انقسمت حكومة الدكتور سليم الحص الى تيارين تجاه معالجة تأخر صدور الموازنة اللبنانية الجديدة للعام الحالي, وسط ردود فعل متباينة يساورها القلق بشأن اضرار تأخر الموازنة على حركة الاقتصاد الوطني . ويستند المستثمرون والاقتصاديون في مخاوفهم الى ان تأخر الموازنة يضر مباشرة بالاقتصاد حيث المشاريع تترقب ظهور الارقام الجديدة, والمستثمرون متلهفون لمعرفة السياسة العامة للعهد الجديد, لاتخاذ قراراتهم بمواصلة الاستثمار او التوقف وفق ما تقتضيه مصالحهم. القاعدة الاثني عشرية ــ ماذا يعني تأجيل انجاز مشروع الموازنة؟ يقول الخبراء انه يعني ان موازنة العام الجاري اذا وضع مشروعها اواخر الشهر الجاري فإنها لن تقر من قبل المجلس النيابي, قبل اواخر مايو او بداية يونيو المقبلين, هذا اذا سلمنا (يقول الخبراء) ان لجنة المال والموازنة النيابية سوف تبذل جهدها لدراسة بنودها واقرارها في وقت قصير, حتى لو اجتمعت مرتين او ثلاث مرات اسبوعياً. لكن الفترة التي تتطلبها لجنة المال لانهاء دراسة الموازنة واقرارها لا تقل عن فترة تتراوح بين شهر واربعين يوماً. اذن, يضيف هؤلاء, في مارس, وبحسب الوعود الجديدة, فإن الموازنة ستبقى في عهدة مجلس الوزراء, وفي ابريل تدرسها اللجان النيابية, وفي مايو او بداية يونيو تناقشها الهيئة العامة للمجلس النيابي. والى ذلك الحين تتم المصاريف العامة وفقاً للقاعدة الاثني عشرية, وعلى اسس شهرية لا تتعدى ميزانية الاشهر نفسها من العام الفائت. تيار الحص يواجه الازمة ووسط هذا التأجيل يبرز تناقض وزاري ــ وزاري, وتياران غير منسجمين في رؤيتهما الاقتصادية ــ المالية: التيار الاول يقوده رئيس الحكومة سليم الحص, ووزير الاقتصاد ناصر السعيدي, ويقول بالاستمرار في سياسة الحكومة السابقة بنسبة 60 بالمئة, مع تقشف في المصاريف الى الحد الاقصى, اما التيار الثاني فيقوده وزير المال الدكتور جورج قرم الذي يطرح افكاراً يعتبر انها غير كلاسيكية حسب تعبيره. تجدر الاشارة الى ان رئيس الجمهورية اميل لحود كان قد اعلن قبل حوالي اسبوع ان على اللبنانيين ان ينتظروا (ولادة ميزانية جديدة غير كلاسيكية) , من دون اي توضيح حول ما اذا كان كلامه يصب في خانة دعم تيار الوزير قرم المالي ام انه يدخل في اطار العموميات المرتجاة من قبل الحكم الجديد والمواطنين. لغز الخطة الخمسية وترد الاوساط المطلعة اسباب تأخير الموازنة الى سعي الحكومة لارفاقها خطة خمسية تحدد في ظلالها سياساتها الاقتصادية المالية, وتلحظ موضوع الدين العام, وتباطؤ النمو الاقتصادي, وتخفيض الفوائد الى جانب متابعة ملف الاصلاح الاداري, وتنفيذ بعض المشاريع التي باشرت بها الحكومة السابقة, وتنشيط القطاعين الصناعي والزراعي, وتوسيع قاعدة المكلفين عن طريق اعادة النظر في النظام الضريبي, مع تحسين الجباية. ووفق توقعات المصادر فإن الخطة تتضمن حسماً لوضع بعض الشركات التي لها علاقة بالدولة, ومنها شركة طيران الشرق الاوسط (الميدل ايست) وشركة (انترا) . خطة قرم الاصلاحية ويقول المطلعون ان تلك الخطة ترتكز بشكل خاص الى دراسة سبق ان اعدها وزير المال جورج قرم في اكتوبر الماضي (لم يكن وزيراً آنذاك) بالتعاون مع اثنين من ابرز خبراء الاقتصاد في لبنان هما: مكرم صادر وشربل نحاس, وتتضمن الاقتراحات حلولاً يمكن اتباعها بهدف معالجة التأزم الحاصل على الاصعدة الاقتصادية والنقدية المختلفة في البلاد. وعندما اصبح الدكتور قرم وزيراً للمال طلب من صادر ونحاس تطوير تلك الدراسة ليتم اعتمادها في تحديد السياسة المالية العامة وبالفعل انجزها الخبيران قبل حوالي ثلاثة اسابيع وهي تقع في 120 صفحة وجرى تسليم نسخة منها الى رئيس الجمهورية اميل لحود الذي (حسب مصادر الوزير قرم) ابدى اعجابه بمضمونها وطلب مناقشتها مع الرئيس سليم الحص ولوحظ ان الرئيس لحود بدأ يتحدث منذ ذلك الحين عن اقتراب انجاز ميزانية جديدة يصفها بأنها :(غير كلاسيكية) . وتوضح المصادر ان ابرز ما تتضمنه الدراسة هو تحديد مكامن الاختلالات في السياسات المالية والاقتصادية المتعلقة بوضع خزينة الدولة وواقعها, وبالتالي اقتراح خطة خمسية لمعالجة ذلك تنتهي في العام 2004 وتؤدي الى انهاء العجز تدريجياً وخفض نسبة الدين العام قياساً بحجم الدخل القومي. قنوات خفض العجز وتكشف الجهات نفسها ان ذلك لن يتحقق الا عبر خلق مناخات اقتصادية جديدة تؤدي الى خفض نسبة الدين وتعزيز الدخل القومي عبر قنوات عدة ابرزها: 1ــ تعزيز الواردات. 2ــ وقف الهدر وترشيد الانفاق. 3- استيفاء رسوم سنوية عن منشآت الاملاك البحرية. 4- استحداث ضرائب جديدة منها على فوائد سندات الخزينة, وعلى فوائد الودائع المصرفية وسوى ذلك من ضرائب لن تطال اصحاب الدخل المحدود, حتى الذين لاتتجاوز مداخيلهم الفردية عشرة ملايين ليرة لبنانية سنويا فانه سيتم اعفاؤهم من ضريبة الدخل. نظام ضريبي جديد وتؤكد مراجع وزارية ان اي نظام ضريبي جديد سيأخذ بعين الاعتبار عدم اثارة مخاوف المستثمرين, كان ذلك في القطاعات الخدماتية, او سواها من القطاعات, علما ان ثمة اجماعا على ضرورة تحقيق اصلاح ضرائبي شامل لا جزئي. وتضيف المراجع نفسها ان التوجهات الاقتصادية المترقبة سوف تعتمد اتجاها مختلفا عن السياسة الاعمارية التي سادت خلال الاعوام الماضية, بحيث يتم التركيز على الصناعات التي يمكن ان تولد قيما مضافة من خلال تشريعات تشجع على نشوء صناعات تعتمد التكنولوجيا العالية كما يتم التركيز في الوقت نفسه على القطاع الزراعي, وتحديدا التصنيع الزراعي. تضارب وجهات النظر لكن احد المقربين من الرئيس الحص والوزير قرم يؤكد ان ثمة تضاربا في وجهات نظر الاثنين حيال السياسة الضريبية المقترحة. ويقول المقرب ان تحديث النظام الضريبي هو بيت القصيد في الموازنة الجديدة اذ انه, فضلا عن تفعيل الجباية وتوسيع قاعدة المكلفين يفرض رسوما او ضرائب جديدة في وقت يواجه الشعب فيه حالة ركود اقتصادي وتذمر اجتماعي. وينقسم المسؤولون في ارائهم حول الضرائب والرسوم التي يمكن فرضها وتلك التي لايجوز حتى التفكير باعتمادها. فمنهم من يريد زيادة سعر صفيحة البنزين, وزيادة ضريبة الدخل, لكن اخرين يرفضون الاقتراض تخوفا من تفاقم النقمة الشعبية في وجه عهد يأمل المواطنون ان يريحهم لا ان يثقل كاهلهم ماليا, او تجنبا لاحداث اية (خلخلة) في التشريع وعدم الحفاظ على ثباته لجهة ما يتعلق بضرائب الدخل. تجدر الاشارة الى ان الوزير قرم كان قد اعلن ان البلاد كانت تعيش على المديونية ومن دون سقف وكانت هناك مقارنات خاطئة مع بلدان اخرى لديها مديونيات ولكن لديها موارد خلافا لما هو الواقع في لبنان. واشار الى خطة على خمس او سبع سنين لخفض نسبة العجز والقضاء على التبذير لأن الكلفة التي كانت موضوعة للمشاريع الانشائية عالية, وخفض تدريجي ايضا في مستوى الفوائد للتوصل الى خفض اعباء الدين العام, اذ ان ارتفاع الفوائد ناتج عن تنافس المصارف الكبيرة على استقطاب الودائع وهو امر غير صحي, لا اقتصاديا ولا مصرفيا. وتختلف نظرة الرئيس الحص عن رأي الوزير قرم بالنسبة الى تعديل قانون ضريبة الدخل, اذ يؤكد ان لا تعديل فيها كي يطمئن المستثمرون او لانه يدرك مقدار الاضرار التي تلحق بحركة الاستثمار جراء عدم الاستقرار الضريبي. وفيما يرى الحص انه من الصعب الابتكار في الموازنة الجديدة بسبب ضيق الوقت, ويرجح ان تكون تقليدية وكلاسيكية فان الوزير قرم يرى انها لن تكون كذلك. ويقول الحص من جهة اخرى ان مشكلة الاستثمار هي في الفرص, وليس في المناخ, ولا شك ان الانفاق الاعماري ولد بعض الفرص التي ستقل حتما اذا ما تقلص الانفاق وهو يعول كثيرا على الاستثمارات في القطاعات الخاصة المختلفة نظرا الى اهميتها في عملية النهوض الاقتصادي, وفي خلق فرص العمل, وهناك مجالات للاستثمار ولكن ثمة عقبات اقتصادية مثل ضرورة تحسين الاداء في الادارة العامة, وتفعيل دور المحاكم, اضافة الى ان لبنان فقد مزاياه التفاضلية في العديد من الصناعات. بيروت ــ البيان