كان حكم البراءة الذي حصل عليه الطيار الأمريكي المتسبب في مقتل 20 مواطنا أوروبيا في ايطاليا ـ حيث كان يطير على مسافة منخفضة في ايطاليا بمنطقة التلفريك السياحية واصطدمت طائرته بالأسلاك المعلقة ــ هو القشة التي قصمت ظهر بعير العلاقات الأوروبية الأمريكية وعصفت بلغة التفاهم أو التفاوض من أسفل المائدة, لتخرج معها حرب معلنة من قبل أوروبا , خاصة وان هذا القرار واكب اصدار أمريكا لقرارات عقابية على الصادرات الأوروبية الأمر الذي يدفع دول الاتحاد الأوروبي الآن باعادة النظر في مجمل العلاقات مع أمريكا, ومدى جدية المصالح المشتركة بين الجانبين وتوازن كفة المصالح والعلاقات. فبجانب تعكير حكم القضاء الأمريكي لمناخ العلاقات بين ايطاليا وحلف شمال الأطلسي, فقد فجر الحكم الغضب الأوروبي الكامن من سياسة الإدارة الأمريكية, حيث أعلن (فريدريك هامستر) المسؤول عن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان, في بروكسل بأن الإدارة الأمريكية دأبت على اهمال ردود فعل مختلف الإدارات السياسية في أوروبا وإرادة الشارع الأوروبي, واتهمها بالكيل بمكيالين في قضايا حقوق الإنسان, في حين عبر (فان بايس) وزير العدل البلجيكي على هذا الحكم بأنه مفاجأة سيئة لان يحدث ذلك في بلد ينادي بالعدل والعدالة الدولية, فكيف تكون هناك عدالة في اصدار حكم بالبراءة على رجل تسبب في مقتل عشرين شخصا, مؤكدا في أسف انه لا يوجد لديه ما يمكن أن يزيده أو يعبر به عن ألمه تجاه ما حدث. أما وزير الدفاع الايطالي (سكوجناميجليو) فقد كان أكثر المسؤولين الأوروبيين تعبيرا عما حدث بحده, حيث أعلن ان الحكومة الأمريكية لفقت مسرحية هزلية لانهاء المحاكمة بالصورة التي تريدها لتبرئة ساحة مواطنها من دماء 20 أوروبيا, أما رئيس الوزراء الايطالي (داليما) الذي عاد من زيارة أخيرة من الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأيام الماضية, طلب من الرئيس الأمريكي كلينتون اعادة المحاكمة وتجديد المسؤولية معلنا عن غضبه لحكم البراءة الصادر. لكن وزارة الدفاع الأمريكية رفضت كل النقد الأوروبي الموجه لها, وأغلقت باب التفاوض مع أوروبا مؤكدة ان المحاكمة كانت واضحة وصريحة خطوة بخطوة وان الحكم نهائيا, وأكد كلينتون شخصيا عدم قدرته في تغيير مسار الحكم أو اعادة النظر فيه, لعدم وجود صلاحيات له للتأثير على هيئة القضاء, بينما أعلن (لوكهارت) المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض في تصريحات مقتضبة بأن أسر الضحايا سوف يحصلون على تعويضات من أمريكا. أما في هولندا وألمانيا فقد بدأت التساؤلات تطرح على الساحة حول مدى توافق القيم والمعايير السياسية للإدارة الأمريكية بالنسبة لأوروبا, وبلجيكا تناولت قضية مسار الأحكام القضائية وتنفيذ الاعدام في أمريكا التي تنادي بحقوق الإنسان في العالم بالنقد. والغضب الأوروبي لم يأت فقط من تبرئة الطيار الأمريكي بقدر ما دفعته أسباب أخرى سابقة تراكمت آثارها لدى الاتحاد الأوروبي, إذ سبق للولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا ان أعدمت شقيقين أمريكيين من أصل ألماني من عائلة (لاجراند) بسبب قضية قتل, على الرغم من طلب محكمة العدل الدولية في لاهاي بصورة رسمية من الإدارة الأمريكية تأجيل الحكم, حيث لجأت ألمانيا إلى المحكمة الدولية نظرا لان المواطنين كانا لا يزالان يحملان الجنسية الألمانية لحظة القبض عليهما ومحاكمتهما, كما ان أمريكا لم تخطر السفارة الألمانية في أمريكا بوقائع الحدث والقبض على الألمانيين, واتهم (داويل جيملين) وزير العدل في حينه حكم الاعدام الأمريكي بالبربرية, وأعلنت الحكومة الألمانية ان دعواها القضائية ضد أمريكا ستظل قائمة أمام محكمة العدل الدولية وان تنفيذ الحكم في المتهمين لن يعني نهاية القضية. والأمر الثاني وهو الأهم والمحرك الحقيقي للغضب الأوروبي هو الصراع الاقتصادي حول فرض الضرائب على استيراد الموز, والذي أدى إلى تفاقم أزمة الخلافات بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين, اضافة إلى ان الأيام الأخيرة قد شهدت اجراءات أمريكية تضمنت فرض 520 مليون دولار كرسوم ضرائب سنوية على المنتجات المصدرة من 13 دولة أوروبية من الخمس عشرة دولة مستثنية في ذلك دولتين هما هولندا والدنمارك, وهو الأمر الذي أدى إلى ان واحدة من أكثر الدول الأوروبية تحالفا مع أمريكا وهي بريطانيا إلى استدعائها السفير الأمريكي مرتين خلال اسبوع لبحث الوضع المتردي للعلاقات الأوروبية الأمريكية. بروكسل ــ سعيد السبكي