يبدو ان ورقة الجنوب اللبناني من الممكن ان تلعب دوراً هاماً ومؤثراً في حسم الانتخابات الاسرائيلية المقبلة والمقرر عقدها في شهر مايو المقبل, فما يحدث في جنوب لبنان حالياً اصبح موضع انتقاد حاد من جميع الطوائف والاحزاب السياسية الاسرائيلية , بعد ان وصل عدد القتلى الاسرائيليين الذين سقطوا تحت نيران رجال المقاومة الوطنية اللبنانية ومنذ الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني عام 1982 الى نحو 1539 قتيلاً حسب تقديرات المصادر الاسرائيلية نفسها.. ايضا زاد من حدة الانتقادات للتواجد الاسرائيلي في الجنوب اللبناني وقوع عدد من العمليات الوطنية الناجحة نهاية الشهر الماضي والتي أدت الى مقتل عدد من كبار الضباط الاسرائيليين.. ولذلك راحت بعض الحركات الشعبية الاسرائيلية ومنها حركة الأمهات الاربع تنظم التظاهرات وتندد بالتواجد الاسرائيلي في الجنوب اللبناني, وتطالب بالخروج من هذا المستنقع الذي تخسر اسرائيل بسببه اكثر مما تكسب.. ولان الانتخابات الاسرائيلية اصبحت على الابواب, فقد حرص كل من التكتلات الحزبية الرئيسية هناك على تضمين ورقة الجنوب اللبناني في برامجهم الانتخابية, ما بين المطالبة بالانسحاب الفوري, وتفضيل الحصول على ضمانات قبل هذا الانسحاب.. المهم ان النغمة السائدة حاليا هي انه لابد من حل لهذا المأزق الاسرائيلي في الجنوب اللبناني.. فهل تساعد هذه الورقة فعلا في ترجيح كفة احد الحزبين الكبيرين في اسرائيل على الاخر؟ وما هي الخيارات المتاحة امام حكومة اليمين الاسرائيلي للتعامل مع قضية الجنوب اللبناني؟ وما هو المطلوب من الطرف العربي فيما يتعلق بدعم المقاومة الوطنية في الجنوب اللبناني؟ مقولة اساسية بداية يرى الدكتور عماد جاد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام ان ما يحدث في الجنوب لابد وان يؤثر في عملية الانتخابات الاسرائيلية المقبلة كما حدث بالنسبة للانتخابات الماضية لانه يتعلق بأمن المواطن الاسرائيلي.. ومعروف ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو قد فاز في انتخابات عام 1996 من خلال مقولة اساسية وهي تدعيم امن الدولة والمواطن الاسرائيلي,بدون التنازل عن الارض.. وهذه المقولة هي التي ركز عليها نتانياهو في دعايته وحرص على ان يؤكد في برنامجه الانتخابي ان حكومة حزب العمل ارتكبت غلطة كبيرة عندما وافقت من خلال مفاوضات اوسلو على التنازل عن الارض. وهم يعتقدون ان ذلك سينعكس على امن الدولة والمواطن الاسرائيلي, ولكن الذي حدث هو ان تهديد الامن الاسرائيلي ظل مستمرا, وظلت العمليات الانتحارية تقع من آن لاخر, ولذلك ذهبت اصوات الناخبين الاسرائيليين الى نتانياهو والذي وعدهم انه سيحقق لهم الامن بدون التنازل عن اراضي اخرى, وبالفعل نجح نتانياهو في ذلك بداية فترة رئاسته للوزراء, وتم الحد من عمليات المقاومة الوطنية في الاراضي الفلسطينية وبمساعدة من السلطة الوطنية الفلسطينية التي قامت بحملة اعتقالات وفرضت الكثير من الاجراءات التي استطاعت ان تحد من تحرك قوى المقاومة الوطنية في الاراضي المحتلة.. لكن ما حدث بعد ذلك انه ظلت هناك جبهة وحيدة نشطة مستمرة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وهي جبهة الجنوب اللبناني, حيث ظلت توجه بين الحين والاخر ضربات موجعة للقوات الاسرائيلية, ولجيش جنوب لبنان العميل. حسابات اليمين الاسرائيلي ويقول الدكتور عماد جاد لقد كان متوقعاً ان تقوم حكومة اليمين الاسرائيلية بتصعيد الهجمات على الجنوب اللبناني خلال الفترة المتبقية على الانتخابات التي ستجرى في مايو المقبل, من اجل اكتساب المزيد من اصوات الناخب الاسرائيلي, ولكن ما حدث هو ان قوات المقاومة الوطنية اللبنانية هي التي تمكنت من القيام بالعديد من العمليات الوطنية المسلحة والناجحة, وعلى النحو الذي ادى الى ارتباك حسابات اليمين الاسرائيلي, لان هذه الضربات كانت على مستوى عال من الكفاءة وادت الى حدوث خسائر بشرية فادحة بالنسبة للاسرائيليين.. وساعدت على الارتباك ايضا. ان حكومة اليمين وجدت نفسها لا تستطيع المغامرة بتصعيد عملياتها تجاه الجنوب اللبناني لان ذلك سوف يؤدي الى حرب مفتوحة ربما تطيح بالكثير من عوامل الاستقرار.. وقد وجدت احزاب اليسار والوسط في اسرائيل الفرصة مهيأة لها لكي تستفيد من هذا المأزق الذي تعاني من حكومة اليمين.. وراحت تنتقد نتانياهو الذي لم يستطع ان يضمن امن الدولة والمواطن الاسرائيلي كما ادعى في برنامجه الانتخابي, وانه جعل الالة العسكرية الاسرائيلية بكل قوتها وترسانتها عرضة للتهديد والتدمير من عناصر حزب الله وهو ما يعد اهانة بالغة لهذه الالة.. ومن هنا يركز الوسط واليسار في اسرائيل في دعايته الانتخابية على ضرورة الانسحاب من الجنوب اللبناني والخروج من هذا المأزق لان هذا هو الحل الوحيد المتاح حالياً, اما الحديث عن تصعيد العمليات العسكرية فهو لن يحقق امن الدولة والمواطن الاسرائيلي.. ويكمل الدكتور عماد جاد ان نتانياهو نفسه وعندما اعاد حساباته وجد انه لابد ان يفوت الفرصة على احزاب اليسار والوسط في اسرائيل, لذلك اضطر لقبول الحديث عن مثل هذا الطرح الذي يدور داخل اروقة احزاب اليسار والوسط الاسرائيلية.. كما طرح شارون وهو مهندس عملية غزو لبنان فكرة تأجيل الانتخابات المقبلة وتشكيل حكومة طوارئ اسرائيلية لمواجهة المأزق اللبناني, وهذا كله يدل على ضعف موقف اليمين الاسرائيلي في مواجهة التطورات الأخيرة. الورقة الوحيدة النشطة ونبه الدكتور عماد جاد الى نقطة هامة وهي ان فعالية المقاومة الوطنية, ربما هي الورقة الوحيدة حالياً التي تؤرق وتزعج الجانب الاسرائيلي, ويجب علينا على الاقل الا نسقط هذه الورقة, فلابد من توظيفها لخدمة التفاوض اذا كان هناك فرصة الى ذلك, لان هذه الورقة هي الوحيدة النشطة في الوقت الراهن.. وهذه الورقة اذا ما أحسن استخدامها وتوظيفها فمن المؤكد انها ستدفع اسرائيل ان عاجلاً او آجلاً لان تتخذ قرار الرحيل وسحب قواتها من الارض العربية المحتلة في جنوب لبنان.. ويضيف ان استمرار المقاومة في جنوب لبنان في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي والحاق الخسائر بأفراده ومعداته, سوف يرفع من أسهم الذين يرفعون شعار الارض مقابل السلام وهم احزاب اليسار والوسط الاسرائيلي.. ولكن مع ذلك ربما لو وصلت الحكومة اليمينية الى حسابات انتخابية ترى ضرورة توسيع نطاق العمليات العسكرية في جنوب لبنان, فهو خيار من الممكن حدوثه من حكومة نتانياهو, ولكنه خيار غير مضمون النتائج بالنسبة لحكومة اليمين, بمعنى ان أي تكثيف للعدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان, سوف يقابله بالتأكيد مقاومة مكثفة من القوى الوطنية اللبنانية, وهذا غالبا لن يكون في صالح اليمين الاسرائيلي أثناء العملية الانتخابية ولكنه مع ذلك يظل خيارا واردا.. إلى جانب خيار الانسحاب والذي لا يمكن انجازه في الفترة المتبقية على الانتخابات, لأن الحكومة الاسرائيلية تطالب بتوقيع اتفاق مع لبنان لترتيب الانسحاب, في حين ترفض الحكومة اللبنانية ذلك وتطالب بانسحاب اسرائيل دون توقيع أية اتفاقيات.. ويميل الدكتور عماد جاد إلى وجهة النظر التي ترى أن الأمر سيظل مجمدا منذ الآن وحتى الانتخابات المقبلة, على الأقل للحد من تأثيراته السلبية على اليمين الاسرائيلي في الانتخابات. كابوسا مستمرا ومن جانبه يعتقد الدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط ان الأحداث التي وقعت في الجنوب اللبناني مؤخرا, والتي استطاعت خلالها المقاومة الوطنية اللبنانية أن تلحق اصابات بالغة وموجعة لقوات الاحتلال الاسرائيلي, قد اتضح تأثيرها من الآن على العملية الانتخابية الاسرائيلية, فهناك سباق حاليا بين كل الأطراف في محاولة لايجاد حل مباشر لموضوع الجنوب اللبناني والذي أصبح كابوسا يهدد ويؤرق الأمن الاسرائيلي مثلما كانت غزة سابقا, فيقال ان بيريز كان يردد دائما, (عندما أستيقظ من النوم وأدرك ان غزة لا تزال داخل الدولة الاسرائيلية, أشعر انني أعيش كابوسا, وأنا في حالة اليقظة) . فما يحدث في جنوب لبنان يعد كابوسا مستمرا ومزعجا للجانب الاسرائيلي وخاصة في ظل تزايد عمليات المقاومة الوطنية اللبنانية بفعل تغير معادلات الساحة اللبنانية لصالح القوى القومية المدعومة من سوريا, والمساندة الاقليمية لحزب الله, والمساندة الدولية للبنان, بسبب رفض اسرائيل لقرار مجلس الأمن الداعي لانسحابها من لبنان, وهذه الدوائر الثلاث لعبت دورا محوريا في تأجيج المقاومة اللبنانية الوطنية الناجحة ضد اسرائيل وزيادة عدد العمليات الفدائية ضد قواتها, ووقوع الكثير من القتلى الاسرائيليين, وقد أمكن لهذه العمليات الانتحارية الجهادية ان تغير كثيرا من معادلات توازن القوى لصالح العرب, وتثبت ان العرب مستضعفون وليسوا ضعافا, والمطلوب مساندة هذه العمليات لأن مساندتها على طول الخط سيكون في صالح الجانب العربي, ولأنها احدى الأوراق القوية في يد المفاوض العربي بالذات على المسارين اللبناني والسوري, ولابد من الاستفادة من هذه الورقة, ومعها ورقتي اعلان الدولة الفلسطينية وايقاف التطبيع مع اسرائيل في لعب دور محوري في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, لأن أهم شيء بالنسبة للدولة والمجتمع الاسرائيلي هو الأمن والاستقرار, وهذه الأوراق تستطيع ان تهدد هذا الأمن, وهذا الاستقرار. ان ما يحدث الآن يتطلب من العرب ان يلقوا بالكرة في الملعب الاسرائيلي لاتخاذ القرار النهائي بانتخاب قيادة قادمة تؤمن بالحقوق العربية. وأوضح الدكتور حسن بكر انه لم يعد أمام الحكومة الاسرائيلية الحالية أو أي حكومة قادمة إلا ان تحمل عصاها وترحل عن جنوب لبنان ,لأن البديل هو استمرار سقوط المزيد من القتلى الاسرائيليين, وانهاك الجيش الاسرائيلي من الداخل, وتهديد أمن المجتمع الاسرائيلي.. البديل هو انتظار ان تقع صواريخ الكاتيوشا على المواطنين وزيادة العمليات الجهادية ضد اسرائيل, وتصعيد حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة وتحولها مرة أخرى إلى الوضع وكأنها على فوهة بركان.. ان السلام هو خيار استراتيجي اتخذته الحكومات العربية, والمطلوب الآن من اسرائيل ان تنتهز الفرصة لاقامة سلام حقيقي, والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعمل تسوية شاملة على المسارين السوري واللبناني. تحقيق ــ صالح الفتياني