أكد كيندال نيزان مدير المعهد الكردي في باريس ان القبض على اوجلان اثار قضية الاكراد على الصعيد الاوروبي والعالمي, وقال ان الاكراد امة وقد تعرضوا خلال تاريخهم الى مآس كثيرة. وأشار نيزان الذي ينحدر من اصول كردية تركية الى أن اوجلان صار رمزاً للمقاومة العسكرية في وجه الطغيان التركي . وأكد في حديث لــ (الملف السياسي) ان الحل الواقعي للقضية الكردية هو السعي للحصول على الحكم الذاتي للاكراد في الدول التي يتواجدون فيها للحفاظ على لغتهم وهويتهم وثقافتهم وذاكرتهم الجماعية. وقال ان اوروبا يجب ان تبحث عن حل سياسي للمشكلة الكردية علماً ان للتظاهرات الكردية في العواصم الاوروبية تأثيراً كبيراً على الرأي العام الاوروبي. هل أعاد القبض على اوجلان قضية الاكراد من جديد الى واجهة الأحداث؟ اعتقد نعم ان القبض على اوجلان اثار القضية على الصعيد الاوروبي, وعلى الصعيد العالمي الى حد ما. ومنذ عشرة أيام اصبحت قضية الاكراد الحدث العالمي الساخن, وقد ناقش قضية الاكراد ايضا البرلمان الاوروبي, وكذلك المجلس الاوروبي. ان قضية اوجلان دوّلت قضية الاكراد في تركيا, وستستمر اثارة قضية الاكراد حتى إجراء محاكمة اوجلان على هذا المنوال الساخن. لماذا تحول عبدالله اوجلان الى رمز وطني كردي؟ لقد تعرض الاكراد الى مآس كثيرة مثل القصف الكيمياوي لقرية حلبجة في شمال العراق, والهجرة الكردية الجماعية في عام 1991, واغتيال قاسملو في ايران, وبالرغم من تشتت الاكراد في الدول المعنية, فقد اثبتوا بانهم يتميزون بوحدة قضيتهم والتضامن فيما بينهم. وهذا ما يمكن ان نطلق عليه التعبير عن الاحساس الوطني, ومن المعروف ان الاكراد يشكلون امة بحد ذاتها. وفي الوقت نفسه هناك الكثير من الاكراد قاموا بانتقاد اوجلان وايديولوجيته السياسية والفكرية, لكنه يشكل جزءا كبيرا من اكراد تركيا, وبالنسبة الى انصاره فهو يعتبر مقاوما وبطلا ضد الاضطهاد التركي. ومن الواضح ان حدة الصراع قوية للغاية حيث ان السلطات التركية قامت مؤخرا بتدمير اربع الاف قرية كردية تماما كما فعلت السلطات العراقية في القرى الكردية في عام 1980, وتم في تركيا تغيير ديموجرافية ثلاثة ملايين من السكان الاكراد, وخصوصا من المزارعين. وهذا ما يعادل مجموع التهجير الذي حصل في حروب يوغسلافيا السابقة. كما قامت السلطات التركية بتدمير 4500 من المثقفين الاكراد بالطرق العسكرية. وكثير من هؤلاء قاوموا وواجهوا مصائرهم, فبعضهم قتل, والبعض الاخر سجن, والبعض الاخر نفي. لذلك وبسبب مقاومة حزب اوجلان اصبح اوجلان رمز المقاومة العسكرية في وجه الطغيان التركي. على أية حال ان المقاومة العسكرية لا تقتصر على الاكراد فقط, فالعرب ايضا يقاومون بهذا الاسلوب. لابد لنا من ان نطرح عليك السؤال المحير وهو كيف وافق القادة الاكراد في شمال العراق على السماح للقوات التركية بملاحقة حزب اوجلان على الاراضي الخاضعة لنفوذهم؟ من المعروف ان القضية الكردية واحدة على الصعيد الاخلاقي والفكري ولكن هناك حقائق جيوسياسية لا يمكن اهمالها بأي شكل من الأشكال. كردستان العراق المحمي حاليا من خلال الطيران الجوي الغربي الانجلو ــ ساكسوني, لا توجد حدود معترف بها, اذن هذه المنطقة لا تستطيع الدفاع عن نفسها في وجه السلطات التركية, ومن المعروف جيدا بان تركيا عضو في حلف شمال الاطلسي, وبحجة وجود قواعد لحزب بي. بي. كا. في المنطقة فانها تقوم بخروقات واعتداءات عديدة فيها, وطالب اكراد العراق بعدم التفاوض والبحث بشأن مواصلة كفاحه المسلح في الاراضي التركية في منطقة كردستان ولكن للاسف الشديد لم تتوصل الاطراف الى اتفاق معين, وبما ان كردستان العراق تعرضت الى تدمير كبير فانهم بحاجة الى تعمير مناطقهم لذلك من الاجدى ان يترك اكراد العراق وشأنهم والا يخوضوا في مشاكل اكراد تركيا. يشكل الاكراد قرابة 25 مليون نسمة, لهم تاريخهم ولغتهم وخصائصهم المشتركة, لماذا تسعى القوى الكبرى الى منع ولادة هذه الامة؟ لو كانت هناك عدالة عالمية حقيقية كان من المفترض ان ينظم استفتاء من أجل التعرف على آمال وطموحات الشعب الكردي, وانني على قناعة تامة بأن الاكراد يرغبون في تكوين دولتهم المستقلة. ولكننا نعرف بأنه لا توجد عدالة عالمية, والنظام العالمي, الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة, وحلفاؤها الحاليون, وبما ان حدود الدول رسمت في 1920, من الصعب جدا تغيير حدود العديد من هذه الدول الهامة في المنطقة وهي: تركيا... حليف استراتيجي للولايات المتحدة وعضو في حلف شمال الاطلسي, وحليفة لاسرائيل. وحكومة ايران الاسلامية لا تريد تغييرات في الحدود وتتمتع بقوة عسكرية لا يمكن اهمالها. العراق هو الاخر لا يريد تغيير حدوده. وكذلك سوريا. اذن لا يملك الاكراد الوسائل العسكرية لتغيير هذه الاوضاع. والقانون العالمي لا يطبق بذات الطريقة على الجميع, وخصوصا في ميدان تقرير المصير. ما هو مصير الاكراد في تركيا وما هي القراءات المستقبلية لقضيتهم؟ تركيا دولة تحاول منذ تأسيسها في عام 1923 ان تجعل الاكراد يختفون كشعب له مقوماته ولغته وتاريخه وهويته, ولذلك نرى بأن الاتراك ابادوا الارمن من قبل في عام 1915, وطردوا مليوناً و200 الف يوناني في عام 1920, وبقي الاكراد اخر طائفة اصلية غير تركية في تركيا, ولا نتحدث عن الاقلية العربية, فقد اراد, على الدوام, القادة الاتراك المتعصبون قوميا اختفاء الاكراد بطرق التهجير والطرد وسياسة الاندماج القسرية وغيرها من السياسات المعروفة. ولذلك, ومنذ ذلك الحين, هناك ثورات وتمردات كردية لا تتوقف. وهناك مئات الالاف من الموتى الاكراد عبر تاريخهم النضالي, ورغم ذلك يقاوم الاكراد, ولكي اعطيك مثالا, طيلة الــ 75 عاما من الحكم الجمهوري التركي, عاش الاكراد 53 عاما تحت حالة الحصار والاحكام العرفية, وهو وضع استثنائي. وأعتقد ان البلدان التي عرفت السيطرة التركية عانت الكثير من التخلف الثقافي والاجتماعي, وهذا ما يعاني منه الاكراد في الوقت الحاضر. لكن الاكراد يقاومون, وبالرغم من اجراءات التغيير الديموجرافي ونقل الاكراد بالقوة الى المدن الكبيرة مثل اسطنبول وأضنه وغيرها, وتواجه السلطات التركية الان مشكلة السكان الاكراد حتى في المدن الكبرى, وفي اسطنبول, على سبيل المثال يوجد 3 ملايين كردي. واذا ما اعلنت تركيا حالة الحصار على كردستان تركيا فانها ستواجه المشكلة الكردية في اسطنبول. وفي كل الاحوال فان السلطات التركية مجبرة على ايجاد حل لهذه المشكلة. لماذا تثير بعض القوى الدولية الملف الكردي في شمال العراق ويتم تقديم المساعدة العسكرية واللوجستية لقمعهم في تركيا؟ لم تكن الحالة هكذا على الدوام, لعلك تتذكر حتى عام 1980 فان كل دول العالم وحتى من ضمنها الاتحاد السوفييتي ــ سابقا ــ الولايات المتحدة, فرنسا, المانيا كانت تدعم الحكومة العراقية التي كانت تقوم باضطهاد الاكراد, ولان تركيا لها تحالف عسكري مع اسرائيل منذ عامين, وبدعم من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لتركيا, لذلك فان القضية الكردية تواجه العقبات في الولايات المتحدة. ولكن الموقف تغير في اوروبا, ويؤمن الناس بان القضية التركية يجب ان تطرح في النقاشات العامة وكذلك ضرورة ايجاد حل للقضية الكردية, حتى بدأ الاوروبيون يفكرون بفارق السياسة ازاء كوسوفو وازاء الاكراد. ما هي الحلول الواقعية والمتاحة لحل قضية الاكراد وفقا لظروف وامكانيات كل دولة فيها أكراد؟ في الحالة الراهنة, وبسبب علاقات القوى الحالية, فان الحل الواقعي للقضية الكردية هو السعي للحصول على الحكم الذاتي للاكراد في الدول التي يتواجدون فيها وذلك لغرض الحفاظ على لغتهم وهويتهم وثقافتهم وذاكرتهم الجماعية. هل يمكننا القول ان نموذج حياة الاكراد في شمال العراق هو الحل الافضل؟ نعم كما هو الحال الان وليس كما كانوا اثناء حكم صدام حسين عندما كان هناك حكم ذاتي وهمي وظاهري فقط, هذا صحيح ان ما عليه اكراد العراق حاليا هو حل واقعي ومقبول. والا فان القضية الكردية تتحول الى عامل عدم استقرار في المنطقة والعالم اجمع. يجب ان تتغير العلاقة بين السلطات الموجودة في هذه البلدان وبين الاكراد, ينبغي على الاكراد ايضا ان يتحدوا مع العرب والاتراك والفرس من اجل تأسيس ربما اقول سوق مشتركة, وفي الحقيقة ان لا شيء يفصل بين هذه الشعوب سوى ايديولوجية السلطات القومية المتعصبة, ذلك لانهم عاشوا قرونا عديدة سوية, ولانهم يمتلكون كل الاسباب للتعاون فيما بينهم. ولا يوجد ما يبرر استمرار هذه الحرب لان ما يطالب به الاكراد هو حق مشروع. ما هي حقيقة الموقف الامريكي من القضية الكردية وحدود استخدامها كورقة في لعبة المصالح الدولية؟ اعتقد ان الامريكيين يستخدمون ليس القضية الكردية فحسب وإنما جميع القضايا كورقة في خدمة مصالحهم الخاصة, القومية والاستراتيجية, لكنهم ليسوا الوحيدين في هذا المضمار, ان معظم الدول تستخدم هذه القضية او تلك في خدمة مصالحها. هذه هي لعبة السياسة الدولية, وهكذا فالعالم معمول بهذه الطريقة, ومما لا شك فيه ان الامريكيين لا يتحركون في سياستهم انطلاقا من الديمقراطية او حقوق الانسان, بل انطلاقا من اعتبارات استراتيجية في دعم تركيا ضد الاكراد وفي الوقت نفسه, ينتقدون الصربيين في موقفهم من البان كوسوفو, لابد من ان نتذكر بالارقام ان حرب كوسوفو ادت الى مقتل بضعة مئات من الموتى وقرابة مائة الف من المهجرين من مجموع سكان كوسوفو البالغ مليوناً و800 الف نسمة فيما يقدر عدد الموتى في حرب كردستان 36 الفاً, وهذه احصائيات رسمية, وقرابة ثلاثة ملايين من المهجرين في تركيا, فالامريكيون يهددون صربيا بالحرب من أجل الحصول على استقلال مليون و800 الف من البان كوسوفو, ولا يقول الامريكيون شيئا حول 15 مليون كرديا مضطهدا في تركيا. ما هي تفاعلات القضية الكردية وتأثيراتها على الدول العربية؟ اعتقد ان للاكراد علاقات طيبة مع العرب, وقد عاشوا سوية وحاربوا سوية, ولا نريد ان نعود الى عهد صلاح الدين الايوبي, فان اشياء كثيرة تجمعنا وتوحّدنا, وينبغي على الدول العربية ان تعبىء نفسها وخصوصا الان لمساعدة اكراد تركيا سياسيا ودبلوماسيا, من أجل الضغط عليها, من أجل ان تحسّن تركيا علاقاتها بجيرانها من العرب, اذا لم يظهر العرب تضامنهم مع الاكراد فان تاريخا بأكمله سينهار, وما يدافع عنه العرب من أجل فلسطين يجب ان يدافعوا عنه ايضا من أجل الاكراد. وهكذا باستطاعة العرب والاكراد ان يجدوا ارضا مشتركة للكفاح, كل شيء من شأنه ان يوحّدنا, والاكراد لا يطالبون ببغداد, كما لا يطالبون بانشاء دولة بل يعيشون بسلام على ارضهم ويتقاسمون ثروات هذه البلاد من النفط وغيره, من اجل ان يحكم الاكراد انفسهم ويحافظوا على ثقافتهم وهويتهم. هل يحلم القادة الاكراد بانشاء دولة كردية وما هي امكانيات تحقيق ذلك؟ على اية حال, القادة او الناس يحلمون بما يشاؤون, لكن السياسة ليست فن الحلم بل فن الواقع والحقيقة, وربما يحلم الناس بذلك عندما يرون ان شعوبا صغيرة تشكل دولا مثل مالطا او ايسلندا, وبالرغم من الحجم الكبير للاكراد, ما يقارب 25 او 30 مليون نسمة لا يحصلون على دولة, لا يمكن منع بعض الناس من الحلم, ولكن جميع القادة الاكراد, ومن ضمنهم حزب البي. بي. كا., الذي يمثل الاتجاه الراديكالي في الحركة الكردية, لا يطالبون بانشاء دولة بل بحل المشكلة الكردية داخل حدود الدول الموجودة. ما هو في نظرك مستقبل العلاقات الكردية الاسرائيلية في ظل الموقف الجديد للموساد؟ اننا نفرق بين السياسة الحالية لاسرائيل والشعب اليهودي عامة, فاليهود عاشوا قرونا في كردستان, وكانت علاقاتهم طيبة على الدوام, ولكن ما تقوم به اسرائيل منذ عامين شيء مؤلم, وهناك جزء كبير من اليهود يعارضون هذه السياسة. نحن نتأمل ان تعمل الانتخابات المقبلة على ولادة بديل ديمقراطي جديد للسياسة الحالية, وخصوصا في تطبيق اتفاقيات اوسلو وضمان حقوق الشعب الفلسطيني. والواقع ان اسرائيل قد دعمت التمرد الكردي في العراق وذلك من أجل اضعاف الدولة العراقية, وكل ذلك بعيدا عن الاعتبارات الاخلاقية والسياسية بل من اجل الاعتبارات الاستراتيجية. ومن خلال تحالف اسرائيل مع تركيا فانها لا تريد اقامة اية علاقة مع اكراد تركيا. وما تؤكده الصحافة التركية فان للموساد دور هام في القبض على اوجلان, وهذا ما أكده حزب الــ بي. بي. كا. نفسه ايضا. ما هي حقيقة الدور الاوروبي في سقوط اوجلان, واثر التظاهرات الكردية في العواصم الاوروبية على تطورات موقف اوروبا, والى اي مدى يمثل كشفا لتراجع اولويات قضية حقوق الانسان؟ اوروبا لم تلعب دوراً مباشراً في توقيف اوجلان, ودورها تركز في رفض منحه اللجوء السياسي, وهذا نتيجة للضغوط الامريكية, وقد تحدثت طويلا مع وزير الخارجية الايطالي, الذي قال لي بعيدا عن المصالح الاقتصادية التي تربطنا بتركيا, فان الامريكيين مارسوا ضغطا علينا في عدم منح اوجلان اللجوء السياسي, اذن لم تكن اوروبا تمتلك الشجاعة الكافية لتقول لا للضغوط الامريكية ولا للتهديد التركي بقطع العلاقات الاقتصادية. ومما لا شك فيه ان بعض الاجهزة اليونانية, وليس الدولة, ساهمت في هذه العملية, وقد أثار ذلك ازمة سياسية في اليونان ولم تنته بعد النقاشات حول ذلك. اعتقد ان المشكلة الكردية اصبحت مشكلة اوروبية لاسباب ثلاثة في الاقل: هناك ثلاثة ملايين تركي وكردي في اوروبا, من ضمنهم 850 الف كردي, وهؤلاء يعيشون ازمة بلدانهم ويتتبعون اخبار الوسائل الاعلامية في بلدانهم الاصلية, ومازال التوتر سائدا بفعل التظاهرات والاحتجاجات في اوروبا. ومن جهة اخرى فان اضطهاد الاتراك للاكراد سيؤدي الى نشوء هجرة جديدة نحو اوروبا, ولذلك فان جميع دول اوروبا معنية بهذا الامر. ومن المعروف ان الجالية الكردية توسعت كثيرا في اوروبا ولم يهاجر الاكراد لاسباب اقتصادية بل لاسباب الملاحقة والاضطهاد, وأنهم غير قادرين على الذهاب الى سوريا ولا الى ايران ولا الى روسيا لذلك يلجؤون الى اوروبا وهكذا فان هؤلاء المهاجرين يطرحون مشكلات الهجرة والهوية والعنصرية. وبسبب الاكراد لا تستطيع تركيا الانضمام الى الاتحاد الاوروبي بسبب غياب الديمقراطية في تركيا والعسكريتارية وانعدام حقوق الانسان. لذلك فان اوروبا يجب ان تبحث عن حل سياسي للمشكلة الكردية. وللتظاهرات الكردية في العواصم الاوروبية تأثير كبير على الرأي العام الاوروبي, ومن الممكن ان تستمر هذه التظاهرات. أجرى الحوار: شاكر نوري