شتات الأكراد في الاتجاهات الاربعة: كردستان(قربان على مذبح)الدولة القومية: بقلم- انور عثمان

بعد اعتقال الزعيم الكردي عبدالله اوجلان وتركيز وسائل الاعلام على القضية الكردية اصبحت الاطلالة التاريخية على الشعب الكردي وقضيته ضرورة للاجابة على اسئلة بسيطة لدى الرأي العام العربي والذي يفتقر في معظم الاحوال رغم الجوار الجغرافي والتاريخي الى الحد الادنى من المعلومات عن القضية الكردية.. خاصة في ظل غياب وسائل اعلام كردية فعالة ويقتصر الامر على مبادرات المستشرقين والباحثين وخصوصا الاكاديميين الروس والالمان والانجليز والاكراد انفسهم. الشعب الكردي شعب منسي قلما يتذكره العالم إلا في المناسبات اما البحوث التي تصدر بمعرفة الدول التي تتقاسم كردستان فقلما كانت منصفة او مجردة بل كانت في اكثر الاحيان تهدف الى تشويه الحقيقة وخلط الامور لغاية معلومة.فكردستان وبكل بساطة في التعريف بقعة من الارض تقع في قارة آسيا شمال غربي ايران وشمال العراق وجنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا وبعض اجزاء ارمينيا وتخضع كردستان حاليا لحكومات تلك الدول. اما الكرد او الاكراد فهم امة تسكن هذه البقعة وكردستان تشكل لهم الوطن التاريخي والجغرافي.ويتكلم الاكراد لغتهم بلهجتين رئيسيتين هما الكرمانجية والسورانية وهناك لهجات اقل اهمية. كانت الامة الكردية تدين سابقا بعقيدة الزردشتية والتي كانت سائدة ايضا في بلاد فارس وبعد انتشار الديانة المسيحية آمن قسم قليل منهم بها وبعد ظهور الاسلام والغزوات والفتوحات الاسلامية اعتنق الاكراد الدين الاسلامي والآن يكاد يكون جميع الاكراد مسلمون واكثريتهم على المذهب السني وبضعة ملايين منهم على المذهب الشيعي, واختفت الديانة الزردشتية ما عدا بعض الطقوس البسيطة التي فقدت معناها الديني وبقيت كطقوس احتفالية وقومية فقط. في كردستان ثروات من المعادن كالحديد والنحاس والكبريت والفوسفات واليورانيوم والذهب وغيرها ليست مستغلة كما يوجد جبال من المرمر والرخام اما النفط فموجود في عدة اجزاء منها ديار بكر وباطمان في الشمال وكركوك وخانقين في الجنوب وقصر شيرين وخانة في الشرق وفي غيرها من الاماكن. وقد من الله على كردستان بثروة يحتاجها البشر الى يوم القيامة ألا وهي المياه العذبة سبب الحياة وسبب الزراعة والفلاحة والبستنة والمراعي في السهول الخصبة الممتدة بين جبال كردستان الشاهقة: ان الرافدين دجلة والفرات ينبعان من ارض كردستان وتغذيهما انهار وروافد تنبع ايضا من كردستان. مساحة كردستان اكثر من نصف مليون كيلومتر مربع ويبلغ عدد الاكراد في الدراسات المنصفة الحديثة 35 مليون نسمة وربما 40 مليون ويعيش حوالي نصفهم في شمال كردستان اي كردستان تركيا ومنهم عدة ملايين يعيشون خارج وطنهم في بعض المدن والبلدان مثل استانبول وبغداد ودمشق ولبنان وطهران وباكستان وارمينيا واذربيجان وكثيرون منهم مقيمون او لاجئون حاليا في بلدان اوروبية منها المانيا والسويد وهولندا وانجلترا وكذلك في امريكا. حافظ الشعب الكردي على نقائه آلاف السنين وبقى حاملا لهويته في وجه الاهوال والفتوحات والغزوات على مدى التاريخ ساعدهم في ذلك الخارطة الطبوغرافية لوطنهم المحمي بسلسلة جبال شاهقة وانهار دافقة حمتهم وفرضت عليهم نوعا من الانعزال والتقوقع كان له وجه ايجابي في حمايتهم من كثير من الهجمات والغزوات الخارجية ووجه سلبى ادى الى بعض التأخر في مضمار الحضارة الحديثة. وكان الكرد وعلى مدى قرون عديدة انشأوا امارات واتابكيات شبه مستقلة لها جيشها وعملتها وكانت تتعرض لهجوم العثمانيين من الغرب والفرس من الشرق وكذلك تتعرض لهجوم الفارين من التتار وغيرهم فكانت تصد المعتدين احيانا وتخضع لهم حينا واشهر هذه الامارات كانت امارة اردلان وامارة بابان وغيرهما وكانت كردستان موضوعا للاخذ والرد بين الاتراك العثمانيين والايرانيين الصفويين حربا او اتفاقا خلال عدة قرون. ومنذ القرن الماضي زادت تدخلات القوى العظمى كالانجليز والالمان والفرنسيين والروس في شؤون كردستان وفي شؤون ولاية بغداد والبصرة وتناغمت ذلك مع ضعف الامبراطورية العثمانية كما ان النفط بدأ يشكل هاجسا في الصراع الدولي لنا فتسابقت كل القوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة الامريكية للدخول الى ساحة الصراع وكان لتطور التكنولوجيا في المجالين المدني والعسكري اثر فعال في تسهيل تدخلات تلك القوى. ولم يكن تدخل الدول الكبرى في شؤون المنطقة سياسيا فحسب بل كان اقتصاديا وثقافيا ايضا من خلال شركة الهند الشرقية والتي كانت قد تركزت في المنطقة منذ بدايات القرن الماضي ومن خلال مختلف البعثات التبشيرية والمدارس التي اشرفت عليها تلك الدول, وكانت الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية ضد ايطاليا ثم دول البلقان عاملا اضافيا في ضعفها. وفي اواخر القرن الماضي وبدايات هذا القرن نضج الشعور القومي بين الكرد فتشكلت الجمعيات السياسية التي رفعت الشعارات القومية الكردية كما تشكلت جمعيات ثقافية وادبية وبدأت الصحف والمجلات تصدر في كردستان وخارج كردستان تعكس الشعور القومي الكردي. وكان الاتحاديون في تركيا تولوا الحكم منذ 1908 ولم يبقى للسلطان محمد الخامس سوى وجود رمزي فاقام الاتحاديون حكما تعسفيا شوفينيا ارهابيا وقاموا باعمال وحشية ضد الجماهير الكردية المتطلعة الى الحرية كما كان الحال مع العرب, إ لا ان انتفاضات الشعبين العربي والكردي كانت مستمرة في كردستان والعراق والحجاز واليمن وجبل الدروز وجرت اتصالات بين الكرد والعرب لغرض التنسيق وكان ذلك شاهدا جديدا على عمق العلاقات بين الشعبين وكان لتحرر شعوب البلقان تأثير واضح على تطلعات القوميات الاخرى كالكرد والعرب والارمن. وقد اراد العثمانيون جعل الشعب الكردي وكذلك الشعب العربي وقودا للحرب العالمية الاولى مستخدمين سلاح الدين في التحريض على التجنيد في صفوف القوات المسلحة في تعبئة عامة سميت بـ (سفربك) وكان الالمان يشجعون حليفتهم الدولة العثمانية على ذلك, إلا ان الاكراد لم يكونوا متحمسين للحرب فتملص كثير منهم وانسحبوا من صفوف القوات العثمانية ومع بداية الحرب اصبحت كردستان ساحة لها بين القوات العثمانية والقوات الروسية. وخلال سنتي 1915, 1916 توغلت القوات الروسية في كردستان ايران وكردستان العراق وتوغل الانجليز في جنوب العراق منذ بداية الحرب. وكان الحلفاء قسموا املاك الرجل المريض في اتفاقية سايكس بيكو التي ابرمت 1916 فقسموا كردستان بشماله وولاية الموصل بارجائها الكردية لتكون من مغانم فرنسا وروسيا اما جنوب ولاية الموصل وولاية بغداد وولاية البصرة فكانت من حصة الانجليز, لم تنفذ هذه الاتفاقية بسبب اندلاع الثورة البلشفية وسقوط القيصرية في روسيا وسحب قواتها من جبهة كردستان وتركيا. وقد انسلخت من الامبراطورية العثمانية الشعوب العربية والبلغارية والالبانية والارمن بموجب الصلح الذي عقد فيما بعد في باريس ولكن الاكراد لم يكن لهم نصيب في الاستقلال اثناء هذه الفترة المواتية رغم انهم مارسوا نشاطا دبلوماسيا وسياسيا مكثفا امام المؤتمر وكان يمثلهم احد ابنائهم وهو الجنرال شريف باشا الذي كان سفيرا سابقا للدولة العثمانية في السويد كما انهم نسقوا جهودهم اثناء المؤتمر مع زعيم الارمن نوبار باشا وتجاوزوا الحساسيات السابقة بين الاكراد والارمن. وفي الوطن استمرت الحركة القومية الكردية في شمال كردستان بقيادة البدر خانيني وفي جنوبه بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي واستقطبت اغلبية الاكراد. ثم جاءت معاهدة سيفر والتي عقدت فيما بعد في باريس 1920 والتي نصت في موادها 62, 63, 64 على اعطاء الاكراد الحكم الذاتي لمدة سنة ثم يكون لهم الحق في امكانية انشاء دولتهم المستقلة في اجزاء من كردستان بشروط معينة. وكان هذا اول اعتراف دولي بوجود الشعب الكردي ووطن كردي مقسم بين عدة دول وان للاكراد الحق في تقرير مصيرهم بنفسهم. إلا ان وصول مصطفى كمال اتاتورك الى سدة الحكم في تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية وكذلك المصالح الدولية والمناورات الخفية لتحقيق اكبر المصالح وخصوصا النفطية للدول المنتصرة في الحرب ادت الى عدم تنفيذ المعاهدة, ففي 1923 يتمكن مصطفى كمال في مؤتمر لوزان ان يبرم معاهدة مع الحلفاء تثبت فيها حدود دولة تركيا الحديثة وبضنمها شمال كردستان وبذلك تعتبر بنود معاهدة سيفر والتي لم تنفذ اساسا بالنسبة للاكراد منتهية من الناحية الرسمية, نتيجة لحساب المصالح الآنية والمستقبلية فقد تنازلت فرنسا عن ولاية الموصل الى جنوب كردستان الى انجلترا واما شمال كردستان فتنازلت عنها الى تركيا الجديدة اما كردستان الشرقية فبقيت لايران بعد انسحاب الروس منها. وفي هذه الاونة ايضا تشكلت الحكومة العراقية الاولى 1921 ولكن تحت الانتداب البريطاني من ولايات البصرة وبغداد وتتمكن بريطانيا من الحاق جنوب كردستان الى ولاية الموصل بهذه الدولة رغم مطالبة تركيا الكمالية بهذه الولاية ويتم تنصيب ملك هاشمي حجازي على العراق وهو فيصل بن الحسين شريف مكة. وسبق تشكيل الحكومة العراقية اجراء استفتاء يرفض معظم الاكراد فيه الانضمام الى العراق الجديد ولكي يضمن الانجليز بترول كركوك والموصل تعلن بريطانيا وهي الدولة التي تدير الانتداب مع ملك العراق في بيان رسمي يقدم الى عصبة الامم حق الاكراد في اقامة حكم ذاتي داخل حدود العراق وكان هذا من ضمن شروط انضمام ولاية الموصل الكردية الى الدولة الجديدة ولكن هذا الامر قد اهمل في المعاهدات اللاحقة بين العراق والانجليز ورضخت تركيا على مضض الى انضمام ولاية الموصل الى العراق الحديث ولم يبالى الانجليز بمعارضة الاكراد فتنتهي بذلك مشكلة ولاية الموصل التي كانت تضم معظم ارجاء كردستان الجنوب والذي ألحق بالعراق منذ عشرينات القرن. في هذا الاثناء تنامت الحركة الكردية في العراق وتبلورت الى المطالبة بانشاء دولة كردية فيقوم الشيخ محمود حفيد زادة البرزنجي والذي اتينا على ذكره سابقا وهو زعيم ديني وحفيد الولي والعلامة كاك احمد الشيخ المدفون في السليمانية وكان الشيخ محمود قائدا وطنيا تدين له بالولاء اغلبية العشائر الكردية يقوم بانتفاضة كبيرة ويعلن انشاء حكومة كردية وينصب نفسه ملكا عليها. و كانت ثورة الشيخ محمود امتدادا لثورات وانتفاضات كثيرة في مختلف ارجاء كردستان ولم تكن تلك الثورات مقتصرة على كردستان بل عمت معظم ارجاء العالم نتيجة ويلات الحرب العالمية فقد سبق وان اطاحت الثورة الاشتراكية بروسيا القيصرية وثار احرار مصر 1919 وفي سوريا كان المستعمر الفرنسي يصطدم دوما بالشعب الثائر وفي العراق كانت ثورة العشرين مثالا رائعا لنضال الشعوب لنيل الحرية وقد تجاوبت معها ثورة كردستان. وكانت انجلترا بصفتها الدولة المنتدبة على العراق ومن خلال الحكومة الجديدة والتي كانت لها تأثير كبير في تشكيلها بدأت بتأمين مصالحها النفطية والاقتصادية الاخرى في العراق لذا فإنها تراجعت وبصورة منتظمة عن كل الوعود والتصريحات السابقة المؤيدة للشعب الكردي بل انها وبعد ان ضمنت طاعة الحكومة العراقية لها وامنت على مصالحها أعلنت عن عدائها السافر ضد الشيخ محمود وارسلت جيشا لمحاربته فيتصدى الشيخ محمود على رأس جيشه الكردي بكل بسالة للمعتدين إلا ان الانجليز ينتصرون عليه في النهاية ويقع الشيخ اسيرا جريحا بيدهم فينقلونه الى بغداد ثم ينفونه الى الهند وعندئذ تنهار الحكومة المحلية للشيخ محمود. وهكذا يسيطر الانجليز وحكومة الملك فيصل الاول على مقاليد الامور وترتبط العراق بعدة معاهدات تكرس معظمها لتأمين مصالح انجلترا وتهمل مقررات عصبة الامم وشروطها لانضمام ولاية الموصل الى العراق وهي اقامة حكم ذاتي وادارة كردية واستعمال اللغة الكردية وتنتهي حماية انجلترا وانتدابها على العراق بموجب معاهدة 1930 دون ان يطبق شىء لصالح الاكراد. في الثلاثينات والاربعينات يستمر النضال السياسي للشعب الكردي في العراق ويتشكل احزاب قومية اهما الحزب الديمقراطي الكردستاني ويرأسه الزعيم الوطني مصطفى البرزاني والذي قاد الحزب والحركة الوطنية الكردية لعدة عقود من الزمن وكان قائدا ورمزا لهذه الحركة حتى اثناء مكوثه في المنفى في الاتحاد السوفييتي لاكثر من عشر سنوات كما ان اعدادا كبيرة من الاكراد انضموا الى الاحزاب الماركسية التي تشكلت في هذه الفترة على نطاق العراق أو على نطاق كردستان العراق ومنها الحزب الشيوعي العراقي الذي استقطب الكثير من المثقفين الاكراد في الاربعينات والخمسينات من هذا القرن. وفي صيف عام 1961 تبدأ حركة مسلحة بين صفوف الشعب الكردي تسارع الحكومة بارسال الجيش لاخمادها فينسحب الثوار الاكراد بقيادة مصطفى البرزاني الى الجبال ويبدأون المقاومة وضرب الجيش على شكل حرب عصابات احيانا والحرب المنظمة الحديثة احيانا أخرى تستمر هذه الحالة لسنوات متعددة رغم سقوط حكومة عبدالكريم قاسم ومقتله وتحاول عدة حكومات في عهد رئيس الجمهورية الاخوين عارف أن تتصل بالاكراد وتتفق معهم على وقف القتال لقاء منح الاكراد بعض الحقوق المحدودة إلا أن تلك الحقوق لم تكن بمستوى طموح الشعب الكردي فيستمر القتال حتى عام 1970 حيث كان حزب البعث قد تولى الحكم منذ سنتين. في هذه السنة أي عام 1970 اضطرت الحكومة البعثية وتحت ضغط نضال الشعب الكردي ان تدخل في مفاوضات جادة مع قائد الحركة مصطفى البرزاني ويتوصل الطرفان الى اتفاقية مقبولة تتضمن الاقرار ببعض الحقوق القومية والثقافية والاقتصادية للشعب الكردي وفيها الاقرار بمبدأ الحكم الذاتي ويطبق بعد 4 سنوات واشترك خمسة من مرشحي الحركة الكردية في الحكومة المركزية كوزراء وانشأت وزارة خاصة لإعمار الشمال واصبح نشاط الحزب الديمقراطي الكردستاني مرة أخرى علنيا وأسس فرعاً في بغداد. إلا أن التوتر يخيم ثانية على المنطقة بعد محاولة لاغتيال مصطفى البرزاني من قبل وفد من علماء الدين من بغداد بينهم من كانوا مكلفين بالقاء قنبلة على الزعيم الكردي في مجلسه وكان هؤلاء المنفذون متخفين ايضا في زي علماء الدين.. تتجه اصابع الاتهام الى الحكومة وينكشف دور وزير الداخلية في الموضوع ويتبنى بوضوح محاولة الحكومة للتراجع عن روح بيان إذار وعدم الوفاء بايجاد الحلول للأمور المعلقة منذ الاتفاقية والتي كان الجانب الكردي يأمل في حلها قبل موعد حلول الاجل للسنوات الاربع بسن قانون يجسد طموح الشعب الكردي وبدلا من محاولة ايجاد الحلول السياسية لاحتواء المشكلة باتفاق الطرفين لاكمال النواقص في مشروع الحكم الذاتي فقد اجرت الحكومة على تطبيق قانون يعكس وجهة نظر الحكومة فقط ونصبت مجالس تشريعية وتنفيذية من الموالين لها بدون انتخاب ولم تتحد منطقة الحكم الذاتي بصورة صحيحة ولم تلحق بها كركوك والمدن الأخرى التي كانت موضع خلاف ولم تتحدد نسبة معلومة من عوائد النفط لكردستان. وقامت الحكومة ايضا بترحيل آلاف العوائل الكردية من كركوك والقرى المحيطة بها ضمن سياسية مدروسة لتفريغها من الاكراد واسكان العرب في اماكنهم هذه, السياسية مستمرة منذ الستينات ولحد هذا اليوم لغرض مسح الهوية الكردية منها. ينسحب الوزراء الاكراد في الحكومة وتلغى وزارة شؤون الشمال وتنهار سنة 1975 اتفاقية اذار نهائيا وتبدأ المعارك من جديد فيتكبد الجيش الحكومي خسائر فادحة رغم ضخامة الحملة على كردستان والتي قدرت قوامها بأكثر من ربع مليون مع كامل الاسلحة البرية والجوية اذ يتصدى لهم خمسون الفا من الفدائيين الاكراد ويسجل الاكراد انتصارات كبيرة يسقطون الطائرات ويدمرون الدبابات والمدرعات وتكون ضحايا الجيش أكثر من ستين الفا باعتراف رئيس الجمهورية آنذاك واقراره بأن الجبهة كانت على وشك السقوط لصالح الاكراد. مرة أخرى وبدلا من ايجاد الحلول السياسية المقبولة لهذه المشكلة تحاول الحكومة العراقية التضحية بكل شىء حتى ولو كان على حساب سيادة العراق في سبيل عدم تنفيذ حكم ذاتي حقيقي للشعب الكردي, فيطلب صدام حسين من الحكومة الجزائرية ان تتوسط بينه وبين شاه ايران اثناء انعقاد مؤتمر قمة الاوبك في الجزائر عام 1975 لغرض القضاء على الثورة الكردية فيقوم وزير الخارجية الجزائري بوتفليقة والرئيس بومدين بوساطة بين الطرفين تقضي بتنازل العراق عن السيادة على شط العرب العراقي الى ايران مقابل اقفال الحدود الايرانية بوجه الاكراد وايقاف وصول المساعدات اليهم. لذا ولفقدان العمق الاستراتيجي للجبهة الكردية في هذه الحالة وصعوبة الاستمرار في جبهة خلفها مغلق ولادراكه ابعاد المؤامرة يقرر مصطفى البرزاني ايقاف القتال والانسحاب بصورة دراماتيكية. عندئذ يعلن رئيس الجمهورية العراقية انتصار الحكومة والقضاء على الحركة الكردية للأبد. وكانت حقا نكسة كبيرة للحركة القومية الكردية عانى منها الاكراد سنوات عديدة من الناحية النفسية والانسانية. ولكن الحزب الديمقراطي الكردستاني يرفع راتبه من جديد بعد عدة سنوات من انحسار قوته وتأثيرها, وكان الحزب هذه المرة بقيادة أحد أولاد الزعيم البرزاني الكبير وهو مسعود البرزاني والذي ولد ونشأ في احضان الثورة الكردية فلملم رفاق الحزب وانصاره من جديد لمواصلة النضال ولحد الآن. كما ظهر على الساحة الكردية بعد النكسة وبثقل كبير حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة مناضل آخر كان له دوره دائما في الحركة التحررية الكردية منذ خمسينات هذا القرن وهو جلال الطالباني وقد سجل هذا الحزب للشعب الكردستاني انتصارات باهرة داخليا على صعيد السياسة الدولية وكسب للأكراد تأييدا كبيرا وأصدقاء من جميع انحاء العالم. وواصل الحزبان النضال كل على طريقته وفي عام 1979 يسقط شاه ايران ويصل الامام الخميني الى الحكم في ايران بعد ثورة شعبية عارمة وتشكل أول حكومة دينية فينبهر بها المسلمون في كل مكان وخلال الحرب العراقية الإيرانية لم تتوقف حملات الحكومة ضد الشعب الكردي في كردستان العراق حتى اثناء المفاوضات بين الطرفين والتي كانت تجري احيانا وتحقق قوات البيشن ركه (الفدائيين) انتصارات مهمة في كثير من الجبهات فتقوم الحكومة والجيش بالانتقام من المدنيين الاكراد. ففي أواخر هذه الفترة حدث استشهاد مدينة بكاملها وهى حلبجة بالغاز الكيماوي على أيدي القوات الجوية الصدامية وفي أواخر الحرب وبعدها مباشرة ترسل الحكومة قواتها المعززة بالسلاح الجوي في حملات ثلاث أسمتها (بالأنفال) فقتلوا من المدنيين الالاف وهجروا الى جهات مجهولة حوالي 180 ألف مدني بمن فيهم النساء والاطفال ولم يعرف مصير هؤلاء حتى الان وكانت تلك الحملات من أكبر جرائم ابادة الجنس البشري ضد الشعب الكردي. وقد اعترف علي حسن المجيد وزير دفاع الحكومة العراقية في شريط مسجل بابادة مائة الف فقط وإباحة هدم قراهم بعد سلبها ونهبها. ومنذ أواسط عام 1991 أمر صدام حسين بسحب الجيش والمؤسسات الحكومية من شمال العراق وفرض عليه حصارا اقتصاديا وكان ذلك قراراً مفاجئاً من قيادة صدام عندئذ تولى الحزبان الكرديان املاء الفراغ بتولي مقاليد الأمور وشكلا سلطة هيئات لاجراء انتخابات للبرلمان وتشكيل حكومة سيرت الأمور بنجاح باهر وتنفس الشعب الكردي لأول مرة نسيم الحرية وعاد مئات الألوف من المهجرين الى المجمعات القسرية الى قراهم واراضيهم وأملاكهم رغم وجود ملايين الألغام التي كان الجيش زرعها في السنوات السابقة في تلك القرى لمنع أهاليها من العودة اليها وقامت المنظمات الانسانية في العالم بمساعدة هؤلاء لاعادة بناء القرى المهدمة وتقديم المواد الانشائية وكذلك المواد الغذائية والمواشي الحية اليهم لاستئناف الحياة الطبيعية فانتعش الاقتصاد وازدهرت المنطقة رغم وجود الحصار الاقتصادي المزدوج عليها. انجزت الحكومة الفتية والبرلمان المنتخب بدبلوماسية ناجحة انتصارات كبيرة على صعيد السياسة الدولية لصالح الاكراد والعراق عموما واكسبت للاكراد اصدقاء ومناصرين في جميع انحاء العالم الى أن دب الخلاف بعد عدة سنوات بين الحزبين قطبي البرلمان والحكومة نتيجة حسابات حزبية محلية وتأثيرات خارجية اقليمية تصطاد في الماء العكر وعندما لجأ الحزبان الى السلاح انهارت الحكومة الموحدة لكردستان العراق ثم تشكلت لكلا الحزبين سلطات في المناطق التي تسيطر عليها ليس لها تأثير كبير على الساحة الدولية مثل الحكومة السابقة وانحسرت كثير من المساعدات الغربية للاكراد. وفي ايران ما بعد الحرب العالمية الأولى واصل الاكراد مطالبهم القومية وقاموا بثورات منها ثورة اسماعيل أغا سمكو الناجحة والتي حررت أراضى واسعة شرقي كردستان واقام سمكو تنسيقا مع الشيخ محمود في كردستان العراق ولكن وصول رضا شاه الى الحكم في ايران عام 1925 ساعد على القضاء على هذه الثورة وقتل سمكو بصورة دراماتيكية وفي عام 1931 قام جعفر سلطان بثورة في منطقة هورامان الايرانية وما جاورها. وعندما قامت الحرب العالمية الثانية احتلت القوات السوفيتيية شمالي ايران وقامت انجلترا باحتلال جنوب ايران وفي هذه الاثناء يتنازل رضا شاه عن عرشه الى ابنه محمد رضا بعد ان ضعفت الحكومة الايرانية نتيجة الاحتلالين. ينشط الاكراد بقيادة الوليد الجديد الحزب الديمقراطي الكردستاني فيعلنون عام 1946 استنادا لحق الشعوب في تقرير المصير وباعتبار الاكراد يمثلون شعباً قائما بذاته يعلنون عن انشاء جمهورية كردية ضمن الكيان الايراني عاصمتها مهاباد تحت راية شخصية وطنية ودينية مرموقة وهو القاضي محمد. هذه الجمهورية تبنت برامج تنموية وادارية نشيطة واصدرت دستورا حديثاً يحمي الحقوق الاساسية واستفادت هذه الجمهورية من مساعدات سوفييتية مهمة وعقدت معاهدة صداقة مع الحكومة الاذربيجانية المجاورة وكان عمر هذه الجمهورية قصير جدا فبعد سنة من تشكيلها تتعرض لهجوم القوات الايرانية عليها فانهارت هذه الجمهورية وتم شنق القاضي محمد واعوانه. إلا أن تنظيمات الحزب عادت الى النضال السري وبدأت تستعيد نشاطها في السنوات التالية وقدمت معونات هامة للثورة الكردية في العراق والتي اندلعت عام 1961 وفي السبعينات يتولى الدكتور عبد الرحمن قاسملو خريج السوربون واعوانه من مثقفين اكراد شؤون الحزب لحين اغتياله عام 1989 في فينا في الوقت الذي كان يجري مفاوضات مع ممثلين عن الحكومة الايرانية بوساطة من الشخصية الجزائرية أحمد بن بيلا وكذلك جلال الطالباني السياسي الكردي العراقي المعروف. وتكررت مؤامرة مشابهة في برلين عندما تم اغتيال القادة الجدد للحزب في أحد مطاعم برلين حيث ان ايران الشاه وما بعده لم تعترف يوما بحقوق الاكراد القومية رغم التأييد الساحق من الشعب الكردي في ايران للثورة الاسلامية عند اندلاعها. في سوريا تشكل الجزيرة امتداداً لاقليم الجزيرة في كردستان تركيا وقد الحقت الجزيرة بسوريا عام 1921 بعد وضع شمالي بلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي تطبيقا لمعاهدة سايكس بيكو واتفاقية مؤتمر سان ريمو وفي السنوات التالية جرت تعديلات اخرى للحدود بين سوريا الحديثة وتركيا الحديثة ايضا وبموجبها الحقت سنجف الاسكندرونة بتركيا كما الحقت مقاطعات كردية أخرى بسوريا كل ذلك تطبيقا لمصالح الدول العظمى المنتصرة وليست حسب الواقع التاريخي أو الجغرافي للمنطقة أو حسب رغبات سكان هذه المناطق. الاكراد في سوريا يبلغ تعدادهم أكثر من مليون ونصف مليون نسمة وأهم مدنهم القامشلي والحسكة ودرباسية لذلك فهم ثاني مجموعة قومية في سوريا بعد العرب. هذا في الوقت الذي لاننكر فيه أن الحكومة السورية ساعدت كثيرا المعارضة العراقية وبضمنهم الاكراد في شتى المجالات الى جانب مساعدتها المادية والمعنوية للاكراد. اما في شمال كردستان أي كردستان تركيا ومنذ سقوط الدولة العثمانية وانشاء الجمهورية التركية فقد بدأت سياسة التتريك ضد الاكراد ومنعت استعمال اللغة الكردية في التخاطب والمراسلات وكان ذلك مسموحا قبل ذلك كما بدأ تهجير الاكراد من اراضيهم الى غرب تركيا في حملة كبرى لتتريك المنطقة خصوصا بعد اكتشاف النفط في اطراف ديار بكر لذلك فقد استمرت الثورات الكردية وبدأت تتبلور لصالح الاتجاه القومي بعد أن كانت تحدث احيانا كرد فعل ضد ضريبة تفرض أو امتيازات للامراء الغيت أو نتيجة منافسات عشائرية ولكن كانت تحدث أحيانا تحت شعارات قومية حرفة كثورة الشيخ عبيدالله النهري. أهم الثورات في بداية الجمهورية التركية وتولي مصطفى كمال اتاتورك لمقاليد الحكم كانت ثورة الشيخ سعيد بيران والتي حررت مناطق واسعة قبل أن تتمكن الحكومة التركية القضاء عليها واعدام الشيخ سعيد وخمسين شخصا من قيادة ثورتي عام 1925. واستمر التنكيل بالاكراد وتهجيرهم باعداد وصلت الى مئات الألوف وقمعت ثورات أخرى في ارارات ودرسيم بوحشية تصل الى حبس النساء والاطفال في كهوف واشعال النار فيها. بعد الحرب العالمية الثانية انشئت الاحزاب السياسية في عموم تركيا وتلتها الانتخابات التشريعية فأصبحت الحاجة الى الاصوات الكردية تفرض نفسها فخف بعض الشىء الضغط على الاكراد ولكن النظرية الاساسية لدى الحكومة التركية وحكومات دول الشرق الأوسط في القضاء على كافة الحركات التحررية والتقدمية كانت مستمرة بدليل دخول تركيا عام 1955 في حلف بغداد مع العراق وايران للوقف بوجه الاتحاد السوفييتي والقضاء على أية حركة تقدمية داخلية هذا الحلف جاء خلفا لمعاهدة سعد آباد المنعقده عام 1937 لنفس الغاية. انسحب العراق من حلف بغداد بعد ثورة يوليو عام 1958 فسقط الحلف ومنذ عام 1960 والعقود التالية وقعت تركيا تحت طائلة انقلابات عسكرية حكمت البلاد بالحديد والنار وبقوانين الطوارىء لذلك وبالمقابل نشطت الحركة الوطنية التركية والكردية بانشاء احزاب سياسية لمقاومة الحكم العسكري ففي الجانب الكردي نشأت عدة احزاب قومية تتراوح شعاراتها بين المطالبة بالحكم الذاتي وبين انشاء دولة كردية مستقلة. مع مرور الوقت فقد استطاع حزب العمال الكردستاني المولود فيما بعد ان يوسع ساحة نضاله ليشمل معظم انحاء كردستان بقيادة عبدالله أوجلان, لانصاره في كردستان تركيا وفي غرب تركيا والدول المجاورة كما أن اعدادا هائلة من الاكراد الذين سيقوا من قبل الحكومة التركية الى المانيا والدول الأوروبية الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية للعمل في اعادة الاعمار قد انضموا مع أجيالهم الجديدة الى هذا الحزب الذي يحظى بتأييد الحركة التقدمية التركية واليساريين ايضا داخل تركيا. كاتب كردي ـ لاهاي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات