاً: تدعو الحكومة الاسرائيلية الحكومة اللبنانية الى البدء بمفاوضات على اساس القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي, لبسط سيطرتها على الاراضي التي يسيطر عليها حاليا الجيش الاسرائيلي, ووضع حد لاي نشاطات ارهابية ضد الحدود الشمالية لاسرائيل تنطلق من اراضيها. ــ رابعاً: تعتبر اسرائيل ان امن وسلامة سكان (الحزام الامني) في جنوب لبنان وجنود جيش لبنان الجنوبي, يشكلان جزءاً لا يتجزأ من تطبيق القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي, ومن اي ترتيبات اخرى يتم التوصل اليها لاحلال الامن على حدودنا مع لبنان. ــ خامساً: ستواصل اسرائيل جهودها للتوصل الى اتفاقات سلام مع جيرانها. ولما لم تلقى اسرائيل اي تجاوب لبناني مع طروحاتها تلك, تحول النقاش الاسرائيلي الى داخل الكيان الصهيوني, خاصة في المراحل الساخنة التي تعقب عادة الضربات العسكرية التي توجهها المقاومة لقوات الاحتلال وعملائها من جهة, والتي دخل على تفعيلها عنصر سياسي لبناني اساسي من جهة اخرى, وقد تمثل بوضوح في الدعم الرسمي للدولة اللبنانية حيال المقاومة. ولعل ابرز ما في الموقف اللبناني هذا من قوة, هو النجاح بتحويل العروض والمشاريع الاسرائيلية المفخخة للانسحاب الى جدال اسرائيلي ــ اسرائيلي, وليس الى حوار, او حتى الى نقاش اسرائيلي ــ لبناني. ... ومن هنا تنطلق مطالبة لبنان بالانسحاب دون قيد او شرط وفق القرار 425. بيروت ــ البيان