اصبح مصير الزعيم الكردي اوجلان غامضاً ومسؤولية اختطافه متفرقه بين الدول الغربية واسرائيل, كما تفرقت من قبل اوراق القضية الكردية بين تركيا والعراق وسوريا وايران وارمينيا , ولم يعد الاكراد يعلمون ممن سيأخذون ثأرهم, والى من سيلجؤون لتحقيق حلم دولتهم, بعد ان دخلت قوى دولية جديدة في الطرف الاخر من الصراع, قوى لا تحركها الا مصالحها فقط بغض النظر عن الشرعية المستخدمة في تحقيق هذه المصالح, فاسرائيل التي ارتبطت بمعاهدة دفاع عسكري مع تركيا دخلت اللعبة ضد الاكراد دون سابق انذار وتآمرت لتقديم رأس الزعيم الكردي هدية صداقة الى حليفتها الجديدة, واليونان اخر من كان يتوقع ان تتورط لصالح تركيا بسبب الخلاف الازلي بينهما حول جزيرة قبرص, اذا بسفيرها يتورط ويساهم في القبض على اوجلان ودفعه معصوب العينين الى مصيره المجهول بتركيا, وتأتي امريكا بعباءتها لتغطي كل اطراف المؤامرة, بدءا من ايطاليا التي رفضت اقامة اوجلان على اراضيها واعتباره ارهابيا, مطلوب محاكمته, ومروراً بالمانيا وبلجيكا وهولندا الذين رفضوا قطعياً استقبال اوجلان على اراضيهم, الامر الذي دفع بطائرته الحائرة في السماء الى التوجه دون تفكير الى كينيا حيث كانت اخر لمسات للمؤامرة قد اعدت في استقباله داخل السفارة اليونانية, فما هو مصير الحلم الكردي بدولتهم بعد سقوط اوجلان وفي ظل المعطيات الاوروبية والامريكية الجديدة. للاجابة عن هذه التساؤلات كان لــ (الملف السياسي) هذا الحوار مع محمد ابو بكر رئيس منظمة الدفاع عن حقوق الاكراد في هولندا: ما هي دلالة تعاون المخابرات الامريكية والاسرائيلية لبلورة تحالف ثلاثي مع تركيا وانعكاسات ذلك السياسية؟ ما حدث من تعاون مخابراتي بين امريكا واسرائيل في عملية اختطاف اوجلان ينبئ بمرحلة جديدة من التعاون بين السي آي ايه والموساد والمخابرات التركية, فهناك تعاون ثنائي موجود وبصورة واضحة بين المخابرات الامريكية والاسرائيلية داخل فلسطين وفي اتفاق واي بلانتيشن الاخير تم تخصيص مكاتب بالاراضي المحتلة لبلورة هذا التعاون المشترك بشكل علني يختلف عن الشكل السري السابق, وهذه العلانية توضح مدى جدية التعاون وفعاليته في الهيمنة على المعلومات الأمنية في فلسطين, والجديد الان هو قبول تركيا كطرف ثالث في هذا التحالف المخابراتي, وهو امر خطير وان كان لم يستبعد بعد التحالف العسكري بين اسرائيل وتركيا المسلمة, ومصلحة امريكا في هذا الصدد واضحة, وهي دعم مصالحها مع تركيا التي تعتبرها الان عينها هي واسرائيل في الشرق الاوسط, بجانب استخدام التحرك التركي ضد الاكراد للضغط على العراق وارهابه على حساب الاكراد انفسهم, وهو ما حدث بالفعل الان, فتوغل القوات التركية في شمال العراق خلال الايام الاخيرة انما يؤكد الهدف الامريكي من دفع تركيا الى الدخول في مواجهة مع العراق, وتركيا تتذرع بضرب وتأديب الاكراد في الشمال العراقي, والعراق عليها الوقوف للدفاع عن اراضيها, وهو الهدف المطلوب الان لإكمال الكماشة الامريكية على العراق والتي لاتزال تضيق وتضيق بالضربات العسكرية المستمرة منذ نوفمبر الماضي, وامريكا تلجأ لهذا بعد ان فشلت في المرحلة الماضية في تحريك ورقة الاكراد الانفصالية في شمال العراق لتقسيم الاراضي العراقية, وما فشلت امريكا في اللعب به بالأمس تضربه اليوم, المهم هو تحقيق النتيجة التي تبتغيها اياً كان الثمن, وانعكاسات هذا التعاون الثلاثي تشكل خطرا كبيرا على امن منطقة الشرق الاوسط واستقرارها وتطيح بكل آمال في السلام حيث ستستمد اسرائيل من هذا التعاون قوة جديدة لم تكن تحلم بها في تعاون دولة اسلامية معها, فتركيا لاتزال تعيش في حلم الامبراطورية العثمانية الزائل, ولها اطماع سياسية واقتصادية في المنطقة, وما تحالفها مع اسرائيل الا نوع من الارهاب لبلدان المنطقة, ومحاولة لتثبيت مصالحها, وتركيا في هذا لا تهتم مع من تتحالف لاثبات قوتها في الشرق الاوسط. ما هو دور أوروبا في سقوط اوجلان؟ اجابة هذا السؤال قد تكون بالغة التعقيد, لانها تحتاج الى توضيح السلوك السياسي لاوروبا اولا, فوجه الاتحاد الاوروبي وواجهته السياسية الظاهرية تتحدث باستمرار عن قضايا حقوق الانسان والديمقراطية والحرية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها, واوروبا تنادي بأعلى صوتها في الساحة الدولية بهذه القضايا المثالية, فحينما يتطلب الامر رفع الستار عن الحقائق يلزم الامر توضيح التفاصيل حتى الصغير منها لأنها تكون هامة في هذه الحالات, فقد كشفت عملية اختطاف اوجلان ان السياسة الخارجية الاوروبية تعتمد على الاساليب التي تحقق مصالحها بالدرجة الاولى فقط, فقد دأبت على مر العصور في العمل باستمرار على إيجاد ضمانات دائمة لمصالحها الاستراتيجية خارج القارة الاوروبية, اما عن طريق استغلال الاحداث الدولية وتطويعها, واما بمنهج تحريك الاحداث في مناطق الصراعات تجاه مصالحها, الامر الثاني هو اسلوب دفع الصراعات العسكرية عن بعد في مناطق جغرافية بعينها ــ خاصة التي لها دراية بها ــ نحو دوائر يكون لاوروبا خطوط تماس معها, وتقوم هي بدور يتمثل في الوساطة السياسية التي تجلب لها ارباحا تجارية على المحور الاقتصادي, اضافة لسياسة التسخين البطيئة لتصل الامور لحد الغليان والانفجار, فان حدثت صدامات عسكرية يكون دورها بيع الاسلحة والذخيرة, اي انه في زمن الحرب والسلام تجد اوروبا لنفسها دائما الغنائم سابقة التجهيز, اما عن دور اوروبا في سقوط (عبدالله اوجلان) فقد تمثل في الآتي: 1 ــ ترتبط تركيا بأوروبا بعلاقة يمكن وصفها (بالعدو الحبيب) . 2 ــ ساهمت اوروبا عمليا في عملية القبض على اوجلان, فمنذ تحركه من ايطاليا واوروبا كانت تترصد تحركاته اولا بأول, ومعظم الدول الاوروبية بينها وبين اسرائيل اتفاقيات تبادل معلومات امنية وكذلك مع امريكا, فكان من الطبيعي ان تزود اجهزة المخابرات الاوروبية المختلفة اسرائيل بخطوط سير طيران (اوجلان) وبالتالي وصلت لتركيا عبر اسرائيل حيث قام جهاز الموساد بالاستفادة من المعلومات وتقديمها هدية, او قل عربون محبة لتركيا لاثبات جدوى اتفاقية التعاون المشترك بين تركيا واسرائيل. لكن ما هي المصلحة المباشرة لاوروبا بوقوع اوجلان في المصيدة التركية؟ القضية ليست هي (اوجلان) كشخص بذاته يراد تسليمه لتركيا, بقدر ما هي وسيلة صنعتها الظروف السياسية لقضية الاكراد, وتستثمرها او بالاحرى تستغلها اوروبا لابقاء حلبة الصراع قائمة في شمال العراق وتركيا, ولو عدنا بعجلة التاريخ للوراء لوجدنا ان افساح اوروبا مجالات العمل السياسي للاكراد على اراضيها, لم يكن الا لمصلحتها بالدرجة الاولى وليس من اجل قضايا حقوق الانسان او حق تقرير المصير للاكراد كما تدعي, فاوروبا تربطها علاقات استراتيجية بتركيا التي تعتبر اكثر الدول معاناة من هذه القضية, وكون تركيا عضوا في المجلس الاوروبي وحلف شمال الاطلسي, لم يثن اوروبا عن مساعدة الاكراد لتأسيس البرلمان الكردي في المنفى ومقره العاصمة البلجيكية بروكسل, تلك المدينة التي يقوم الاكراد فيها ببث القناة التلفزيونية الفضائية التي تلعب دوراً استراتيجياً في إبقاء القضية ساخنة على الساحة الدولية, كما ان هولندا شهدت منذ سنوات الاجتماعات التمهيدية لتأسيس البرلمان الكردي, وشهدت مدينة لاهاي اولى مؤتمراته الرسمية, ولا ننسى ان كل العواصم الاوروبية سمحت لحزب العمل الكردستاني بالعمل رسميا واعطت لفروعه تصريحات قانونية بوجوده شرعياً, وهذا يعتبر اعترافا رسميا من اوروبا بحركة الاكراد ومختلف فصائله التي تسعى للحصول على وطن مستقل. ولاوروبا مصلحة في التخلص من الاكراد المقيمين في اوروبا, وذلك لإفساح المجال لمواطنين وسط وشرق اوروبا, ولقد بدا هذا واضحا في السرعة التي خرجت بها تصريحات ساسة اوروبا بتشديد شروط اقامة الاكراد على الاراضي الاوروبية, واتخاذ اجراءات قانونية للحد من مساحات الحرية السياسية التي سبق وان منحتها لهم القوانين الاوروبية. الى اي مدى كشف اختطاف اوجلان تراجع اولويات قضية حقوق الانسان في اوروبا؟ كما ذكرت لك آنفاً ان اوروبا لها دور مزدوج في قضية الاكراد, فقد كان دورها غير المباشر في الايقاع بأوجلان في شبكة الاتراك, ثم ادعاءاتها المباشرة الان بالدفاع عن حقوق الانسان, فهي من ناحية سهلت عملية القبض عليه, ومن ناحية ثانية تطالب تركيا بمحاكمته محاكمة عادلة, رغم علمها المسبق بان احتمالات قيام تركيا بإعدامه عالية جدا, واوروبا التي رفضت انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي لانتهاكها حقوق الانسان, سيكون اعدام اوجلان بالنسبة لها واستمرار تركيا في ضرب الاكراد ذريعة جديدة لرفض انضمام تركيا مجدداً للاتحاد الاوروبي. وتجدر الاشارة هنا ان مسألة اوجلان وثورة الاكراد تساعد اوروبا الان في المخطط الجديد الذي تحاول تنفيذه وهو إعادة تصدير المشاكل لدول الشرق الاوسط, فاوروبا تتجه الان نحو سياسة جديدة لاشراك دول الشرق الاوسط في تحمل اعباء عمليات اللجوء لاوروبا, تتمثل في قيامها بأدوار امنية وتقديم مساعدات مالية للاقليات التي تعاني من مشاكل اقتصادية, الامر الذي يؤكد بان دول الاتحاد الاوروبي لم يعد لديها الاستعداد في تحمل تبعات احداث سياسية شرق اوسطية الاصل (حتى التي تلعب دوراً فيها) , او حدوث مشاكل تؤدي لعدم استقرار الاحوال الامنية على اراضيها. ما هي انعكاسات اشتعال ثورات الغضب الكردي في عواصم اوروبا على الموقف الاوروبي؟ الاثر هو في التعجيل بتنفيذ سياسات اوروبية كان قد تم اتخاذ قرارات بشأنها من قبل, وما كانت المظاهرات الكردية الا سببا واضحاً يضمن عدم القاء اللوم على اوروبا, او اتهامها بالتنصل من مسؤولياتها الدولية, حيث ان اعلانها بان الامن الاوروبي اصبح مهددا من طرف الجاليات الكردية والتركية من أهم الاسباب المقنعة, التي لا تحتاج الى تبريرات سياسية, وقد اعلنت معظم العواصم الاوروبية عن اجراءات جديدة هي: ــ عدم التساهل مع كل من يرتكب اعمال عنف من الاجانب سواء في المظاهرات او غيرها. ــ سرعة محاكمة من يخالف القوانين من الاجانب وتشديد الاحكام القضائية. ــ فرض اجراءات صارمة على طالبي اللجوء السياسي خاصة القادمين من الشرق الاوسط وعلى وجه التحديد من سوريا, العراق, السودان, تركيا, وسرعة ترحيل من لم يستوف الشروط. هل ينتظر ان تعيد عملية القبض على اوجلان قضية الاكراد لواجهة الاحداث من جديد وتعجل بحلم الدولة؟ ليس بشكل مباشر, حيث ان اوروبا مشغولة بقضية البلقان بصفة عامة وعلى وجه الخصوص مسألة كوسوفو, وامريكا مشغولة بتصفية الحسابات مع العراق ومؤخرا ليبيا, والعالم العربي غارق في اوضاعه الداخلية, اعتقد بان تركيا مدركة للاثار الممكن ان تترتب على اعدام اوجلان, فهي من ناحية تريد التخلص منه, ومن ناحية ثانية لا تريد ان تصنع منه بطلا ليكون عرفات اخر في الشرق الاوسط, فتركيا ستطيل فترة محاكمته بأساليبها المعروفة, حتى تبرد القضية, من الممكن ان تتخلص منه فيما بعد, اما قضية الاكراد فستبقى معلقة في الوقت الحالي لان بقاءها على هذا النحو خلال السنوات المقبلة يفيد اوروبا وامريكا, فقط من الممكن ان تحدث مفاجأة واحدة حال قدوم حكومة عراقية جديدة يكون لها مصلحة في منح الاكراد ما يشبه الحكم الذاتي في الشمال, باتفاق مسبق مع امريكا التي تضغط على تركيا ضماناً لصمتها وحماية حدودها, وذلك بإرسال قوات دولية قرب الحدود التركية عند شمال العراق في المناطق الجبلية. ويمكنني في هذه اللحظة ان اؤكد انه رغم اشتعال ثورات الاكراد الا ان الاكراد انفسهم عادوا الى نقطة الصفر بعد سقوط اوجلان, بعد كفاح امتد منذ عام 1920 عندما حصلوا على وعد عقب الحرب العالمية الثانية بالحصول على اراضيهم لتكوين وطن واحد, ثم جاء مصطفى كمال اتاتورك في تركيته الحديثة ليدفن هذا الحلم تحت طاولة تحديثه لتركيا, لترتكب بعدها تركيا والعراق عمليات ابادة جماعية للاكراد ومحاولات للتتريك والتعريق, تم خلالها الغاء اللغة الكردية كلغة رسمية للاكراد وحظر استخدامها حتى في التعاملات العامة, والقبض على اوجلان الان يطيح باعظم جزء في الكردي, فاوجلان الذي تعلم في جامعة انقرة, هو الذي قاد الكفاح المنظم للاكراد بتشكيله حزب العمال الكردستاني عام 1978 داخل تركيا, وعندما حاصرته تركيا وحاولت خنق نشاط هذا الحزب القومي لاهدافه الانفصالية عن تركيا, حول اوجلان نشاط الحزب الى كفاح مسلح عام 84, ونجح في لملمة القوميات الكردية على اختلافها (تركية, عراقية, ايرانية, سورية, ارمينية) تحت راية هذا الحزب لان الهدف كان واحدا, وهو وطن قومي لجميع الاكراد, وفي اوروبا وجد الاكراد غايتهم التي ساعدت ظروف حرب الخليج في ايجادها, فاباح القانون الاوروبي عام 91 للاكراد استخدام لغتهم وممارسة نشاطهم السياسي والسماح لهم باستخدام اللغة الكردية في وسائل الاعلام الخاصة بهم والتي سمح بها القانون الاوروبي, ونشط حزب العمال الكردستاني في دول اوروبا الغربية, وشكل خلايا متشابكة يقودها 20 قائد مثقف من اعضاء الحزب انتشروا في العواصم الاوروبية, كلهم يعملون تحت قيادة اوجلان, فقد نجح اوجلان في التأليف بين المذاهب الكردية المختلفة, وخلق نقاط التقاء وطنية, اما الان وبعد سقوطه في ايدي الاتراك, فاي مصير ينتظر الاكراد وقضيتهم. أجرى الحوار: سعيد السبكي