رغم ان القضية الكردية ليست وليدة اليوم ولكن جذورها تمتد الى سنوات طويلة ماضية, فإنها دخلت خلال الأيام القليلة الماضية الى بؤر الاهتمام الدولي, واصبحت موضع اهتمام وملاحقة وسائل الاعلام العالمية , عندما تم تنفيذ عملية اختطاف الزعيم الكردي عبدالله اوجلان الشهر الماضي من امام السفارة اليونانية في نيروبي, والتي أدت الى حدوث ثورة عارمة وغاضبة بين الاكراد في العالم سواء اكراد الداخل او الخارج حيث يتمركز نحو اربعة ملايين كردي في مختلف البلدان الاوروبية, والذين قاموا بالكثير من المسيرات الشعبية والتظاهرات وأعمال العنف واقتحموا السفارات اليونانية والتركية والاسرائيلية لدرجة ان بعضهم اقدم على اشعال النار في نفسه احتجاجاً على عملية الاعتقال والاختطاف وخاصة ان ملابساتها جعلت جموع الشعوب الكردية يشعرون بالصدمة من سياسة التآمر الدولي التي تعرض لها زعيمهم (عبدالله اوجلان) كما كان من نتائج هذه العملية ايضا انها جعلت الرأي العام العالمي, والذي اصبح يولي اهتماماً غير مسبوق بالقضية الكردية, حتى ان اخبار الانتفاضة الكردية باتت تحتل صدارة نشرات الاخبار وافتتاحيات معظم الصحف في الكثير من بلدان العالم, لدرجة ان هناك من يرى ان تركيا تشعر انها وضعت في مأزق لا تستطيع الخروج منه عندما اقدمت على اختطاف اوجلان.. وهذه الاحداث الدراماتيكية الاخيرة دفعت بالكثير من التساؤلات امام المراقبين وحلقات البحث والنقاش حول الحلول الواقعية الممكنة لحل قضية الاكراد ووفقاً لظروف وامكانيات كل دولة يوجد بها اكراد, وخاصة ان اعتقال اوجلان اشعل الانتفاضة وحرك القضية ولم يخمدها, وحول سياسة ازدواج المعايير التي تنتهجها الولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الدولي في التعامل مع الملف الكردي, ومدى تأثير تفاعلات القضية على الدول العربية. سياسة الاذرع الطويلة الدكتور محمد السيد سعيد الخبير الاستراتيجي بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام يرى ان تركيا في طريقها الان لان تحقق انتصارا عسكرياً وان تسحق التمرد العسكري الكردي وليس فقط مجرد اعتقال (اوجلان) فهي تستخدم سياسة الاذرع الطويلة في ملاحقة افراد حزب العمال الكردستاني خارج الحدود التركية وخاصة داخل الحدود العراقية, وقد ادت هذه السياسة التي تقوم على الهجوم المستمر وبالاسلحة الثقيلة على قواعد حزب العمال الكردستاني, الى اضعاف الحزب ولكن في الوقت نفسه ساعدت على تقوية المشاعر القومية بين الاكراد سواء في داخل تركيا او خارجها في الدول الاوروبية فالاكراد في الخارج يرون ان القضية الكردية هي قضيتهم يؤمنون بها ومستعدون لبذل المستحيل من أجلها, والملاحظ انه كلما زاد العنف التركي تجاه حزب العمال الكردستاني زاد التعاطف من جانب اكراد الخارج, وزادت مطالب الشعب الكردي بصفة عامة, وهي مطالب كانت في البداية من أبسط ما يكون وتتركز في الحصول على بعض الحقوق المدنية مثل التعليم والتحدث باللغة القومية لهم.. وقد تفهم بعض الساسة الاتراك هذه المطالب في بعض الاوقات وكان اخرهم (تورجوت اوزال) والذي بوفاته سيطرت المؤسسة العسكرية على الحكم في تركيا, وهذه المؤسسة ماضية في انكارها لابسط الحقوق المتعارف عليها عالمياً, فهي تنكر اصلاً وجود اقلية كردية في تركيا, وتؤمن بسياسة الاستيعاب التام للاكراد.. ونتيجة لهذه السياسات المتعجرفة من جانب الحكومة التركية, والعنف الواضح الذي تمارسه المؤسسة العسكرية التركية, فهناك من يرى ان هذا يمثل خطورة كبيرة على مستقبل تركيا ووجودها, بل ويطيح بأية آمال كانت تراود ساستها في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي الذي لن يرحب غالباً بوجود مثل هذه الدولة ضمن أعضائه, وفي هذه الحالة لن تجد تركيا لها سبيلاً الا ان تبقى في إطار الاحتواء الامريكي والتي يرى كثيرون ان هذا ما ترغب فيه المؤسسة العسكرية هناك. بعض التعاطف وعن تأثير التفاعلات الاخيرة للقضية الكردية على الدول العربية يوضح الدكتور محمد السيد سعيد ان الدول العربية لم تكن في يوم من الايام متعاطفة مع القضية الكردية, فليس هناك الا الجماهيرية الليبية ابدت بعض التعاطف مع القضية الكردية, وأحيانا الجزائر اما ما عدا ذلك من الاقطار العربية فلم تشغلهم كثيراً تفاعلات القضية الكردية, بل واداروا ظهورهم لها خوفاً من أية تحفظات عراقية على ما قد يقدمون عليه من خطوات تجاهها.. ولكن مع ذلك فمن المؤكد ان التطورات الاخيرة للقضية الكردية سوف تلقى بظلالها على شمال العراق, فالمعروف ان اي هزيمة للحركة الثورية الكردية في تركيا, تؤثر بالضرورة على معنويات الحركة في شمال العراق, خصوصاً ان هناك بعض الامثلة التاريخية لقمع التمرد الكردي في احد المناطق وتأثر المناطق الاخرى بذلك, مثلما حدث في عام 75 عندما تفاهمت كل من ايران والعراق ووقعتا اتفاق بينهما في الجزائر كان من نتائجه ان تم قمع التمرد الكردي في الشمال العراقي.. ومن هنا لابد ان نشير الى ان التواطؤ الامريكي فيما يتعلق بالمسألة الكردية في تركيا ستكون له انعكاساته على اكراد العراق, وخاصة في ظل سياسة ازدواج المعايير التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع قضايا المنطقة ومنها القضية الكردية.. واوضح الدكتور محمد السيد سعيد انه من أشد المؤيدين للتعامل مع الاقليات القومية على اساس الالتزامات التي على عاتق الدول سواء الدول العربية او غير العربية, تجاه هذه الاقليات والمتفق عليها في العلوم السياسية والقانون الدولي, والمبادرة بمنح هذه الاقليات حق الاستقلال والحكم الذاتي في اطار دولة كونفدرالية, فهذا فقط هو الحل السليم لمثل هذه القضايا والتي اذا لم تتم مواجهتها بهذه الصورة فمن الممكن ان تكون تداعياتها خطيرة جداً على الجميع. من دولة لاخرى اما رجائي فايد الباحث بالشؤون الكردية وعضو اللجنة الدائمة للحوار العربي الكردي فيعتقد ان الحلول المستقبلية والمتاحة للقضية الكردية تختلف من دولة الى اخرى بالنسبة للدول التي توجد بها اقليات كردية, فمثلا في العراق يطالب الاكراد بوجود كونفدرالية تجمعهم بالحكومة المركزية في بغداد, في حين تعرض عليهم بغداد الحكم الذاتي بموجب قانون سنة 1974 بعد اضافة بعض التحسينات عليه.. والملاحظ ان المسافة بين ما تطلبه الاقلية الكردية في العراق وما تعرضه الحكومة المركزية ليست بعيدة ومن الممكن ان يصل الطرفان الى اتفاق اذا تحقق شرطين مهمين بالنسبة للاقلية الكردية وفي اطار الحكم الذاتي وهما ان يكون تعيين وعزل القيادات الكردية بموجب قرارات تصدر عن البرلمان الكردي, وان يكون الامن الداخلي في يد السلطة المحلية الكردية, اذا تحقق هذان الشرطان فان الاقلية الكردية في شمال العراق سترحب بالحكم الذاتي الذي تقترحه حكومة العراق وخاصة ان اكراد العراق متمسكون بوحدة الاراضي العراقية وليست لديهم نزعات انفصالية ويجدون ان كل القضايا المعلقة بينهم وبين الحكومة المركزية في العراق قابلة للحل في اطار التفاوض.. اما فيما يتعلق بالحركة الكردية في ايران فهي ضعيفة للغاية حاليا, وكانت قد تعرضت في السابق لضربات موجعة عندما تم اغتيال بعض زعمائها ومنهم عبدالرحمن قاسملوه زعيم الحزب الديمقراطي الكردي الايراني سنة 92, وبعض القيادات الكردية الاخرى, مما أدى الى ضعف الحركة الكردية وجعل امامها وقتا طويلا لكي تلملم قواها, وعموما فليس امام الحركة الكردية الايرانية الا ان تنتظر حدوث انفراجة في ايران والتي نعتقد انه حدث بعضاً منها في ظل قيادة الرئيس خاتمي.. ففي هذه الحالة فقط يمكن للحركة الكردية ان تحصل على بعض الحقوق الثقافية في المستقبل. اكراد تركيا ليسوا أقلية ويكمل رجائي فايد اما بالنسبة للحركة الكردية في تركيا فالاشكالية الكبرى هناك هي ان تركيا لا تعترف اساسا بوجود اية اقليات على اراضيها.. ويشير الى انه من الخطأ البالغ ان نطلق على اكراد تركيا لفظ اقلية لانهم يشكلون ما يقرب من ثلث سكان تركيا ويقدرون بنحو 20 مليون نسمة, في حين ان الثلثين الاخرين ليسوا عرقا واحدا ففيهم الارمن والعرب والشركس, وبعض الاعراق الاخرى, كما ان تواجدهم داخل هذه الاراضي اقدم من تواجد الاتراك, فالتاريخ يؤكد انهم موجودون فيها منذ 2000 عامٍ قبل الميلاد في حين يبدأ تواجد الاتراك في عهد محمد الفاتح قبل ما يقرب من 700 عامٍ فقط, ايضا يعيش الاكراد في هذه المنطقة لا ينازعهم احد ومتمسكون بهويتهم, فاذا كانت تركيا تتجه غربا ناحية الاتحاد الاوروبي, فالاكراد لا يحبذون ذلك ويتمسكون بجذورهم الشرقية.. وهذه النوعية من البشر لا تنفع معها سياسة القمع او النفي او اي سلوك اخر عنيف, الذي ينفع معهم فقط هو اسلوب التفاهم والاعتراف بالحقوق الثقافية ومن خلال الحوار الحضاري.. وان يتم السماح لهم بممارسة هذه الحقوق في اطار الدولة الواحدة, مع ملاحظة ان حلم دولة كردستان الكبرى لم يعد موجوداً على الاطلاق في الفكر الكردي او في ذهن اية قيادة كردية, او اي حزب كردي, لانهم يدركون جيدا انه لا سبيل الى ذلك على الاطلاق, فكل مجموعة كردية ترى ان لها خصوصية في مشاكلها تختلف عن مشاكل المجموعة الاخرى, وانه على كل مجموعة ان تحل مشاكلها مع الدولة التي هي في اطارها. واوضح رجائي فايد انه اذا لم تغير تركيا من نظراتها تجاه الاقلية الكردية, واذا لم تتعامل معها في اطار مواثيق حقوق الانسان, وما أكدت عليه الامم المتحدة, ومنظمات حقوق الانسان, بان تعطى للاكراد حقوقهم الثقافية في اطار دولة تركيا, فان اكراد تركيا من الممكن ان يحصلوا على المدى البعيد على مكاسب افضل من تلك التي حققها اكراد العراق, فمن الممكن ان يحققوا الانفصال عن الدولة التركية.. لا ينبغي ان تظل تركيا تتعامل مع القضية الكردية بعقلية القرون الوسطى, كما لا ينبغي لها الا تبتهج كثيرا بموضوع اختطاف اوجلان, لان كل الدلائل تشير الى ان هذه العملية قد افادت القضية الكردية اكثر مما اضرتها, وحققت لها زخماً اعلامياً غير عادي. تاريخاً مشتركاً وحول تأثيرات تفاعلات القضية الكردية على الدول العربية يرى رجائي فايد انها ستكون ناتجة عن الكيفية التي سيتعامل بها العرب مع القضية, مع العلم بان الاكراد سواء في تركيا او ايران يرون ان الاقرب اليهم في المنطقة هم العرب, ورغم كل ما حدث لهم في العراق من أحداث في السنوات الاخيرة, لانهم يشعرون ان هناك تاريخاً مشتركاً يجمعهم بالعرب, فقد كانوا على الدوام محتلين من قبل قوى اجنبية, وكانوا متعاونين على مقاومة هذا الاحتلال, وبالنسبة لتركيا على وجه الخصوص فقد عانى الاكراد هناك من التوجه العلماني للدولة التركية في عهد اتاتورك, ولذلك فقد وجدوا ان العرب هم الافضل بالنسبة لهويتهم الثقافية والاسلامية.. المفروض ان نتعامل مع الاكراد بشكل اكثر انسانية على اساس انهم اصحاب حقوق يجب ان يحصلوا على الحد الادنى منها, هذا الحد الذي يتيح لهم تحقيق طموحاتهم القومية وامالهم.. ومن حسن الحظ ان المجموعة الكردية التي تتعايش مع العرب هي افضل المجموعات التي حصلت على الكثير من حقوقها, فاكراد العراق لهم حقوق كثيرة مثل الحكم الذاتي ومدارسهم الخاصة, وهذا شيء يحسب للعرب, اما داخل سوريا فلا يكاد المرء يشعر بوجود اقلية كردية لانهم ذابوا في المجتمع العربي السوري.. ولكن مع ذلك يجب ان تعي النخبة العربية المثقفة القضية الكردية جيداً, لتأثيرها الفادح على الامن القومي العربي في الماضي والحاضر والمستقبل, اذا هي تركت بلا حل منطقي وعقلاني وعادل.. وهناك امثلة على ذلك فحلف بغداد كان من احد اسباب قيامه مواجهة الحركة الكردية, واتفاقية الامن المتبادل بين العراق وتركيا كانت لملاحقة الاكراد على حدود الجانبين. وعن ازدواجية المعايير في التعاطي الامريكي مع القضية الكردية يضيف رجائي فايد, نحن نعيش الان في مجتمع مصالح لامكان فيه للمثل والاخلاق وبكل اسف امريكا تتعامل مع القضية الكردية من منطلق رد الفعل تجاه الحكومة المركزية التابع لها الاكراد, فمثلاً هي تتعاون مع أكراد العراق نكاية في صدام حسين, وتتخذ موقفاً عدائياً من اكراد تركيا تودداً للعلاقة الخاصة التي تربطها بتركيا. تحقيق: صالح الفتياني