كان سقوط النساء مدويا في الانتخابات القطرية لان حضورهن في ذات الانتخابات كان مدويا ايضا فقط هي الدولة الخليجية الاولى التي سنت قانونا انتخابيا يسمح للمرأة بالترشح وبالترشيح, وهو الشىء الذي اعطى مذاقا خاصا للانتخابات البلدية القطرية ولفت اليها انظار المراقبين من الشرق والغرب . لكن نتائج أول انتخابات بلدية قطرية خيبت بعض الظنون وخصوصا اولئك الذين كانوا يتوقعون فوز سيدة من السيدات المترشحات الست مما ادى ببعض البرلمانيات العرب اللاتي حضرن الى الدوحة لمتابعة العملية الانتخابية الى التعبير عن اسفهن.. والقول بأنها (خطوة الى الوراء) او هي (خسارة لصورة المجتمع القطري الذي لفظ المرأة من صناديق الاقتراع) . وحتى على المستوى المحلي تركزت مانشتات الصحف القطرية وتعليقات الناس في الشارع على هذه المفاجأة الاولى, وحاولت بعض الصحف تحليل الاسباب التي ادت الى احتكار الرجال للمقاعد التسعة والعشرين المخصصة للمجلس البلدي.. بدون حضور اي سيدة.. رغم التكهنات التي سبقت النتيجة والتي كانت ترى في الدكتورة وضحى السويدي مرشحة وافرة الحظوظ بالنظر الى اتقان حملتها الانتخابية. وعلى ضوء الدعم السياسي القوي الذي لقيته من سيدات ينتمين الى العائلة الحاكمة حيث ادارت حملتها الانتخابية الشيخة منى بنت سحيم آل ثاني ابنة عم الامير. لكن المرشحة المدعومة نظريا.. سقطت عمليا امام شاب في منتصف العشرينات.. مما شكل صدمة حقيقية لهذه الدكتورة الجامعية التي جاءت في المرتبة الثانية بفارق ثلاثين صوتا فقط عن الفائز مما يجعلها اكثر المرشحات تقدما في المرتبة الثانية وفي الاصوات. ومن المهم الاشارة الى الرأي أغلب المرشحات دخلن العملية الانتخابية في قطر بدون اوهام كبيرة حيث انهن كن يعملن اكثر من غيرهن, ان المجتمع الذي مازال يتحفظ على قيادة المرأة للسيارة لا يمكن ان يقبل بسهولة ان تمثله سيدة في مجلس بلدي.. وبالتالي فإنه لا يمكنه الانصياع لهذا الامر الواقع حتى اذا كانت الرغبة السياسية تقره بقوة. وفضلا عن العامل الاجتماعي المحافظ الذي لعب دورا محددا في عدم حصول النساء على الاصوات الكافية لفوز واحدة منهن على الاقل فإن اغلب السيدات المرشحات لا يملكن بريقا اجتماعيا خاصا يمكن ان يساعدهن على جلب الاصوات, ذلك ان الناخبين والناخبات لم يسمعوا بأسماء بعضهن من قبل.. ويكاد يكون سجلهن خالية من اي نشاط اجتماعي بارز فيما عدا الدكتورة وضحى السويدي وموزة المالكي.. وهي نقطة شديدة الاهمية قد تستفيد النساء القطريات من درسها مستقبلا. ورغم سرور البعض بعدم تمكن النساء من الفوز فإن نبرة الاسف كانت بادية في عناوين بعض الصحف مثلا جريدة (الوطن) التي اختارت عنوانها الافتتاحي (لاعزاء للسيدات) محاولة شحذ لهممهن عبر عدة مقالات رأي.. ودعوتهن لعدم الاستسلام للاحباط لان للديمقراطية احكامها القاسية ايضا. إلا ان مناصري الحق السياسي للمرأة في قطر.. يجدون عزاءهم في الاقبال النسائي الكثيف على صناديق الاقتراع مما دعا بعض الدوائر الانتخابية الى تمديد حصص علمها بعد تجاوز الوقت القانوني.. ويعتقد المراقبون ان الحضور القوي للمرأة يوم الانتخابات حتى وان لم يؤد الى فوز سيدة من المرشحات فإنه يعكس وعيا واعدا بتعميق الحس المدني لدى شريحة كانت مغيبة عن الفعل السياسي في البلاد. ومن ناحية اخرى لم تتوقف مفاجآت الانتخابات القطرية عند حدود النساء بل تسللت ايضا الى صفوف الرجال حيث كان سقوط الدكتور محمد نجيب النعيمي وزير العدل السابق, مدويا حيث كان الجميع ينتظرون له فوزا اكيدا وذهب البعض الى التخمين بأنه سيكون الرئيس المقبل للمجلس البلدي خصوصا وانه كان اشرف على اعداد مشروع قانون الانتخابات ولم يخض حملة انتخابية معتقدا انها لن تضيف له شيئا.. فكان عدم فوزه صدمة له ولانصاره.. وكذلك كان الامر بالنسبة لمرشح آخر هو محمد صالح الكواري احد القلائل الذين اشتهروا بتنظيراتهم السياسية في المجتمع القطري غير المسيس لكنه سقط امام احد ابناء عمومته وهو تكنوقراطي مهندس في وزارة البلدية لا تضارع شهرته في البلاد, شهرة منافسه المنهزم. واتضح ايضا من خلال نتائج الانتخابات ان الثقل العائلي والقبلي يتحكم بشكل واضح في حسم النتائج حيث فازت قبيلة (المرة) بأربعة مقاعد في دوائر مختلفة لكن ذلك لم يمس جوهر العملية الديمقراطية التي تمت في كنف الانضباط والشفافية باجماع كل الذين تابعوها. وفي هذا الصدد تميزت السلطات القطرية التنفيذية والسياسية بابتعادها التام عن التأثير في مجريات كل المراحل الانتخابية حتى وان كان ذلك على حساب التوجهات الرسمية ومنها دعم حضور المرأة وقد عبرت صناديق الاقتراع عن التوجه الحقيقي للمجتمع القطري المحافظ رغم ان ذلك لا يصادف هوى البعض مما يؤكد سلامة الخطوة الديمقراطية القطرية الاولى شكلا وجوهرا وهو ما حرص عليه الجميع كما جرت كل المراحل الانتخابية في اجواء سليمة من الناحية الامنية. ولاشك ان العيون الآن تتجه الى الخطوة التالية التي تتمثل في اختيار مجلس نيابي منتخب خلال سنتين من الان بعد تأكيد المسؤولين في قطر عن رضاهم التام بما جرى خلال (بروفة) البلدية. الدوحة ـ فيصل البعطوط