تنشغل الصالونات السياسية في العاصمة الاردنية هذه الايام بعودة عبدالكريم الكباريتي رئيس الوزراء السابق الى واجهة الاحداث بتسلمه لموقع رئيس الديوان الهاشمي وكيف ستكون علاقته السياسية والشخصية مع رئيس الوزراء الحالي عبد الرؤوف الروابدة , خصوصا ان هناك ارثا كبيرا من التناقض السياسي بين الشخصيتين وهل سيؤدي هذا الارث من التناقض الى نوع من التكاملية التي ينشدها الملك الجديد, ام ان صراع الصالونات السياسية في الاردن سيواصل طريقه المعتاد منذ عقود؟! وفي هذا الصدد فإن الروابدة والكباريتي يمتلكان صفات مشتركة وقواسم واضحة في بعض الجوانب, فلكليهما شخصية قوية لا تحتمل الضغط أو التأثير, وكليهما يمتلك كاريزما قيادية وقوة غير عادية على التأثير واتخاذ القرار دون خوف من العواقب والنتائج وفي ذات الوقت تأتي الفروقات بينة وواضحة, فالروابدة مع علاقات اقل عمقا مع الجانب الفلسطيني, اما الكباريتي فهو مع علاقات عميقة ومؤثرة مع الجانب الفلسطيني, والروابدة موقفه اكثر اعتدالا تجاه العراق وسوريا في حين ان موقف الكباريتي من النظام العراقي معروف, ويعتبر اكثر الشخصيات الاردنية التي وقفت موقفا سلبيا من النظام العراقي ويضاف الى ما سبق ان لكل شخصية منهما تصورها الخاص للشؤون الداخلية ووسائل تجاوز كثير من العراقيل ولعل من اهم السمات المشتركة بينهما ان لكل واحد منهما عدد كبير من الاعداء والحساد والمنافسين والمعارضين على حد سواء. ووسط هذه الصورة يأتي السؤال معقولا في عمان عن احتمال تصادم اهم رجلين في الصف السياسي الاول وهل سيتمكنا من توفيق تناقضاتهما للعمل كفريق واحد, خلال الفترة المقبلة, ام ان هذه التناقضات مفيدة وتجعل هناك تنوعا في الرؤية وتجعل المشهد السياسي اكثر اتساعا امام القصر الملكي في العاصمة الاردنية. في هذا الصدد فإن العلاقة الشخصية بين الرجلين لم تكون يوما على ما يرام, ويرى محللون ان شخصية عبدالكريم الكباريتي رئيس الديوان الملكي الهاشمي والذي كان رئيسا للوزراء يجب ان يكون دورا مؤثرا في سياسات الحكومة, وموجهة لها بالدرجة الاولى خصوصا ان الكباريتي رئيس وزراء سابق ومطلع على اسرار السياسة الداخلية والخارجية بالاضافة الى انه في كل الاحوال لن يقبل ان يمارس دورا بروتوكوليا يتناقض مع شخصيته وخبرته ولهذا لا يبدو غريبا الرأي القائل ان الكباريتي خلال الاسابيع المقبلة سينقل الشؤون الخارجية برمتها من خانة الدور الحكومي الى مكتبه في حين ان الحكومة ستتولى التنفيذ ولا يبدو هذا محرما في الفقه السياسي الاردني, إلا ان المخاوف تنبع من احتمال التصادم مع رئيس الوزراء الجديد عبدالرؤوف الروابدة الذي يعد قديرا في جوانب عديدة وخبرته السياسية والبرلمانية والحزبية تمتد لعقود طويلة. ولعل السؤال الذي يثور هو.. هل سيتنازل رئيس الوزراء عن جزء من دور الحكومة لصالح رئيس الديوان الملكي, ام ان رئيس الديوان الملكي سيفضل العمل بهدوء طارحا وجهات نظره وتصوراته امام الملك فقط ليتبناها او ليرفضها وفي الحالتين تنعكس على اداء الحكومة. ويرى مراقبون في عمان ان كون الظروف التي يمر بها الاردن هذه الايام ظروفا حساسة كما ان حكومة الروابدة باعتبارها حكومة الملك عبدالله الاولى فإن العاملين السابقين سيلعبان درورا في منح حكومة الروابدة فرصة ذهبية بالاضافة الى كون احتمالات التصادم غير واردة بين المدرستين بسبب العاملين السابقين, يبقى واردا, خصوصا ان الكباريتي والروابدة يدركان ان جلوسهما في اهم المقاعد الامامية جاء لدفع العربة الاردنية نحو الامام, مما يجعل برأي هذه الفئة من المراقبين احتمالات التصادم تكاد تكون محرجة هذه المرة بين السياسيين الكبار. واذا كان الكباريتي والروابدة على تناقض سياسي وشخصي في بعض الجوانب فإن هناك فرصة تبدو سانحة للاستفادة من تنوع خلفيات الرجلين واسلوب تفكيرهما خصوصا ان الملك هو الفيصل وهو الذي يحكم حجم الاتفاق والاختلاف بين الرجلين وفي ذات الوقت فإن الاقرب الى المعقولية فيما يجرى في الاردن ان تمارس الحكومة دورها المؤثر بسبب شخصية رئيس الوزراء القوية في حين ان رئيس الديوان الملكي سيشكل حكومة ظل في الديوان الملكي, تكون بوصلة الملك الاساسية ضمن منظومة المؤشرات التي تحكم القرار وتؤثر عليه في الاردن ولعل المؤكد في هذا الصدد ان فرصة الكباريتي للعودة في وقت لاحق الى موقع رئيس الوزراء تبقى مرتفعة وهو لن يقبل ان يسبب ازعاجا للملك الاردني بسبب اي اختلاف مع شخص رئيس الوزراء حول اي قرار او برنامج ولكنه ـ اي الكباريتي ـ في ذات الوقت لن يكون إلا رئيسا فاعلا ومؤثرا في موقعه الحالي كرئيس للديوان الملكي. ولا يبدو منطقيا حصر المشهد السياسي الاردني فقط في اطار اهم رجلين في الصف السياسي الاول اذ ان هناك شخصيات اخرى لها تأثير كزيد الرفاعي رئيس مجلس الاعيان وعبدالهادي المجالي رئيس المجلس النيابي واذا كان معروفا لدى عوام الاردنيين ان العلاقات السياسية والشخصية بين المجالي والروابدة ايضا تعد فاترة ومتوترة لاسباب عديدة فإن المخاوف من التناقضات بين السياسيين وما يمثلونه من اتجاهات وتأثيرات وامتدادات تبدو في ذروتها ويبقى الملك عبدالله الثاني هو الفيصل الشرعي والوحيد بين السياسيين كما كان والده الملك الراحل قاسما مشتركا بين الجميع وتبقى وجهة نظر واحدة سائدة بين الاردنيين ترى ان العام الجاري هو العام الاكثر اهمية في تاريخ الاردنيين ومستقبل الاردن ولعل الاسابيع المقبلة وحدها صاحبة الجواب حول هل ستؤدي التناقضات الى تصادم بين الشخصيات؟! ام هل ستؤدي هذه التناقضات الى ثراء التجربة والنتائج خصوصا اذا اديرت التناقضات جيدا؟! عمان ـ ماهر ابوطير