قبل اختطاف الزعيم الكردي عبدالله اوجلان كانت القضية الكردية معقدة بما فيه الكفاية. فالمشكلة ليست مجرد وجود اقلية كبيرة او صغيرة تناضل من أجل الحصول على حقها المشروع في أن تحكم نفسها بنفسها في مواجهة سلطة مركزية ترفض هذا الحق وتقاومه بكافة الوسائل بحجة الحفاظ على وحدة اراضي الدولة, وانما هي ان هذا الحق المشروع موزع بين خمس دول تضم كل منها جزءا من هذه الاقلية, هي تركيا والعراق وايران وسوريا, فضلا عما كان يسمى سابقا بالاتحاد السوفييتي.. ومنذ مئات السنين والاكراد يناضلون من أجل تحقيق حلمهم القومي على شكل دولة واحدة اسوة بكل شعوب الارض.. ولكن قيام دولة كردستان يعني اقتطاع مساحات غير قليلة من اراضي الدول الخمس, وهو امر مرفوض ليس فقط من جانب حكومات الدول المضيفة وانما ايضا من جانب القوى العالمية المرتبطة بها بشكل او آخر, والتي يهمها بشكل او آخر بقاء الوضع على ما هو عليه وعدم بروز كيان جديد على شكل دولة لا يضمن احد كيف سيكون تأثيرها على موازين القوى في هذا الجزء المهم جدا من العالم. وقد نجد الدول المضيفة, ومن ورائها القوى الكبرى, تختلف فيما بينها اشد الاختلاف, بل وقد يحارب بعضها بعضا حروبا باهظة التكاليف والخسائر. ولكنها تجمع في النهاية على رأي واحد فيما يتصل بالقضية الكردية, هو الحيلولة دون نجاح اية حركة انفصالية للاكراد في اي من هذه الدول المضيفة. لان هذا سيؤدي الى تقوية الحركات الكردية في بلدان اخرى.. غير ان هذا الرفض لم يمنع الدول الكبرى ــ واحياناً دولا اخرى مجاورة ــ من استخدام ورقة الاكراد للضغط على هذا البلد المضيف او ذاك.. ولكن مع مراعاة الا يرقى ذلك الى مستوى تمكين الاكراد من تحقيق حلمهم الكبير في اقامة دولتهم المستقلة.. وهنا, نجد لدينا ملاحظة جديرة بالتسجيل, تلك هي ان استخدام ورقة الاكراد كثيرا ما اثبت انه اكثر تعقيدا من قضية الاكراد ذاتها. ففي اثناء الحرب الباردة, استخدم الاتحاد السوفييتي ورقة الاكراد للضغط على تركيا وايران (الشاه) باعتبارهما حليفتين للقطب الامريكي, فكان يقدم المساعدات بسخاء ــ ماليا وعسكريا ــ للحركات والاحزاب الكردية في البلدين, بينما كان يزود العراق بالغازات السامة التي يبيدون بها الاكراد بالجملة في الشمال.. وبعد انتهاء الحرب الباردة واصلت الولايات المتحدة نفس السياسة المتناقضة.. فهي من ناحية تتبنى مطالب اكراد العراق, وتتولى بنفسها ــ وبأموالها ــ ازالة الخلافات بين حزبي الاكراد العراقيين, الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البرزاني, والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطلباني لتكون منها جبهة ضد النظام العراقي القائم (بهدف خلخلة العراق واضعافه, وليس بهدف اقامة دولة كردية مستقلة). وفي نفس الوقت, تتخذ ضد اكراد تركيا موقفا شديد العداء, لا يقتصر على مضاعفة مساعداتها العسكرية للحكومة التركية في حرب الابادة التي تشنها ضد الاكراد, بل تصل الى حد التواطؤ المشين بين جهاز مخابراتها ــ السي أي ايه ــ والموساد الاسرائيلي في عملية اختطاف اوجلان, ضاربة عرض الحائط بسمعتها كدولة كبرى, وما سببه هذا الحادث من استفزاز للرأي العام العالمي الذي يستيقظ الان على الوجه البشع الذي تريد الولايات المتحدة الامريكية ان تفرضه على العالمين باسم نظامها العالمي الجديد. واذا كان معظم المحللين على الصعيد المحلي او العالمي يجدون صعوبة في تفهم الاساس الذي قامت عليه الحسابات التركية الامريكية وهم يدبرون لاختطاف اوجلان, فان الذي لاشك فيه ان نجاح هذه العملية قد وضع الحكومتين في مأزق اكثر صعوبة.. فمن ناحية تركيا, لن يؤدي غياب اوجلان ــ سواء بالاعدام او السجن مدى الحياة ــ الى حل مشكلتها مع الأكراد, بل بالعكس ان كل الدلائل تشير الى ان كفاح الاكراد من أجل حلمهم القومي سوف يزاد عنفا. فالقضية ليست قضية فرد. وانما هي قضية شعب لم يتنازل ابدا عن حقه على مدى مئات السنين. ولسوف تشهد تركيا مزيدا من اراقة الدماء والخسائر والحرائق المشتعلة بنار الغضب وستمتد موجات العنف الى خارج تركيا, وقد تنال عواصم عديدة حيث يوجد مئات الألوف من الاكراد المهاجرين الغاضبين الذين لم ينسوا حلم كردستان. غير ان أهم ما في هذه القضية انها, كما نشهد بداياتها الان تشمل جميع فصائل الاكراد, اتراك وعراقيين وايرانيين وغيرهم ممن كانوا متباعدين من قبل لاسباب ايديولوجية او لوجودهم تحت نظم مختلفة, فاذا بهم يتوحدون الان في رد فعل حاد معاد لامريكا ومصالحها.. وهذا يعني ان عملية المصالحة التي قامت بها الولايات المتحدة بين حزبي الاكراد العراقيين تنقلب اليوم ضدها بدلا من ان تساعد على خلخلة النظام العراقي.. ثم ان عملية اختطاف اوجلان قد دفعت بالقضية الكردية الى سطح الاهتمام العالمي بعد ان كانت قد انحسرت من الناحية الاعلامية الى مجرد مشكلة اقلية شبه منسية لا تحظى الا ببضعة اسطر بين كل حين وحين في صفحة داخلية بصحيفة او أخرى. ونادرا ما كان ذكرها يرد على شاشة التلفزيون.. اما عن اسرائيل, فيبدو انها الطرف الوحيد المستفيد من عملية اختطاف اوجلان, ليس فقط من باب الدعاية لطول ذراع الموساد, وانما ايضا لمدى العمق الذي يمكن ان يصل اليه التحالف الاسرائيلي مع الاتراك. وهذا يعني ان العملية تنطوي على رسالة ذات مغزى خاص ينبغي للعرب ان يعوه.. فعسى ان تكون الرسالة قد وصلت لمن يهمهم الامر. *** ونعود فنقول ان حلم كردستان لن يموت بغياب عبدالله اوجلان. وكما يقول الكاتب الامريكي الكبير (روبرت كابلان) في كتابه (نهايات الارض) الذي نشرته البيان منذ شهور, فان (كردستان اقرب الى الواقع من عشرات الدول الاعضاء في الأمم المتحدة) . فان الاكراد يشكلون عرقا متجانسا, مقيم على مساحة متصلة من الارض تصل في مجموعها الى نحو 192 الف كيلو متر مربع, وتمتد من جنوب شرق شبه جزيرة اسيا الصغرى (الاناضول) الى جنوب بحر قزوين, ويبلغ تعدادهم ما بين 30 و40 مليون نسمة يقيمون في هذه الاصقاع منذ ما قبل التاريخ. وقد ورد ذكرهم في كتاب (تاريخ حروب الاغريق والفرس) الذي ألفه القائد العسكري القديم (زينوفان) في بداية القرن الخامس قبل الميلاد, اي قبل ميلاد الاسكندر الاكبر ــ حيث وصفهم بانهم (قبائل جبلية شديدة المراس لم يستطع الاغريق ولا الفرس اخضاعهم في حملاتهما المتبادلة شرقا وغرباً) .. وعندما وصلتهم رسالة الاسلام دخلوا فيه افواجا, وقدموا للامة الاسلامية جزءا عزيزا من تاريخها وثقافتها, وكان منهم صلاح الدين الايوبي, كما كان منهم أمير شعراء العرب احمد شوقي, وفارس القلم العربي محمود عباس العقاد, وثائر ثورة عرابي محمود سامي البارودي وغيرهم من النجوم الساطعة في سماء العروبة والاسلام.. ويذكر تاريخ المرحلة الاخيرة لاندحار الخلافة العثمانية ان الاكراد قاموا بأكثر من انتفاضة من أجل الحصول على حقهم المشروع في حكم انفسهم بأنفسهم, الا ان محنتهم الكبرى في تركيا بدأت مع نظام كمال اتاتورك الذي انكر عليهم من حيث المبدأ حقهم في الاعتراف بهم كقومية لها سماتها الخاصة المميزة, معتبراً من حيث المبدأ انه لا توجد داخل حدود الدولة التركية التي اقرتها معاهدة لوزان الدولية لسنة 1923 سوى قومية واحدة, هي القومية التركية الطورانية, ولسان واحد هو اللغة التركية المكتوبة بحروف لاتينية! وزاد من ازمة الاكراد مع نظام اتاتورك ان هجمته ضد (التدين) نالت منهم اكثر مما نالت من سائر رعاياه لانهم كانوا كعهدهم اشد عناداً وتشبثا بالدين شكلا وموضوعا, لدرجة انهم رفضوا التنازل عن زيهم التقليدي ولغتهم الكردية رغم كل المحاولات القمعية من جانب نظام اتاتورك الذي اعتبر المعركة من اجل ارتداء القبعة الغربية واللسان التركي معركة حياة او موت للثورة الكمالية بأسرها. ولم يكف الاكراد ابدا عن المطالبة بالحكم الذاتي, فانتفضوا في سنة 1920, ثم في سنة 1925 ضد اتاتورك الذي قدم لهم بالفعل بعض (تنازلات) سطحية ولكن القضية ظلت في جذورها دون حل لان تنازلات اتاتورك كانت مجرد محاولة للالتفاف حول مطالب الاكراد من اجل تذويبهم في اطار القومية الطورانية التركية, ومع وفاة اتاتورك تبخرت حتى تلك المحاولات, وازداد وضع الاكراد سوءا في عهود خلفائه مع ان منهم ثلاثة منحدرون من أصول كردية.. ومع صدمة الحرب العالمية الثانية واحداثها وتوابعها, نامت الانتفاضة القومية الكردية الى حين. ولكن حلم كردستان ظل قائما, لتتجدد الثورة مرة اخرى في الخمسينات.. ولتظل المشكلة الكردية لمدة ثلاثين عاماً تدور في حلقة مفرغة.. فورات شعبية من جانب, وحملات عسكرية شديدة الضراوة من جانب اخر.. حتى كان عام 1980 عندما استولى الجيش على السلطة في تركيا فازداد عنف العسكر وحشية, وكان رد الفعل الطبيعي لدى الاكراد هو اللجوء الى العنف المسلح الذي اخذ يتصاعد حتى أصبح حربا حقيقية بين رجال حرب العصابات الاكراد المستندين الى معونات وتأييد الاتحاد السوفييتي والحكومة العسكرية التركية المستندة الى تأييد الولايات المتحدة وحلف الاطلسي.. حتى جاء تورجوت اوزال الى السلطة فلجأ الى مهادنة الاكراد, الذين كانت قيادتهم في ذلك الحين قد آلت الى عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يدين بالماركسية.. ولكن الظروف العالمية اخذت مع بداية التسعينات تتطور في غير صالح الكفاح المسلح الكردستاني. ومع تفكك الاتحاد السوفييتي فقد حزب العمال الكردستاني السند الخارجي الذي كان يمده بالقوة والسلاح. وانتهز تورجوت اوزال الفرصة فأعد مشروعا معقولا لتسوية المشكلة الكردية على أساس حكم ذاتي اوسع الى حد ما من مشروع اتاتورك الذي وئد في الثلاثينات.. ولكن وفاة اوزال المفاجئة في ابريل 1993 انهت هذه المحاولة وبدلا من وقف القتال شدد العسكر غاراتهم العنيفة التي لم تفرق بين المقاتلين المسلحين وقراهم المدنية العزلاء. فازدادت المعارك اشتعالا, ورفع الاكراد شعاراتهم من المطالبة بالحكم الذاتي الى المطالبة بالاستقلال التام.. وقيام دولة الحلم الابدي, كردستان.. وهكذا استمرت حتى الان المعارك التي تكلف خزانة الدولة الامريكية اكثر من ستة الاف مليون دولار سنويا كخسائر مباشرة, والتي ذهب ضحيتها خلال الخمسة اعوام الاخيرة اكثر من 15 الف قتيل من الجيش التركي.. فضلا عن عشرات الالوف من الاكراد, معظمهم من الشيوخ والنساء والاطفال. *** والان, ماذا بعد اختطاف اوجلان وتقديمه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى باعتباره قائد الاكراد المطالبين بالانفصال.. و(تمزيق وحدة الوطن التركي) ؟ ايا كانت النتيجة, وسواء ركب العسكر الاتراك رؤوسهم فمضوا في المحاكمة الى أقصى مدى, رغم كل العواقب السلبية التي تهدد مصالح تركيا, وكذلك مصالح الولايات المتحدة, او وجدوا وسيلة للتراجع بانتظام, فإن هناك حقيقة واضحة لاشك فيها, تلك هي ان القضية الكردية قد طرحت نفسها على السطح كمشكلة تتطلب حلا سريعا وحاسما. ولن يمضي وقت طويل قبل ان يتأكد للجميع ان هذا الحل مستحيل ان يتحقق بالعنف واستخدام القوة.. وان لا سبيل اليه الا بالوسائل السلمية.. وهنا تبرز اهمية الدور العربي رغم صعوبته.. فالعرب ــ بشكل عام ــ يتعاطفون مع الاشقاء الاكراد في تأكيد هويتهم وادارة شؤونهم بانفسهم. ولكنهم في الوقت نفسه لا يمكن بحكم مصالحهم الآنية والمستقبلية ان يقبلوا حلا يعني في النهاية تمزيق وحدة اراضي اي بلد عربي.. والمعني هنا بالذات دولة العراق.. اذن فالحل المطلوب, هو العودة الى حل (تورجوت اوزال) الذي يحقق للاكراد حكما ذاتيا تتحقق معه مصالحهم وفي نفس الوقت يحافظ على وحدة وسيادة الدول المضيفة.. وبعيدا عن المكابرة.. هذا هو الحل الوحيد المتاح على ضوء الظروف العالمية الراهنة..