تعتبر وفاة الملك حسين بن طلال الشهر الماضي مؤشرا لمرحلة جديدة من التغيير في منطقة الشرق الأوسط, وبما أن هذه الوفاة جاءت قبل نهاية القرن العشرين , فان انتقال السلطة من أحد أبرز القادة السياسيين في العقود القليلة الماضية الى ابنه عبد الله, لاتبدو بداية لجيل جديد من أصحاب القرار وصناع السياسة في المنطقة وحسب, ولكن التغيير من جيل إلى آخر قد بدأ ليستمر ايضا, ومن شأن هذا الانتقال أن يفرض الكثير من التكهنات, ولكنه في الوقت نفسه يفتح آفاقا جديدة لمزيد من التوقعات أيضاً. الأردن ليس المرشح الوحيد للانتقال من جيل إلى آخر في منطقة الشرق الأوسط, فالحكام الحاليين في سوريا والعراق ومصر والمغرب وليبيا والسلطة الفلسطينية وغيرها من الدول العربية تسلموا زمام السلطة منذ سنوات طويلة, وعدد منهم يواجه بعض المشكلات بسبب التقدم بالعمر وما يرافقه من تعقيدات صحية, أما اسرائيل فانها تمر الآن في خضم انتخابات لايمكن التكهن بنتائجها, حتى ان الدولتين الراعيتين لمؤتمر مدريد الذي أرسى القاعدة لمفاوضات السلام العربية ــ الاسرائيلية وهما روسيا والولايات المتحدة الامريكية, تقفان على أعتاب تغيير سياسي على أعلى المستويات, فالرئيس الروسي بوريس يلتسين بدأ بشكل واضح يفقد حيويته, ونشاطه ونفوذه السياسي, بينما بدأ رجال السياسة الأمريكيون العد العكسي للانتخابات عام ,2000 وانتخابات أولية ستبدأ بعد أقل من عام واحد من الآن. ومن الصعوبة بمكان تصور ما سيكون عليه الوضع في الشرق الاوسط بعد عقد من الآن اذا ما حدث انتقال مقبول ومتوازن لقيادات جديدة في جميع انحاء الوطن العربي. ولكن اذا ما اخذنا بعين الاعتبار اتساع الشريحة العربية ذات الاتصال الجيد بالاقتصاد العالمي والمطلعة على التوجهات الثقافية والسياسية العالمية من خلال المحطات الفضائية وشبكات الهاتف واجهزة الكمبيوتر والانترنت, فانه ليس من المبالغة القول ان جيلا جديدا من القادة يتمتع بحافز قوي للتحديث والتطوير, مع المحافظة على التراث الثقافي والاجتماعي والديني سيظهر على الساحة السياسية. غني عن القول ان هذا السيناريو, من وجهة النظر الامريكية على الاقل, مفرط بالتفاؤل الى حد ما, فالمراقب ليس بحاجة لان يكون خبيرا في شؤون الشرق الاوسط ليدرك ان المستقبل القريب يمكن ان يشهد اعمال عنف وعدم استقرار سياسي وتوترات اقليمية, وتعصبا اجتماعيا وركودا اقتصاديا واحباطا شعبيا. لهدف الاسباب مجتمعه, وعلى الرغم من ان قضية العراق والاتجاهات السياسية المستقبلية لايران تحتلان مكانا مرموقا في قائمة الاهتمامات السياسية الامريكية, الا ان ادارة الرئيس كلينتون ركزت جهودها على دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين للوصول بها الى نهاية مقبولة من الطرفين, الا ان وفاة الملك حسين المفاجئة, وتعرض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لضغوط لاعلان الدولة الفلسطينية قد يجعلان تنفيذ اتفاقيات اوسلو وواي بلانتيشن اكثر صعوبة, ولكن من الناحية الاخرى يمكن لهذه الحادثة ان تحرك مشاعر اكثر اعتدالا وتوازنا بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي. السياسة الخارجية الآن ليست على رأس جدول الاعمال في واشنطن فبعد ان انتهى مجلس الشيوخ من محاكمة الرئيس كلينتون فإن الكونجرس الآن اكثر حماسا وحرصا ليظهر للرأي العام الامريكي انه يحرز تقدما في قضايا السياسة المحلية مثل الخطة الوطنية لضمان دخل التقاعد والتي تعرف بالضمان الاجتماعي, وتحسين الاداء المتردي للنظام التعليمي في المدارس الامريكية. اما اهتمام الصحافة الامريكية فيصب الآن على الحملات الانتخابية القادمة بما في ذلك امكانية ترشيح السيدة الاولى هيلاري كلينتون لمقعد في مجلس الشيوخ وسعي جورج دبليو بوش حاكم ولاية تكساس, وابن الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش للفوز في انتخابات رئاسة الجمهورية. اما وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت وزملاؤها في الوزارة فمنهكون بالمفاوضات السياسية الدائرة حول اقليم كوسوفو ذي الاغلبية الالبانية في قلب يوغسلافيا التي يسيطر عليها الصرب. ومن المحتمل ان تشارك القوات الامريكية الى جانب القوات الاوروبية لحفظ السلام في المنطقة. وسيكون هذا التدخل العسكري الامريكي الثاني في يوغسلافيا السابقة, بعد قوات حفظ السلام في البوسنة, كما ان الاوضاع السياسية لم تتحسن الى حد يجعل من الممكن الاستغناء عن قوات اجنبية لحفظ السلام. ما الذي يمكن اذن ان تتوقعه في منطقة الخليج؟ يبدو ان سياسة فرض العقوبات والتفتيش عن الاسلحة والتي لا تزال تفرضها الأمم المتحدة على العراق منذ حرب الخليج عام 1991 يبدو انها انحرفت عن مسارها من دون وجهة او استراتيجية واضحة. فمنذ أن رفضت الحكومة العراقية للمرة الأولى, قبل ما يزيد عن عام تقريباً, عمليات التفتيش العشوائية والمفاجئة لمواقع الأسلحة المشتبه بها, فان منهجيه هذه السياسة وانسجامها أصبحا عرضة للتساؤلات. في شهر فبراير من العام الماضي, كانت الادارة الأمريكية على وشك أن توجه ضربة عسكرية لمعاقبة النظام العراقي لرفضه التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن العديد من الأمريكيين أيدوا في ذلك الوقت عملية تهدف الى احتواء برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية, إلا أنهم لم يفهموا ما الذي كان كلينتون يأمل بتحقيقه من خلال اللجوء الى استخدام القوة العسكرية. في ذلك الوقت, نجح الأمين العام للأمم المتحدة, كوفي عنان, بالتوصل الى حل وسط حول عمليات التفتيش مما أجهض العملية العسكرية المزمعة ضد العراق بقيادة الولايات المتحدة. وبعد أن قدم الأمريكي سكوت ريتر استقالته كمفتش ضمن فريق الأمم المتحدة في العراق في شهر أغسطس الماضي, أصبح واضحاً أن إدارة الرئيس كلينتون كانت تعمل على عدم تشجيع فريق المفتشين القيام بما أصبح يعرف بعمليات التفتيش (الاستفزازية) , لأنه انتاب تلك الادارة مخاوف من أن ما قد يتبع ذلك من أزمات يمكن أن يزيد من تضاؤل الدعم الدولي لسياسة العقوبات كما تريدها الولايات المتحدة. وعندما أحس العراق بأن الفرصة أصبحت مواتية, بادر الى وقف التعاون مع المفتشين, وحاول أن يصور نفسه على أنه الضحية, وطالب الامم المتحدة بتقييم خاص وشامل لنتائج التزامه بقرارات الأمم المتحدة وفشلت المفاوضات بين الأمم المتحدة وبغداد عندما بدا وكأن النظام العراقي يسعى الى مواجهة عسكرية مع قوات تقودها الولايات المتحدة وتمثل الأمم المتحدة. في منتصف نوفمبر الماضي, وبعد جهود دبلوماسية بذلتها واشنطن للتشاور مع حلفائها, تولد لدى المجتمع الدولي إجماع بأن القيادة العراقية لم تكن تتصرف بحسن نيه, وأن من المحتمل أن العراق لا يزال يخفي اسلحة محظورة أو بعض العناصر الاساسية التي تدخل في تصنيعها, ولكن بغداد تحدت اللجنة الخاصة للامم المتحدة, الامر الذي لم يترك من خيار سوى اللجوء للقوة العسكرية. ولكن لماذا لم يوجه الرئيس كلينتون ضربته الى العراق في شهر نوفمبر عندما كانت جميع الترتيبات جاهزة من ناحية ويحظى بدعم دولي من ناحية أخرى؟ إن الاجابة على مثل هذا السؤال تبدو أكثر صعوبة وخاصة أنه بعد شهر واحد قام كلينتون بشن سلسلة من الهجمات على العراق تحت اسم (ثعلب الصحراء) في الليلة نفسها التي كان من المقرر أن يقوم مجلس الشيوخ بالتصويت على قرار عزله: وبعيداً عن سياسة الرئيس كلينتون المثيرة للجدل, وبغض النظر عن تقويمناً لحكمة قراراته السابقة, فانه يبدو واضحاً الان أن سياسة احتواء العراق التي بدأت بعد حرب الخليج قد وصلت الى نهايتها. ولم تبق من تلك السياسة أكثر من عقوبات مهزوزة تفتقر الى المنهجية ومواجهات وتبادل لاطلاق النار بين المضادات الجوية العراقية والطائرات الأمريكية والبريطانية التي تحلق فوق (مناطق حظر الطيران) في شمال وجنوب العراق. أضف الى ذلك أن زيادة الضغوط الاقتصادية على العراق فتحت الطريق أمام الجهود العراقية لزيادة صادرات النفط بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء الذي اقرته الأمم المتحدة. وأخيراً وليس آخراً أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة ريتشارد باتلر عن تخليه عن مهام عمله في وقت لاحق من هذا العام. فالاجماع الذي كان قائماً بين الاعضاء الدائمن العضوية في مجلس الأمن في شهر نوفمبر الماضي تصدع وتفكك, وأصبح من واجب الولايات المتحدة وحلفائها العمل على وضع سياسة عملية للتعامل مع هذه المشكلة وحشد التأييد المطلق لها.