تعيش مخيمات اللاجئين في الاردن حالة من الحيرة والقلق بشأن مستقبل سكانها.. وفي ظل سعى الحكومة الأردنية المتعاقبة لتحسين الظروف المعيشية لسكان المخيمات, يبدو التوقيت الحالي حساساً ومختلفاً, في ظل الحديث عن قرب المرحلة النهائية لمفاوضات السلام , وحسم قضية اللاجئين حسماً نهائيا عبر إعادتهم الى فلسطين, أو بقائهم في الدول التي يتواجدون بها, مع منحهم تعويضات مالية, وفقاً لقرارات الأمم المتحدة التي تنص على أحد حقي العودة, أو التعويض. هل سيبقى اللاجئون الى مالانهاية في الاردن؟ أم سيعودون الى بلادهم؟ ووسط المخاوف المتزايدة من اجتمال سعي القوى الدولية لتنفيذ مؤامرة الخلاص منهم, فان الاردنيين والفلسطينيين على حد سواء, يرفضون حق التعويض, باعتباره أحد أوجه تحويل الاردن الى (وطن بديل) للشعب الفلسطيني, ووسط هذه الأجواء يمكن القول أن كل لاجىء في مخيم ينتظر تلك اللحظة التي سيتم فيها حسم مستقبله ومستقبل أسرته, بحثاً عن نعمة الاستقرار. المخيمات في الاردن في الاردن عدة مخيمات للاجئين والنازحين على حد سواء, ففي العاصمة يوجد مخيمان مخيم الوحدات ويسكنه مايزيد على مئتي ألف لاجىء, معظمهم يعمل في القطاع الخاص, والأعمال التجارية, وأوضاعهم الاقتصادية تعتبر جيدة, والثاني مخيم الحسين ويضم مايزيد على مئة ألف انسان, وأوضاعه من الناحية الاقتصادية متوسطة, وبعيداً عن العاصمة, يوجد مخيم في منطقة (سوف) شمال عمان, ومخيم آخر في مدينة (جرش) , بالإضافة الى مخيمين في مدينة إربد شمال الاردن, أحدهما يدعى مخيم الشهيد عزمي المفتي, ومخيم إربد, أما في محافظة البلقاء, فيوجد مخيم البقعة ويبعد عن عمان خمسة عشر كيلو متراً فقط, ويسكنه, مايزيد على مئة وخمسين ألف لاجىء, وأوضاعه الاقتصادية تعتبر صعبة نسبياً, أما شرق عمان, وفي مدينة الرصيفة فيوجد مخيم حطين, وجنوب عمان, وفي منطقة زيزيا يوجد مخيم آخر يحمل اسم المنطقة ويحوى الاردن أكبر عدد من اللاجئين في العالم العربي, ما يزيد على مليون لاجىء, جميعهم يحملون الجنسية الأردنية, كغيرهم من مواطني الاردن, ويبلغ عدد سكان الاردن أربعة ملايين نسمة 60% منهم من أصول فلسطينية هم دستورياً وقانونياً مواطنون اردنيون ومن حيث الحقوق والواجبات فالمساواة واضحة وملموسة بين الاردنيين بشتى أصولهم, ويمكن تصنيف الفلسطينيين الى مجموعات الذين جاءوا الى الاردن قبيل حرب عام ,1948 حين كانت الكيانات العربية مفتوحة, وحرية الحركة تكاد تكون متاحة دون ضوابط أو موانع, حرب 1948 ونشوء اسرائيل, وهم حصراً اللاجئون في حين ان النوع الثالث هم مواطنو المملكة الاردنية الهاشمية الذين غادروا الضفة الغربية والقدس كجزء من المملكة, لحظة الاحتلال, نحو جزء آخر من المملكة, فهم هاجروا كمواطنين اردنيين من جزء في المملكة الى جزء آخر, وهذه المجموعة التي يزيد مجموعها على مليون اردني هم الأكثر ميلاً الى الاستقرار في الاردن, والى نشوء رابط وحدوي جديد بين الاردن وفلسطين, تجديداً لذلك الرابط الدستوري بين البلدين الذي تم مطلع الخمسينات, وتضرر بسبب الاحتلال عام ,1967 الى أن انتهى دستورياً وقانونياً عام 1988 بعد إصدار الملك حسين الراحل لقرار فك الارتباط بين الضفتين, ووسط هذه التصنيفات التي حمل أصحابها الجنسية الاردنية بما توجبه من حقوق وواجبات, يبدو حملة الوثائق الفلسطينية الذين ينتسبون الى مدينة غزة, المجموعة الأكثر بروزاً و(عدم إندماج) مع المجتمع, ووفقاً للقانون الدولي, فان كل السابقين هم لاجئون, في حين أن المفهوم الاسرائيلي للجوء يكاد يكون مختلفاً بالمرة. جولة في مخيمات اللاجئين لاستطلاع الجوانب المختلفة لقضية اللاجئين حالياً قامت (البيان) بجولة في عدد من المخيمات للوقوف على طبيعة حياتهم ومخاوفهم وطموحاتهم في وسط عمان وقرب أحد أهم المراكز التجارية البراقة ــ جبل الحسين ــ يقع مخيم الحسين, وعند دخوله, يبدو السوق الرئيس للمخيم يعج بالحركة بين بيع وشراء, وبرغم أن وجوه السكان تبدو متعبة إلا أن مشاعرهم كمواطنين أردنيين في ذات الوقت يجعلهم يلمسون نعمة الاستقرار.. يقول الدكتور ذياب عليان وهو طبيب مشهور في المخيم: (الناس هنا لديهم مشاكلهم, مشكلتنا الأساسية, هى الخوف من المستقبل, ومن المؤامرات الدولية, فقرارات الأمم المتحدة تتحدث عن حق العودة لنا أو التعويض, والجميع هنا مع حق العودة, لكننا في ذات الوقت ندرك ان المخططات الدولية, قد تكون صعبة المقاومة, وهنا نحن مواطنون, لانشعر بأي نوع من التمييز أو الفروقات مع الآخرين, حقوقنا في التملك والبيع والشراء وأي نشاط, هى حقوق مكفولة, ونمارسها يومياً دون إعاقات). ومن المعروف في هذا السياق أن بعض سكان المخيمات, لهم ميول سياسية وأيديولوجية, لذلك لم يكن غريباً إقدام جهات مجهولة قبل أسابيع على توزيع منشور بلا توقيع احتوى على فتوى شرعية تعتبر أي فلسطيني مسلم يقبل بحق التعويض دون العودة كافراً ومرتداً عن الاسلام, وبمثابة الذي باع أرضه الى اليهود, وتم توزيع الفتوى مغفلة التوقيع على سكان المخيم, وتأتي ضمن صراعات تيارات مختلفة على سكان المخيمات وبلورة موقف موحد لهم بشأن حق المستقبل, ويقول عضو مجلس النواب الاردني حمادة فراعنة الذي وصل بدعم من مخيم الحسين الى البرلمان الاردني, يقول رداً على سؤال لـ (البيان) حول موقف سكان المخيمات بشكل عام من حق التعويض فقال: (لايوجد أي فلسطيني في العالم يحترم نفسه يمكن أن يفكر أو يقبل بحق التعويض, فالجميع مع حق العودة, حتى الجوعى والفقراء لا يقبلون حق التعويض وربما هم أكثر وفاءً لحق العودة من الأغنياء والاثرياء كما ان على المراقبين الحيادية ألا يتذكروا انه لا يوجد على الطاولة الفلسطينية خياري العودة او التعويض والعالم ينتظر منا فقط ان نختار. ويعد النائب الاردني حمادة فراعنة انموذجا على تمتع الاردنيين من اصل فلسطيني بمزايا المواطنة وحقوقها وواجباتها بالاضافة الى ثقل المخيمات وقدرتها على ايصال شخصيات الى عضوية مجلس النواب الاردني وكان فراعنة من المقربين الى الملك حسين الراحل وهو في ذات الوقت مقرب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وعن دور الاردنيين من اصل فلسطيني في مناهضة ما يسمى مشروع الوطن البديل يقول فراعنة هذا المشروع مرفوض اساسا من جانب الجميع واذا قيل ان المستقبل قد يؤدي الى فرض حق التعويض والبقاء في المخيمات, دون حق العودة, وان هذا الفرض الدولي سيؤدي الى مشروع الوطن البديل تلقائيا فأذكر انه لا الفلسطينيين ولا العرب حتى هذه اللحظة يناقشون خيارات للاختيار منها وهناك قضايا اخرى خطيرة كقضية اللاجئين, ومنها قضية القدس والمستوطنات. وهكذا يمكن القول ان سكان المخيمات يواجهون عدة عناوين اساسية في حياتهم واهم هذه العناوين رغبتهم بالعودة فاذا استحالت فإن العنوان الذي يليه هو حق التعويض سياسيا ودينيا, وفي حال فقدان حق العودة للجميع او بخيرة منهم فان حق التعويض يبدو عنوانا مهينا لكرامة الناس, ويشعر سكان المخيمات ان القبول به او الترويج له هو اقرب الى بيع الارض لاسرائيل بالاضافة الى تحريم السياسيين لمثل هذا الحق ومن ناحية وطنية تقابلها ارضية دينية, اما العنوان الثالث فهو خوف اللاجئين في حال حرمانهم من حق العودة ان يشكلوا بمجموعهم طرفا لنقد مؤامرة الوطن البديل على الاردن وهم في ذات الوقت امام خيارات احلاها مر اذ ان هناك قوى وشخصيات تطلب من سكان المخيمات دورا في مناهضة فكرة (الوطن البديل) وهذه المناهضة في بعض جوانبها ونشاطاتها تحوي مخالفات قانونية وخروجا عن اسس التعبير السياسي في الاردن مما يجعل اللاجئون يرفضون نظريا مشروع الوطن البديل, وايضا يفتقدون الرغبة للاتيان بأي تصرف ستفسره قوى قليلة ومحدودة بأنه خروج على الانظمة وتمرد في المخيمات, وبعد كل هذه العناوين.. يبرز عنوان رئيسي وهام هو رغبة عدد لا بأس به من اللاجئين بالبقاء في الاردن وعدم الاستفادة من حق العودة بسبب السمعة السلبية لتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية في مجال حقوق الانسان والهدوء, وهؤلاء يتعرضون الى اتهامات من شتى الاتجاهات تارة بعدم ولائهم لفلسطين وتارة بانهم سيكونون رأس الحربة في تنفيذ مؤامرة الوطن البديل. ويضيف عضو مجلس النواب الاردني النائب خليل وهو مهندس معروف وصل الى البرلمان الاردني بدعم من حي النزهة بالاضافة الى مخيم الحسين للاجئين في عمان. لقد سمعنا عن موضوع الفتوى التي تحرم حق التعويض سواء كانت هناك فتوى ام لم توجد, فلسنا نقبل بحق التعويض وهو ساقط تلقائيا, كون اسرائيل في حال قبول العرب بحق التعويض ستطلب تعويضات مالية عن ممتلكات اليهود العرب التي تركوها خلفهم بالاضافة الى تعويضات عما يسميه الاسرائيليون (معاناة اليهود العرب) ولذلك فانها مجرد احلام, ان نتصور وفقا لاجتهادي الشخصي وجود حق تعويض فاليهود من جانبهم سيخترعون حق تعويض يخصهم وبالتالي وللاسباب الاخرى فإن حق التعويض, حق نظري لن يطبق وسيؤدي الى شرخ جديد بين الفلسلطينيين بين من سيعود وبين من سيفقد هذا الحق اردنيا فإن الموقف واضح فهنا الدولة ضد التوطين وضد خسارة الفلسطينيين لحقوقهم. ويضيف النائب قائلا: اعتقد ان سكان المخيمات يتصرفون كمواطنين اردنيين تماما والملك الراحل وفي مناسبات لا تعد ولا تحصى اكد مواطنيهم حتى تأتي اللحظة التي يقدرون فيها ان يختاروا وبلا شك ودون مبالغة فهم مخلصون للدولة تماما. حزمة الامان الاجتماعي وبدأت الحكومة الاردنية تنفيذ حزمة للامان الاجتماعي لتطوير المناطق الفقيرة والمعدومة وايصال الخدمات لها, في مختلف انحاء الاردن, ومن ضمن هذه المناطق المخيمات بقيمة تزيد على ستين مليون دولار وتعرضت الحكومة الاردنية الى هجوم شديد من جانب عدد من الشخصيات بسبب هذه الحزمة التي اعتبرتها الفعاليات بداية لتوطين اللاجئين في الاردن وان المستهدف الاساسي منها هو المخيمات في حين ان الاتفاق على مناطق فقيرة خارج المخيمات يأتي للتغطية على المستهدف الاساسي وكرست هذه الفعاليات هجومها بوسائل مختلفة. وتبدو الحكومات الاردنية وبأسلوب موضوعي في حيرة من امرها فهي اذا منعت سكان المخيمات من تحويل منازلهم من غرف معدنية قائمة على الصفيح الى منازل مشيدة بالطوب او الحجر, تتعرض الحكومات لاتهامات بأنها تهمل احوال اللاجئين, وهي على الضد من ذلك اذا سمحت لسكان المخيمات بتطوير منازلهم او بناء طابقين تتهم الحكومات ببدء مشروع التوطين وانطلاق مشروع الوطن البديل. تتضمن حزمة الامان الاجتماعي مشاريع لتحسين نوعية الحياة في المناطق الاقل حظا بما في ذلك المخيمات التي تمتاز عموما بالسوء الشديد للطرقات الداخلية فيها, وضيقها بالاضافة الى كون بعضها غير معبد, كما ان عددا كبيرا من المنازل مكون من طابق واحد, مساحته محدودة للغاية وغالبا ما تكون هذه المنازل مقامة من الصفيح, وفي ذات الوقت فإن هناك مخيمات شهدت تحولا في عمرانها الداخلي وتحديداً مخيمات الوحدات, السحين والشهيد عزمي المفتي اذ يشهد المرء منازل عادية وبعضها مكون من طابقين او ثلاثة طوابق, والاراضي الممنوحة لهؤلاء مقدمة من الحكومة الاردنية التي استأجرتها قبل عقود بأسعار زهيدة للغاية, دفعت ملاك هذه الاراضي في السنوات الماضية لدفع دعاوي قضائية على الحكومة الاردنية لاخلاء هذه الاراضي او رفع الايجارات وبرغم ان هذه الدعاوي, خسرها اصحابها إلا انها كانت تحمل معنى سياسيا لكثيرين حين اعتبروها محاولة لاخلاء هذه الاراضي من المقيمين عليها, ودفعهم نحو خيارات جديدة اقلها البحث عن شقق في عمان لاستئجارها في الوقت الذي تعد عمان من اغلى العواصم العربية. وبرغم الهجمات على الحكومة الاردنية بين وقت وآخر بسبب خططها لتحسين الحياة في مخيمات اللاجئين إلا ان هذه الخطط تحظى بقبول ودعم سكان المخيمات خصوصا ان فتح شارع او تعبيد آخر او سقف شبكات المجاري التي كانت مكشوفة في وقت سابق وحتى السماح لاصحاب المنازل بهدمها وبناء منازل جديدة لايعني توطينا بأي حال من الاحوال فالتوطين مرفوض من جانب جميع الاطراف وفي ذات الوقت فإن الحفاظ على حلم العودة الى فلسطين لا يعني العيش في ظروف حياتية صعبة. خارطة المخيمات الاجتماعية وبعيدا عن السياسة وحديث سكان المخيمات عن العودة او التقويض او التوطين وغير ذلك من هموم سياسية ومرورا بمستوى الخدمات المقدم من الاردن منذ عقود لهذه المخيمات وهو جهد لا يمكن انتقاصه يبدو البعد الاجتماعي حاضرا ويمكن القول ان هناك خارطة اجتماعية خاصة لهذه المخيمات تتجلى بتنوع تجارب السكان ففي المجتمع الايراني او الفلسطيني هناك ظاهرة عامة تتعلق بميل ابن المدينة لمجاورة ابن مدينة أخرى أو مشاركته او مصاهرته كذلك الحال ينطبق على ابناء القرى وابناء البادية الاردنية او الفلسطينية في حين ان هذه الظاهرة لا تنطبق على المخيمات فهناك خلط اجتماعي له اثاره السلبية, اذ نجد (المدني) يسكن جانب الفلاح وهذا بجانب (البدوي) وعاطفيا فإن هذا التنوع يمثل وحدة شعبية لكنه اجتماعيا يمثل تضاربا للقيم والعادات الاجتماعية ببيع كل منبت اجتماعي فما يراه ابن القرية عيبا قد لا يراه ابن المدينة عيبا, مما يؤدي الى مصادمات اجتماعية على قاعد تنوع العادات والتقاليد بين سكان المخيمات, كما ان سكن العائلات سابقا في منازل ضيقة, ادى لبروز بعض العادات الاجتماعية السلبية وتعد نسبة الانجاب في المخيمات من اعلى النسب في الاردن ولا يمكن تخيل ارتفاع هذه النسبة في ظل مساحات محدودة للسكن, مما يؤدي في ابسط الاحوال الى فقدان اي زوجين لخصوصيتهم امام الابناء وفي الوقت ذاته فقدان الاطفال لقدرتهم على ممارسة خصوصياتهم الذكورية والانثوية نظرا لتكدس الاطفال ربما في غرفة واحدة ولهذا فإن السماح لسكان المخيمات بتطوير منازلهم جاء فرجا لكثير من الاسر التي بدأت تشعر بمعنى الاستقرار وحصول كل فرد في الاسرة على متنفس كاف. على ذات الصعيد يتميز ابناء الاسر القاطنة في المخيمات بقدرتهم المتميزة على التكيف مع ظروف الحياة, ولعل اكثر ابناء الشعبين الاردني والفلسطيني على حد سواء نجاحا في دول الخليج وغيرها كانوا من ابناء المخيمات كونهم عاشوا ظروفا صعبة وورثوا روحا وثابة لتحدى المستقبل وتطوير انفسهم يتوزع سكان المخيمات من حيث المهن باتجاهين الاتجاه الحرفي حيث يتقن عدد كبير منهم مهناً حرفية في حين ان الاتجاه الآخر تتبع التخصصات التي درسوها في الجامعات او الكليات والملفت للنظر ان نسبة البطالة بينهم تكاد تكون معدومة بسبب قبولهم لاي عمل واستعدادهم لبذل الجهد في اي مجال دون موانع نفسية وشعارهم العيب ان تجلس بلا عمل. عمان ــ ماهر أبو طير