عندما ألقي القبض على الثائر الكردي عبدالله اوجلان, أخذت بعض الأقلام تكتب على استحياء وكأنها اشتمت رائحة اطراف المؤامرة التي تعقبت خطا ذلك الثائر حتى طوقته , وأحكمت عليه الوثاق, وزجت به في السجن. لم تكن تلك الأقلام في حاجة الى التردد, وهي تستخدم نظرية المؤامرة, ذلك ان نظرية (التآمر الدولي) هي لب تاريخ الاكراد السياسي الحديث, ومفتاح تفسير اوضاعهم المقلقة, وما من أمة تآمر عليها العالم, وتقلبت في صراع الخصوم والاضداد, العالميين منهم والاقليميين, كما جرى للاكراد حتى اصبح الاصل في شؤونهم هو البعد العالمي, وبدون التركيز على ذلك الاصل, يتعذر فهم وتفسير شؤون الاكراد. تخفيض اداء الحزب كان لابد من تخفيض مستوى اداء حزب العمال الكردستاني, ولم يكن ذلك هو مطلب تركيا فقط, بل هو مطلب عالمي عام. فليس ثمة قوة عالمية او اقليمية تتعاطف مع الاكراد عن صدق وتقبل اقامة دولة لهم. وفي الواقع فان تلك كانت قناعة تاريخية قديمة, ربما تجاوزتها بعض الظروف الى حين, ولكن سرعان ما تعود تلك القناعة لتسيطر على الأذهان. فعندما تم امضاء معاهدة (سيفر) في 1920, ظن الاكراد ان حلمهم المنشود سرعان ما سيتحقق مع تنفيذ بنود تلك المعاهدة, التي منحت للاكراد استقلالهم الذاتي, تمهيدا لمنحهم الاستقلال الكامل, ولكن سرعان ما جاءت معاهدتا (لوزان) و(سايكس بيكو) في 1923 لتعصفا بكل مقررات (سيفر) في شأن مستقبل الاكراد. وهكذا تمت بعثرة الشعب الكردي ما بين خمس دول ذات قوميات مختلفة, وبعضها من ذات التعداد السكاني الصغير, الذي لا يشكل اكثر من 25% من مجموع تعداد الاكراد, وهكذا ضنت الدول الغربية التي صكت مفهوم (الدولة القومية), على الاكراد ان تكون لهم دولة قومية حديثة تجمع شملهم. ولان تشتيت شمل الاكراد كان مطلبا عالمياً واقليمياً, فقد تم تعضيد تلك السياسة بسياسة اخرى تعمل على (شرذمة) الاكراد من الداخل, باستقطابهم الى محاور متنافرة, وهي السياسة التي لا تزال ماضية وتحقق اهدافها بنجاح حتى الان, واذا كانت تلك السياسة قد بدأت باستقطاب القبائل والعشائر, فانها مستمرة الى الان باستقطاب الاحزاب والكتل العضوية الايديولوجية. وحزب العمال الكردستاني بسياساته الشاذة بكل المقاييس, هو ابرز الامثلة على ذلك. ورث حزب العمال الكردستاني منظمة الشباب الثوري الماركسية التي كانت تعرف باسم (ديف كينج) , وهي منظمة يسارية تركية لم تكن الود للشعب الكردستاني, شأنها شأن فصائل اليسار التركي الاخرى, فنبذ عبدالله اوجلان عضويتها واستقطب عدداً من كوادرها ذات الاصول الكردية, وكون بهم النواة الاولى لحزب العمال على اسس ماركسية لينينية ستالينية في غاية التشدد والولاء للفكر الشيوعي الاصولي بكل حرفياته وحتمياته الدقيقة, واعلن انه قد كرس الحزب الجديد لهدف واحد هو محاربة (الامبريالية) التركية, لتحرير الوطن الكردي, ونص دستور الحزب على ان الماركسية اللينينية هي اساس برامج الحزب واهدافه النضالية التحريرية. العقيدة الواحدة والاستراتيجية المختلفة كان اوجلان ــ ولعله لايزال ــ على ايمان صادق بالماركسية, فهي باعتقاده عقيدة النضال الاممي التحريري ولكنه ظن ايضا انه يمكن عن طريق الولاء لموسكو ومعسكرها ان ينال دعماً استراتيجياً غير محدود يمكن ان يستخدمه لتحقيق الهدف المشترك بتدويخ تركيا وكسر شوكتها ولكن في خصوص تركيا, كانت موسكو تتعامل ببرود, فتركيا ليست مثل انجولا, ولا اثيوبيا, ولا اليمن الجنوبي, ولا افغانستان, ولا حتى كوبا, فتركيا هي الشريك الاكبر من حيث عدد الجنود في حلف الاطلسي, ثم هي قاعدة التجسس الامريكية الكبرى في المنطقة, وهي ارض المضايق الاستراتيجية, وحليف اسرائيل الاول في الشرق الاوسط, ودولة بمثل تلك الاهمية والحساسية, لا يمكن ان تتورط موسكو في زعزعة شؤونها بدون ان تدخل في نزاع خطير بسبب ذلك مع أمريكا. كان اوجلان باندفاعه الايديولوجي يختلف كثيرا عن المنطق الجديد الذي بدأ يتعامل به حينها اصحاب العقيدة الاساسيين في موسكو مع الملف التركي, والغريب ان اهمية الملف الكردستاني لم تتضح لحكام موسكو, الا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, واندفاع تركيا, بتشجيع من امريكا, لتهيمن على الدول الاسلامية المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي. فبعد اكتشاف نفط بحر قزوين واتجاه تركيا لكسب الدعم العالمي لتسيير خطوط نقل النفط الآذري والكازخستاني عبر اراضيها, بعيدا عن روسيا, اتجهت روسيا لاستخدام ورقة الضغط الكردية لانذار تركيا, ولكن استخدامها لتلك الورقة ظل بشكل قاصر, ودون الاحلام العراض التي كانت تراود اوجلان, اذ لم يتجاوز ذلك الاستخدام اكثر من السماح لحزب العمال بتنظيم بعض اعماله الحزبية, وعقد بعض المؤتمرات والمهرجانات الخطابية على الارض الروسية, وكان ذلك وحده كافيا لافزاع تركيا, وجذبها الى مائدة التفاوض والتساوم مع موسكو, التي ابتزتها بذلك (الكارت) الى النهاية حتى ان تركيا كانت احدى دول العالم القليلة التي سكتت عن قصف روسيا الذي دمرت به دولة الشيشان الاسلامية.. وبسكوت تركيا عن مواصلة التعدي في مناطق النفوذ الروسي, كفت روسيا عن استخدام ورقة الاكراد, ولم يشفع وصول الشيوعيين وانصارهم أخيراً الى مواقع نفوذ قوية بموسكو لعبدالله اوجلان, واضطر للخروج من موسكو ليهيم بطائرته باحثاً عن أمان. حقيقة الموقف الامريكي وكان عبدالله اوجلان قد وضع نفسه منذ البدء في مواجهة امريكا, وربما كان صادقاً في ذلك, شأنه شأن كاسترو, ولكنه ضيق على نفسه كثيرا باتخاذ ذلك الموقف الايديولوجي, الذي ضيع عليه بقية فرص المناورة لقد طابق اوجلان بين كل من موقف امريكا وتركيا, وذلك في تبسيط شديد للامور ينزع اليه عادة غلاة الايديولوجيين, صحيح ان امريكا ليس في مصلحتها اقامة دولة للأكراد لا في العراق ولا تركيا ولا حتى في ايران التي تناصبها العداء وليس ادل على ذلك من ان (كاسبر وايتيرجر) وزير الدفاع الامريكي في 1987 كان قد حرض تركيا على استباق ايران لاحتلال شمال العراق, اثناء حرب الخليج الأولى, حتى يمنع اتحاد اكراد العراق وايران, واثناء حرب الخليج الثانية قدمت الادارة الامريكية تعهداً صريحاً لتركيا بانها لن تسمح بتقسيم العراق, لان اخطر اثار ذلك هو بروز دولة قوية للاكراد, في شمال العراق, يمكن ان تكون بمثابة قاعدة خلفية لاكراد تركيا, ومصدر دعم كبير لهم, وربما نواة لدولة كردية مستقبلية مستقلة في الاقليم. كانت تلك هي السياسات الامريكية المعلنة. ولكن من قال ان السياسات الامريكية لا يمكن التأثير عليها؟ كانت امريكا تحاول استرضاء تركيا بتلك السياسات, ولكن تركيا لم تكن راضية بها, اذ ان عنصرية الكماليين الحاكمين قد خيلت اليهم ان مجرد وجود ملاذات آمنة للاكراد في العراق, يمكن ان يصبح نواة دولة مستقبلية لهم, وكانوا بالتالي يواصلون الضغط على امريكا لكي تتخلى عن اكراد العراق وتترك شأنهم لصدام حسين, ليصفيهم بذات الاساليب التي تولى بها الكماليون تدمير وحرق القرى والمدن الكردية, وصدام حسين بالطبع اخبر منهم بفنون التدمير والتنكيل, وقد عملت تركيا على الخروج عن حدود السياسات الامريكية تجاه اكراد العراق, عندما قامت في 1995 بالتوغل بعيداً في شمال العراق لملاحقة كوادر حزب العمل الكردستاني, وسط اعتراض اوروبي واسع, وكانت تلك الخطوة ابلغ دليل على تعارض السياستين التركية والامريكية تجاه اكراد العراق. ثمة تناقض اخر بين السياستين التركية والامريكية تجاه اكراد تركيا. فبينما يرفض حكام اليمين التركي باستعلاء عنصري عجيب, مجرد عقد اي نوع من المباحثات مع قادة الاكراد, الذين يمثلون اكثر من خمسة عشر مليون نسمة, يشكلون 27% من تعداد السكان, فان الولايات المتحدة تضغط على الحكومة التركية لتقوم بمواصلة نهج الرئيس الاسبق اوزال في فتح قنوات مع الاكراد. وكان اوزال عقب انتفاضة الكرد في 1990 قد اصدر قراراً سمح للاكراد بان يستخدموا لغتهم المحلية في الاماكن العامة وفي الوسائل الاعلامية المحلية, وكان ذلك ممنوعاً بموجب معاهدة لوزان وبموجب المادة رقم 2932 من القانون الاساسي التركي, التي توقع اشد العقوبات على من يفعل ذلك, وقد اكتفى اوزال بذلك ولم يسمح للاكراد باستخدام لغتهم في الادارات الحكومية المحلية حتى في محافظاتهم, ولكن مجرد سماحه للاكراد باستخدام لغتهم في الحديث العادي اعتبر نقطة بدء مناسبة للاتصال الرسمي بهم. حتى هذه النقطة البسيطة لا تريد حكومة انقرة ان تعود اليها الان, فهي مصرة على إلغاء التاريخ والثقافة والتقاليد واللغة الكردية بالكامل, وليس مجرد ازاحة حزب العمال او زعيمه اوجلان الذي تمكنت منه أخيرا. واذا كانت امريكا قد مكنت بشبكة معلوماتها من اعتقال اوجلان, فانها تعتقد الان انها تخلصت من أحد محاور التطرف والعنف, وبقي لها الطرف الاخر, وهو طرف الحكومة, وهو الطرف الاصعب مراساً, واضافة الى تشدد تلك الحكومة ضد الاكراد, فانها قد باتت تستصحب شكوكاً عميقة في الموقف الامريكي من موضوع الاكراد, وتعتقد ان لامريكا اجندتها الخاصة بالموضوع, وهي أجندة لا تتطابق, بل تتعارض مع الأجندة التركية. ولا تقتصر تلك الشكوك التركية على الملف الكردي وحده, بل تشمل ملفات كثيرة توتر العلاقات ــ من تحت السطح ــ بين أمريكا وتركيا التي اخذت تتمدد استراتيجياً, لتشكل قوة اقليمية كبرى, تعوضها عن تلك القوة والاهمية التي كانت تضفيها عليها ظروف الحرب الباردة. تعتقد تركيا ان امريكا لا تضفي عليها الاهمية اللائقة, ولا تهتم بتحقيق وحماية مصالحها القومية كما ينبغي. والامثلة على ذلك كثيرة اهمها مواقف امريكا الباردة في شأن البوسنة, والاقليات التركية ببلغاريا واليونان وقبرص, واخطر من ذلك حماية امريكا لاكراد العراق في الملاذات الآمنة, ورفضها لمطالب انقرة بارجاعهم الى الوضع السابق تحت سلطة بغداد. من شأن كل تلك الشكوك والخلافات ان تضعف قدرة امريكا على فرض اي نفوذ على حكام تركيا لتغيير سياسات القسر والقمع ضد الاكراد. وفي ظل ذلك لم يكن مستغرباً ان يصرح وزير خارجية تركيا بان حكومته (الديمقراطية) لا يمكن ابدا ان تفكر في اجراء حوار مع تنظيم ارهابي, شأن حزب العمال.. ولم يشأ ذلك الوزير, كما لم يشأ المذيع الامريكي, ان يسأله ولماذا فكرت اعرق دول الديمقراطية, وهي بريطانيا في مفاوضة (ارهابييها) الايرلنديين؟! اغلب الظن ان اعتقال اوجلان وتوجيه تهمة الخيانة العظمى اليه, ومحاكمته, لن تعدو ان تكون فصلا في مسلسل تاريخ الاكراد, وربما جاء القرن المقبل بفصول اخرى اهم ملامحها ظهور قيادة نضالية جديدة, غير ماركسية, لاكراد تركيا, وظهور حكومة تركية اكثر عقلانية. فتنضج حينها ظروف وفاق, يقود الى حكم ذاتي للاكراد ويومها لن يعدو دور الدول العظمى دور المنسق والمتبني, الذي يستكمل بهرجة الاخراج. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي