اعرب الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل عن خشيته من الكتاب الجديد الذي يصدر خلال شهور للدكتور بطرس غالي عن تجربته كأمين عام للامم المتحدة . وقال هيكل في مقال نشر له امس في مجلة (الكتب) وجهات نظر بعنوان (بطرس غالي بين الوساوس والحظوظ) , لم اتوقع ان صديقنا القديم الدكتور بطرس غالي سوف يكتب كتابا عن تجربته السياسية, لكنه تجاوز ظنوني عن تجربته كوزير مع الرئيس أنور السادات من سنة 77 الى سنة ,81 ومع الرئيس مبارك من سنة 81 الى 91 اما الكتاب الثاني وهو عن تجربته كسكرتير عام للامم المتحدة من سنة 91 حتى 96 فلم يظهر بعد وان كان بطرس غالي يؤكد انه فرغ منه فعلا, وان نشره لن يتأخر طويلا. واضاف هيكل في مقاله: ان كتاب بطرس غالي (طريق مصر الى القدس قد اساء فيه الى نفسه, والى السادات وقال كان الادق والاصدق ان يكون العنوان (طريق السادات الى القدس ذلك ان السادات ذهب لكن مصر حتى هذه اللحظة لم تذهب الى القدس, وكانت تلك الحقيقة ظاهرة امام بطرس غالي, وكان يكفيه للتأكد منها, ان يتذكر ان الاب الاكبر لكنيسته العريقة, والتي عاشت تاريخها كله, حصنا للوطنية المصرية ـ وقف شامخا وجليلا يحرم على المؤمنين في كنيسته ان يحجوا الى المدينة المقدسة طالما هي واقعة تحت الاسر الاسرائيلي. واوضح هيكل: كان الادق والاصدق ان ينسب العنوان مسؤولية الطريق الى من سافر عليه, وكان المسافر هو انور السادات, واما مصر فأقصى ما ينسب اليها انها لم تمنع سفره على الطريق. ولعلها فوق ذلك تمنت له السلامة.. على ان تلك حكاية اخرى وقال هيكل انه تحفظ على اهداء الكتاب من بطرس غالي الى ذكرى جدي بطرس غالي باشا الذي الهمني اخلاصه لمصر ان اتبع الطريق دون الالتفات للوراء, واشار هيكل الى ان غالي سلم في اكثر من موضع في كتابه (طريق مصر الى القدس) ان جده الاكبر هو ابا كان او خطأ, واقع في مصر تحت ظلال من الشك تمس ــ حق او بدون حق ـ وطنيته, ومع اني شخصيا لست من انصار تخوين الرجل, فان ظلال الشك في الجد كانت اعمق الوساوس في وعي الحفيد, وقد اعتبرها واحدا من العوائق التي وضعتها المقادير امام مستقبله مهما فعل. ويعدد هيكل في مقاله ماجاء به بطرس في كتابه والتي أدت الى ان تكون الصورة عنه في الكتاب مهزوزة الى درجة انه بدا وكأنه لا يعرف حق نفسه.. حيث يتم اختياره وزيرا دون ان يعرف, ويقبل الوزارة دون ان يقول له احد لأي وزارة اختاروه, وحين اخطروه بعد عدة ايام انهم اختاروه وزيرا للدولة فانهم نسوا ان يقولوا له أي اختصاصات اعطوه, وكان شاغله يوم وتوليه الوزارة هو كيف يؤدي اليمين الدستورية امام رئيس الجمهورية, ويلبس نظارته ام يخلعها, ثم يسمع بعد ايام من توليه الوزارة انه ذاهب الى اسرائيل مع رئيس الدولة لان غيره اعتذر وتخلى, ثم يذهب دون ان يعرف اي شيء عن موضوع الرحلة الى القدس. اما حجم الاساءة للسادات في الكتاب, فيقول هيكل عنها انها كانت شديدة القساوة والضراوة, مشيرا الى ما جاء به بطرس بقوله: ان سياسات السادات ادت الى انتهاء قيادة مصر للعالم العربي, وان السادات لا يقرأ ورقة, ولا يبحث شيئا مع مساعديه, وليس له صبر على التخطيط او على التفاصيل, كما انه يرفض اي مناقشة, وان السادات مشى مع الاسرائيليين الى صلح منفرد وهو يعلم ذلك, وان السادات اعطى كل شيء لأمريكا واسرائيل, وعندما جاء الوقت ليأخذ منهم شيئا مقابل ما اعطى اكتشف انه لن يأخذ شيئا. وروى هيكل في مقاله قصته مع بطرس غالي والوساوس التي تحكمه قائلا: ان وساوس بطرس غالي جارية على لسانه لازمة مستعادة, وهو يجملها في عبارة سمعها منه كل اصدقائه تقريبا, مؤداها انه رجل محكوم عليه مقدما ودون استئناف, فهو (مسيحي في بلد مسلم) وهو من عائلة اشتهرت بالخيانة في تاريخ مصر, ثم هو متزوج من عائلة يهودية, ويكشف هيكل: انه حين نقل هذه العبارة في سياق كتابه خريف الغضب توقع ان يغضب بطرس غالي او يعتب عليه, ولكن حين قابله قال له: انني عاتب فعلا, ولكن ليس لما نقلت عني وانما لانك اكتفيت به, ان كل ما ذكرته عني حقائق موضوعية, لكن انتظرت, وقد عملت معك سنوات طويلة ان تضيف اليها شيئا من عندك كما تقول انني (كفء او انني ذكي او اي وصف اخر ينم عن رأيك انت في) . وكشف في المقال عن الاسباب التي دفعت عبدالناصر الى عدم تعيينه عضوا في مجلس الامة, وقال هيكل: حين اقترحت اسمه الى الرئيس عبدالناصر عام 1964 ليكون واحدا من اعضاء مجلس الامة المعينين. وتذكرت انني قلت للرئيس عبدالناصر كل الحقائق بشأنه واهمها انه حفيد بطرس غالي باشا الذي اغتيل بسبب محاولته تجديد امتياز شركة قناة السويس لمدة 50 سنة اخرى, ثم انه متزوج من سيدة يهودية, وان معظم القوانين الاشتراكية طبقت عليه وعلى عائلته. ولم يتوقف الرئيس عبدالناصر كما يقول هيكل امام كل ذلك وحسب اقتراحي مقبولا, لكن عبدالناصر اتصل بي في اليوم التالي وقال لي: هل فاتحت بطرس غالي في شيء واجبته بالنفي, ثم استطرد جمال عبدالناصر.. كون انه حفيد بطرس غالي مسألة لا تؤثر في شيء, فنحن لا نستطيع ان نأخذ الاحفاد بماضي الاجداد, وكون ان القوانين الاشتراكية انطبقت عليه لا يعني اخراجه من الحياة العامة وهو بالفعل استاذ في الجامعة ومعكم في الاهرام, وكون ان زوجته يهودية مسألة لا تزعجني في حد ذاتها ولا تسبب لي حرجا, لكن المشكلة كما ظهر لي في تقارير جاءتني, ان زوجته لها اقارب من الدرجة الثانية على الاقل يعيشون في اسرائيل ويعملون هناك, يضيف هيكل: قلت لجمال عبدالناصر ان تلك مسألة لم أكن اعرفها واستطيع ان افهم تردده حيالها رغم اعتقادي ان بطرس يمكن ان يكون عضوا ناقصا في مجلس الامة خصوصا في اعمال اللجان, وكان ذلك ما تصورته بالفعل له, فقد كان صعبا ان اتصوره متكلما او خطيبا يهز المنبر تحت القبة لان لغته العربية لغة (خواجات, كما كان يقول بنفسه, ثم انه واحد من الناس الذين يتجلى اداؤهم, في الغرف المغلقة, كان الاداء يتعطل اذا وقفوا على مسرح مفتوح. وقال هيكل انه رغم وساوس بطرس غالي الداخلية الا انه كان محظوظا للغاية, حيث عاش على قمة الهرم الاجتماعي المصري ايام الاحتلال البريطاني في اسرة قصورها موزعة بين احياء القاهرة الراقية وشواطئ الاسكندرية الحالمة, كما لعب الحظ دوره الكبير في اختياره للوزارة, ويكشف هيكل انها جاءت بالمصادفة حيث كان الدكتور مجدي وهبة الذي اشرف على رسالة الدكتوراة لجيهان السادات مرشحا لها من قبل جيهان, غير ان الرجل اعتذر لانه اختار موقف المثقف المعتزل, وحين الحت عليه بمقولة ان العائلات القبطية الكبيرة لابد لها من دور في نطاق زوجها (السادات) كان اقتراحه عليها ان تفكر في ترشيح صديقة بطرس غالي فهو على خلافه طامح للمنصب مهيأ له, وقادر عليه, وقبلت جيهان السادات الاقتراح وقد كان. ويقول هيكل ان الحظ لعب دوره الاكيد في اختياره لمنصب الامين العام للامم المتحدة, وذلك بعد تفكير الدول الافريقية ان يكون المنصب من حقها, وتكليف وزراء الخارجية الافارقة يوضع قائمة بخمس مرشحين وعندما وضعت الاسماء لاحظ بعض الرؤساء ان معظم الاسماء في القائمة من الدول الافريقية الناطقة بالانجليزية مع غياب واضح للدول الافريقية الناطقة بالفرنسية, وطلب موبوتو تعديل القائم لكي تضم مرشحين ينطبق عليهم ذلك, ثم توجه موبوتو الى بطرس غالي الذي كان حاضرا هذا الاجتماع بكلمة قال فيها: وانت يا بيير الا تريد ان تضيف اسمك الى القائمة خصوصا وان فرانكفون وانجلوفون وعرب فون ايضا وبعد المفاجأة التي تلقاها بطرس غالي من موبوتو حاول الاتصال بمصر ليخبرهم بالاقتراح ولكن خطوط التليفون كانت معطلة, وفي النهاية لم يجد حرجا في ان يقبل عرض موبتو ويترك اسمه على قائمة الترشيح وفي حالة رفض مصر يمكن له الاتصال تليفونيا لرفع اسمه وبعد عودته رفع مذكرة الى الرئيس مبارك بهذا الموضوع لتعذر مقابلته الشخصية, وكانت تأشيرة الرئيس مبارك على المذكرة بما بمعناه (انه يوافق شرط ان تكون لبطرس فرصة معقولة للنجاح, والا تحول الترشيح الى هزيمة دبلوماسية لا داعي لها) . ويشرح هيكل الظروف العديدة التي ساعدت بطرس غالي في عملية التصويت امام منافسه وابرزهم صدر الدين اغاخان, حيث تبيان الاراء بين الرئيس الامريكي جورج بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر والتي ادت في النهاية الى فوز بطرس غالي بفارق صوت واحد. القاهرة ــ مكتب البيان