إسرائيل وإشكاليات الجنوب اللبناني: رأي عام ضاغط ودعوة للتخلص من حرب الكاتيوشا: بقلم- ناصرة الشربتلي

لو اقتصرنا في نظرتنا الى التصريحات التي صدرت في اسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية, على لسان آرييل شارون وزير الخارجية في حكومة نتانياهو, بشأن اقتراح تأجيل الانتخابات العامة (المقررة في 17 مايو المقبل), وتشكيل حكومة (وحدة وطنية) طارئة تكون مهمتها اتخاذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان .. نقول: لو اقتصرنا في ذلك على دواعي المناورات الانتخابية, فسوف يبدو لنا بنيامين نتانياهو سياسياً ذكياً.. إذ ان هذا الأخير, استطاع أن يرد ــ من خلال تصريحات وزير خارجيته ــ على مناورة منافسه ايهود باراك, زعيم حزب العمل, بمناورة أقوى.. إلى الدرجة التي لم يجد عندها باراك من رد سوى (الرفض) , اي: رفض الانضمام لحكومة (وحدة وطنية) تقرر الانسحاب من الجنوب اللبناني, رغم أن باراك نفسه كان قد تعهد قبل تصريحات شارون بأن يفعل ذلك (في العام 2000) إذا ما انتخب رئيساً للوزراء. ولكن هذا هو ظاهر الأمر فقط.. وعلى ما يبدو, فإن تعهد ايهود باراك, وتصريحات آرييل شارون, بل إضافة الى ما أعلنه (منذ حوالي عام, في مارس 1998) اسحاق موردخاي, وزير (الحرب) الاسرائيلي السابق, من قبول اسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان بناء على تفسيرها ــ هي ــ للقرار 425.. كل ذلك, لا يعنى سوى ان هناك اتفاقاً عاماً في اسرائيل على ضرورة الخروج من الاشكالية اللبنانية, وأن هذه الضرورة تصاحبها اشكاليتان اضافيتان: من يتخذ القرار بالخروج, وكيف يتم هذا الخروج بأقصى استفادة ممكنة. ثلاث إشكاليات, إذن, تواجه اسرائيل فيما يخص وجودها في الجنوب اللبناني.. وفي نفس الوقت, توضح ان مناورة (نتانياهو ــ شارون) الأخيرة, لم تكن مناورة انتخابية بقدر ما تعبر عن محاولة من جانب الليكود الحاكم في اتجاه حل هذه الاشكاليات, بما يتناسب مع أهمية الوقت اللازم اكتسابه إلى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة.. تتمثل (الاشكالية اللبنانية) , في أنها تعبر عن مدى المخاطر التي تتعرض لها إسرائيل في الجنوب, بسبب المقاومة المستمرة هناك, وما أدت اليه من خسائر فادحة للقوات العسكرية الاسرائيلية العاملة في جنوب لبنان, اضافة الى (حرب الكاتيوشا) التي تمارسها المقاومة اللبنانية بصفة عامة, وحزب الله على وجه الخصوص, ضد مستوطنات (شمال اسرائيل) .. وقد ادى ذلك, ولاشك, الى تشكيل رأي عام ضاغط في اسرائيل يطالب بوضع نهاية للوجود الاسرائيلي في لبنان, وهو ما عبرت عنه بعض الحركات التي تشكلت مؤخراً في اسرائيل, ومنها على سبيل المثال (حركة الامهات الاربع) , التي تتكون من امهات جنود اسرائيليين قتلوا في لبنان.. بل ان حكومة تل أبيب لم تستطع, خلال اعوام مضت, اخفاء القلق المسيطر على المؤسسة العسكرية التي ذهب بعض أقطابها الى حد المطالبة بانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان. أما (إشكالية القرار) بالخروج الاسرائيلي من جنوب لبنان, ومن يمكن له اتخاذه.. فتبدو واضحة في الاقتراح الذي جاء على لسان شارون, بتشكيل حكومة (وحدة وطنية) تكون مهمتها: (اتخاذ قرار الانسحاب من لبنان) . وهو ما يعني ان الحكومة الاسرائيلية الراهنة, حكومة بنيامين نتانياهو, ليست فقط عاجزة عن اتخاذ القرار, ولكن أيضاً تريد ان يشاركها في هذا القرار, حزب العمل.. وذلك طبعاً في اتجاه الاستفادة. انها الاستفادة التي كان نتانياهو سوف يحققها, فيما لو وافق باراك وحزب العمل على تشكيل حكومة (وحدة وطنية) , من خلال ان الحزبين الكبيرين (العمل والليكود) يتحملان (معاً) مسؤولية اتخاذ القرار الاسرائيلي بالخروج من لبنان.. لكن الأهم من ذلك, هو ما يحاول ان يظهر به نتانياهو امام ناخبيه المتشددين, من أنه لم يتخذ هذا القرار (منفرداً) . إذ ان نتانياهو يدرك تماماً, قبل غيره, أن ناخبيه الأصليين هم من المعسكر الذي سوف يغضبه قرار الانسحاب من جانب واحد, بحكم انهم بطبيعتهم متشددون, وبحكم انه نفسه ــ وحكومته ــ كان قد غذى فيهم هذا الاتجاه المتشدد عندما تبنى لغة القوة أساساً في خطابه السياسي, بل وبدفاعه المستميت عن مبدأ عدم الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة, تطبيقاً لمعادلة (الأمن مقابل السلام) , التي أحلها محل (الارض مقابل السلام) . وأما (اشكالية الاستفادة) التي تحاولها اسرائيل, من خلال عرضها الانسحاب من الجنوب اللبناني, وذلك عبر الاعلان ــ المتكرر ــ عن ان هذا العرض انما يتم بناء على التفسير الاسرائيلي للقرار 425.. هذه الاشكالية تبدو بوضوح اذا ما لاحظنا ان اقتراح (نتانياهو ــ شارون) الاخير ــ في ظل الظروف والمعطيات القائمة راهناً ــ هو عبارة عن مناورة.. مناورة, في حقيقتها, سياسية.. يهدف من ورائها نتانياهو الى ضرب (عدة عصافير) بحجر واحد. هنا, تبدو الاستهدافات الاسرائيلية واضحة: وضع نهاية للخسائر الاسرائيلية في جنوب لبنان.. التخلص من ضغوط (حرب الكاتيوشا) على كل من مستوطنات (الشمال) والرأي العام الاسرائيلي.. الظهور بمظهر المتجاوب مع الضغوط الامريكية والاوروبية والرأي العام الاسرائيلي وأهالي القتلى من الجنود الاسرائيليين.. تخفيف حدة الاهتمام الدولي والاقليمي والمحلي بالمسار الفلسطيني, ووضع عائق يعرقل ويصرف النظر, في الوقت نفسه, امام الجدل الدائر الان بخصوص مسألة (اعلان الدولة الفلسطينية في 4 مايو المقبل) .. وأخيرا, وليس آخراً, محاولة فصل المسارين السوري واللبناني.. فالواضح ان المراد من التصريحات الاسرائيلية الاخيرة, ان يتم تطبيق القرار 425, ولكن مع اضافة شيء لم يرد في نصه, وهو: ان يدخل الجيش اللبناني المناطق التي يخليها الجيش الاسرائيلي و(جيش لبنان الجنوبي) الموالي لاسرائيل, وان يضمن الجيش اللبناني عدم تسرب عناصر من حزب الله الى (الشمال الاسرائيلي) , مقابل الانسحاب. ومن ثم, يمكننا ان نتبين نوايا الاطروحات الاسرائيلية المتتالية بشأن الانسحاب من الجنوب اللبناني.. اذ انه مع افتراض وجود موافقة لبنانية على هذه الاطروحات, فان الخطوة التالية, من جانب اسرائيل, ستكون المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان وليس انسحاب القوات الاسرائيلية من الجولان, بحجة ان الاخيرة تنسحب من لبنان وان الاستقرار فيه يتطلب خروج القوات السورية لعدم توافر مبرر وجودها حينئذ.. وهكذا, يتم دفع لبنان الى الانفصال تماماً عن سوريا, وتوقيع صلح (منفرد) مع اسرائيل.؛ وهذا, قياساً الى (العقلية الاسرائيلية) , ليس بجديد.. فهو, نفس السيناريو الذي تكرر, ونجح من قبل مع الفلسطينيين. فعندما اعلنت اسرائيل في اوائل التسعينات عن نيتها في الانسحاب من جانب واحد من غزة (نتيجة لمشكلاتها المتفاقمة بالنسبة الى اسرائيل), واستجاب الفلسطينيون الى ذلك, حدث ما نتذكره جميعاً: بدءا من اعلان المبادئ (الفلسطيني ــ الاسرائيلي) في عام 1993, وصولاً الى اتفاقية (واي بلانتيشن) . ولان نتانياهو يدرك تماماً, هو وغيره من القائمين على السياسة وصناعة القرار السياسي في اسرائيل, بان الامر في رمته سوف ينتهي الى الرفض من جانب لبنان وسوريا كنتيجة للاصرار المشترك بينهما على تلازم المسارين.. لانه يدرك ذلك, فانه لابد وان يكون مدركاً ايضا لافاق مناورته, اي: بقاء الوضع مجمداً على ما هو عليه. وبالتالي, لا تكون مناورة (نتانياهو ــ شارون) الاخيرة, سوى مناورة سياسية تستهدف وقف, او تقليل, الضغوط على حكومته, تلك الضغوط الناشئة عن الاشكاليات الثلاث المشار اليها.. ومن ثم, كسب المزيد من الوقت اللازم لترتيب أوضاعه, وأوضاع حكومته, بل وأوضاع تكتل الليكود, قبل الانتخابات, التي لم يتبق على موعدها المقرر سوى (تسعة اسابيع) . ويتبقى بعد ذلك ان نلاحظ, ان موجة التهديد المفتعلة من جانب اسرائيل بشأن اطلاق يد الجيش في اجتياح لبنان, وإلغاء تفاهم (ابريل 1996) .. فلا تعني, في اعتقادنا, شيئا.. ليس فقط لان هذا التفاهم لم ينفذ, ولكن, ايضا وهذا هو الاهم, ان نتانياهو يدرك درس شيمون بيريز جيداً, فقد كانت الحرب التي قادها هذا الاخير ضد لبنان, والتي اطلق عليها (عناقيد الغضب) (1996), السبب المباشر ــ الذي استغله نتانياهو نفسه ضد بيريز ــ لسقوط بيريز وانهياره, ليس من انتخابات عام 1996 وحسب, ولكن كذلك من انتخابات زعامة حزب العمل, تلك التي جاءت بــ (ايهود باراك) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات