لايزال ملف الاعلام اللبناني ساخنا ينزف, مع القيود التي اعلنت عنها حكومة رئيس الوزراء سليم الحص مؤخرا لتكبيل محطات التلفزيون والاذاعة الخاصة لبسط سيطرة الدولة على كافة المؤسسات وهو الشعار الذي رفعه الرئيس اميل لحود عند توليه الحكم . على الجانب الآخر مازال اصحاب تلك المحطات الخاصة يبدون مقاومة وجمودا رافضين - ولو مؤقتا - الرضوخ للسياسات الجديدة التي تنتقص من مصالحهم بلا شك. وتمس القضية احيانا مسؤولون كبار يشرفون او يمتلكون محطات مثل رفيق الحريري رئيس الوزراء السابق. لالتقاء الطرفين عند نقطة تقريبية عقد انور خليل وزير الاعلام اللبناني المكلف بالملف ما يشبه الخلوة مع القائمين على امر المؤسسات الاعلامية العامة والخاصة على السواء وذلك لتنشيط المعالجات للقانون الجديد الذي سيصدر بهذا الخصوص قبل ابريل المقبل ويبدو ان الخليل الذي التقته (البيان) قد توصل الى صيغة وسط بالفعل ستمكن حكومة الحص من امساك عصا الاعلام من المنتصف واطفاء الحرائق الرسمية التي اشعلتها الحكومة بطرح القضية للتداول العلني. لكن على مايبدو فان الطرح الحكومي جاء مخلا واعتمد معيار الكيل بمكيالين في تعامله مع وسائل الاعلام الخاصة والحكومية اذ يشدد القيود المادية على الاولى ويتجاهلها على الثانية. وعلى كافة الاحوال تمكن الخليل من اعادة الامساك بعصا الملفات الاعلامية الشائكة من المنتصف كما سبق الذكر, وبدا خلال الاسبوعين الماضيين انه قرر انعاش الاعلام الرسمي على حساب تدابير من شأنها اخضاع الاعلام الخاص بكافة انواعه على الاخص المرئية والمسموعة. بذلك تتساوى وسائل الاعلام كافة في الضعف, ما يحجب (احتكار) هذه الصفة من قبل وسائله الرسمية فقط ( من تلفزيون لبنان الى الاذاعة اللبنانية, الى الوكالات الوطنية الاعلام .. ) ). يلاحظ المسؤولون والعاملون في الاعلام الخاص ان معادلة (تعميم الضعف) بدت واضحة وناشطة منذ ان تبنى مجلس الوزراء قبل حوالي الثلاثة اسابيع الابقاء على (شركة تلفزيون لبنان) رسمية, وعدم خصخصتها اي تسليمها للقطاع الخاص, كما حصل في الاسبوع التالي مثلا بخصخصة مرفق حيوي لايقل اهمية وهو (شركة طيران الشرق الاوسط - الميدل ايست) . منذ ذلك الوقت, يقول هؤلاء بدأت ما يسمونه (الحرائق الرسمية) ضد الاعلام الخاص لاضعافه وابرزها برأيهم تعديلات اقترحها وزير الاعلام الخليل على قانون البث الاذاعي والتلفزيوني تحت الرقم 382 على 94, خاصة لجهة رفع الرسوم المالية التي يجب ان تدفعها المؤسسات الاعلامية المرئية والمسموعة الخاصة, بشكل باهظ لاتستطيع معظم هذه المؤسسات تحمله, ما ادى الى تعالي صرخات الاعتراض وقيام المسؤولين في تلك المؤسسات بدق نفير الخطر والاستنفار لاحباط مشروع وزير الاعلام الهادف برأيهم الى دفع مؤسساتهم للوقوع تحت العجز المالي والافلاس وبالتالي بصرف محرريها وعمالها وموظفيها واقفال ابوابها. استنتاجات خاطئة * سألت (البيان) الوزير الخليل: هل كان هذا التحرك في محله؟ - يجيب بالنفي, متحدثا عن (استنتاجات خاطئة) وقع فيها البعض حيال تلك التعديلات المقترحة على قانون البث الاذاعي والتلفزيوني ويوضح قائلا: انني اذ اؤكد على اهمية بدء ورشة الحوار الوطني حيال (تلك) التعديلات وغيرها من المواضيع الاعلامية التي تحتاج الى اوسع نقاش وطني بغية ان تأتي القرارات النهائية ملبية لطموحات اللبنانيين ومنطلقة من مبدأي المشاركة والشفافية, فانه يهمني في الوقت, نفسه التشديد على نقطتين اولاهما النقاش المطلوب, وثانيهما اما يتعلق باستنتاجات خاطئة نشأت عن الامر. * وماذا بشأن الدعوة الى ما تسمونه بالنقاش الوطني؟ - الخليل: الواقع ان رغبتنا بفتح النقاش الوطني حول التعديلات المفترضة على القانون ليست جديدة, فهي التي املت رفع ملاحظاتنا ضمن تقرير عام عن اوضاع وزارة الاعلام, دون ان نقترح هذه الملاحظات بصيغة مشروع قانون, كما ان الحكومة ومن خلال تشكيل لجنة وزارية لبحث الملف الاعلامي انما هدفت الى ايجاد اطار يسمح باطلاق ورشة النقاش تلك والتي كنا قد ابلغنا العديد من اصحاب الشأن بأننا حريصون جدا على اطلاقها فور اطلاع الوزراء على التعديلات المقترحة. * قبل التوقف عند ابرز ما تضمنه ذلك التقرير ماذا تتضمن النقطة الثانية؟ - يجيب ان بعض الملاحظات التي سجلت على التعديلات استندت الى معطيات غير دقيقة, وذهبت الى حد اعلان استنتاجات خاطئة, لم تأت ضمن ماهو موجود فعلا في تقريرنا المشار اليه, لذلك فان الوصول الى اي استنتاج يفترض الوقوف على الحقائق كاملة, والبحث فيها وعلى ضوء مثل هذا التعاطي يجوز الاستنتاج. لذلك فنحن منفتحون على كل نقاش علمي وموضوعي ونشجع قيام حوار بما يؤسس لمرحلة متقدمة في التعاون الهادف الى صون الحرية وزيادة فاعلية آلياتها وتطوير عمل مؤسساتها. وفيما ظل الوزير الخليل يتحدث عن تعديلات متطورة لحظها ذلك التقرير في اطار ملف الاعلام المرئى والمسموع, خاصة مايرتبط بقانون تنظيم البث التلفزيوني والاذاعي الذي يحمل الرقم 382/94, وقانون البث الفضائي الرقم 531/96, وقانون البث المرمز, وقانون الاعلان. فوجىء المسؤولون عن المؤسسات المندرجة ضمن ذلك الاعلام بطرح تعديلات مغايرة بل ومتناقضة مع ما كانوا يأملون به لجهة وضع اطروحات وزير الاعلام موضع التنفيذ العملي مثل قوله: ضرورة معالجة الامور كي يطبق مبدأ العدالة على الجميع. تعزيز الاتجاه نحو مزيد من الاستقلال لقطاع الاعلام المرئي والمسموع .. فتح ابواب (هذا) القطاع على آفاق رحبة مهنيا على مستوى الحريات وتجاريا على مستوى الاسواق العربية. لكن التعديلات التي اقترحها وزير الاعلام حول ذلك القطاع جاءت لتنيف كل تلك الآمال, بنظر المسؤولين عن الاعلام المرئي والمسموع الخاصين على الاقل والذين اشتكوا للوزير الخليل بقولهم: (نسمع اقوالك نفرح, نشوف قراراتك نتعجب) . الخلوة الاعلامية عند ذلك الحد بدأ اعلاميو المرئي والمسموع يبتعدون عن وزير الاعلام وطروحاته, وتكتلوا خلال الاسبوعين الماضيين صفا واحدا, وعبر لقاءات عدة للوقوف في وجه التعديلات المقترحة من الخليل. ورغم التباعد في الآراء وسبل المعالجات ومضامينها, الا ان جميع المعنيين حرصوا على ان يتصرفوا على قاعدة تقول انهم يريدون اكل العنب لا قتل الناطور) . لذلك كان لابد من ايجاد قناة للاتصال والتواصل, فجرى عقد (خلوة اعلامية) في وزارة الاعلام, شارك فيها الوزير انور الخليل, المدير العام للاتصالات السلكية واللاسلكية عبد المنعم يوسف, وممثلون عن مؤسسات اعلامية مرئية ومسموعة مرخص لها, وثلاثة اعضاء سابقين في المجلس الوطني للاعلام, ورئيس مجلس ادارة (تلفزيون لبنان) مديره العام جان كلود بولس. وطرحت على الخلوة النقاط الخمس الاساسية التالية: 1- التعديلات على قانون البث الاذاعي والتلفزيوني رقم 382/94 ودفاتر الشروط النموذجية وملف الاعلام الديني. 2- قانون البث المرمز, وقانون البث الفضائى والرسوم المحددة للصعود الى الفضاء وانتشار توزيع البرامج الفضائية بواسطة الكوابل. 3- التعديلات على الرسوم المالية التي يتوجب على المحطات المرخص لها دفعها بدل ايجار سنوي ( لقناة او تردد) والترخيص. 4- قانون الاعلان, ووضع السوق الاعلامية المحلية, فضلا عن سبل منح احتكار هذه السوق. 5- المجلس الوطني للاعلام وهيئة تنظيم البث الاذاعي والتلفزيوني والدور المراد لهما, فضلا عن انشاء جسم نقابي للاعلام المرئي والمسموع. فمن تلك الاطر الخمسة انعقدت الخلوة, التي يمكن القول ان اهم ما انجزته انها اعادت بناء, او ترميم, جسر الثقة بين القطاع الاعلامي ( المرئي والمسموع) الخاص, وبين الحكومة, وهو الذي كان قد تصدع تحت ضغوط الالتباسات التي رافقت اكثر من سوء تفاهم ولاسيما مشروع التعديلات المقترح من الوزير الخليل لاعادة النظر في قانون المرئي والمسموع. وبعد نقاش مستفيض ومتشعب خلصت (الخلوة) الى تشكيل ثلاث لجان عمل, تتولى وضع تصوراتها حول التعديلات المفترضة على قانون الاعلام, المجلس الوطني, دفاتر الشروط, الاعلام الديني, الفضائى, المرمز, الرسوم والاعلان .. وغير ذلك من الموضوعات التي مازالت عالقة في ذلك الاطار. ومن المفترض ان تنجز اللجان مهامها اواخر الاسبوع المقبل على ان تقدم تقاريرها الى وزير الاعلام الذي سيعرض خلاصاتها على اللجنة الوزارية المكلفة متابعة الشأن الاعلامي على ان يتم طرح الامر فيما بعد على مجلس الوزراء الذي يحيل مشروع قانون متكامل بما يقترحه الى مجلس النواب البرلمان, لدراسته ومناقشته واقراره لقانون جديد ينظم القطاع الاعلامي الخاص في لبنان على ان يتم تحويل مشروع القانون الى المجلس قبل نهاية الشهر الجاري كما يؤكد وزير الاعلام. وقد توافق (المختلفون) على مسألتين اساسيتين: اولهما: ضرورة تحديد مفهوم التعاطي في القطاع الاعلامي, وهل انه يجب ان ينال رعاية الدولة, بما يجعلها تحصل على واردات من نموه, فيكون ذا منفعة عامة: المسألة الثانية: ضرورة ملء الفراغ القانوني الناتج عن استمرار غياب المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع, وهذا يستدعي الاستعجال في التعديل المتعلق بتحديد دور المجلس وآليات تشكيله, واذا تأخر ذلك فلابد من تعيينه بناء على النص الحالي, لان ذلك يبقى افضل من حالة الفراغ السائدة. بيروت - وليد زهر الدين