اشاد رئيس اركان القوات المسلحة الفرنسية الجنرال جان بيار كالاشي بمستوى التعاون العسكري لبلاده مع دولة الامارات العربية المتحدة. وقال في حوار شامل وصريح لـ (البيان)خلال زيارته الحالية لقطر ان فرنسا لا تنافس الولايات المتحدة عسكرياً في منطقة الخليج ولا تسعى الى طردها مشيراً الى وجود علاقة تكامل تربط بينهما من أجل الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة ومؤكداً في الوقت نفسه وجود خلاف في وجهات النظر خاصة بشأن المسألة العراقية. وتحدث الجنرال كالاشي فى حواره مع (البيان) عن ابعاد العمليات العسكرية الأمريكية الحالية فوق جنوب العراق قائلاً انها لاتجدي كثيراً وقد تعود بفوائد على النظام العراقي وشرح كذلك سبب عزوف بلاده عن الاشتراك في الضربات الجوية ووصف ما يحدث حيال العراق بما يشبه حرب استنزاف قد يكسبها صدام ولن تؤدي الى أي حل سياسي. وتناول رئيس الاركان الفرنسي الموقف داخل الجيش العراقي ومدى قدرته على تهديد جيرانه مجدداً مستبعداً ذلك بسبب ضعف امكانياته العسكرية. وفيما يلي نص الحوار: ما هي طبيعة تعاونكم مع القوات العسكرية الإماراتية؟ ــ لدينا تعاون وثيق جدا مع القوات المسلحة الاماراتية, ونحن نساعد تلك القوات الصديقة على تطوير إمكانياتها بانتظام, وأعتقد أن دولة الإمارات العربية المتحدة, تحاول التوازن في مصادر تسليحها بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا, وربما يكون نصيبنا حوالي 40% من العتاد الحربي الإماراتي, وخصوصا بعد صفقة الدبابات (لوكلار) وأعتقد أن علاقاتنا مع أبوظبي قديمة, وهي تؤتي أكلها على مستوى الثقة, عاماً بعد آخر, فنحن لا نستثمر العلاقات مع أصدقائنا على المدى القصير بل نعول كثيراً على المدى الطويل, وهو ما يحصل مع دولة الإمارات العربية المتحدة. ماهو تعليقكم على مقولة أنه ما من مسؤول عسكري بريطاني أو أمريكي يزور قطر, أو إحدى الدول الخليجية, إلا ويعقبه جنرال فرنسي؟ ــ ولماذا لا يتم شرح ذلك بالعكس, أي أنه في كل مرة يأتي الى المنطقة مسؤول عسكري فرنسي إلا ويتعقبه مسؤول عسكري أمريكي أو بريطاني ويفعل ما في وسعه ليسبقه؟! لكن دعنا نقول ان بيننا وبين دول المنطقة وخاصة قطر برنامج مكثف في مجال التعاون العسكري, كما أن أهمية هذه المنطقة تستدعي أحيانا كثافة الزيارات العسكرية, وإن كان بعضها أهم من بعض, لكن لسنا في سياق المنافسة مع أي كان. سباق تسلح الرأي السائد لدى المراقبين أن هناك نوعاً من المنافسة, وربما ينظر البعض الى رقم 80% من العتاد العسكري القطري, فرنسي, هل هو نوع من الطموح في الحصول على المرتبة الأولى في التسليح؟ صحيح أن 80% من العتاد العسكري القطري, فرنسي المنشأ, لكن كما تعلم, فإن قطر دولة مستقلة, وهى صديقة لفرنسا منذ القديم, لأن السياسة الفرنسية تجاه العالم العربي, وتجاه دول الخليج تخلو من الازعاجات, وعلى أي حال فأنا لا آتي الى هنا لبيع السلاح الفرنسي, فذلك ليس شأني, أنا جئت للمشاركة في رئاسة لجنة عليا عسكرية أنشأناها خلال زيارة وزير الدفاع السابقة الى الدوحة, لتطوير تعاوننا العسكري, وقد طلبت من نظيري القطري أن ينعقد اجتماع اللجنة الأول في الدوحة, حتى أتمكن من التعرف على واقع القوات القطرية على أرض الواقع. إذن, فأنا هنا لاستكمال مشروع شراكة استراتيجية, بدأ منذ سنوات عديدة, ولا شك أنك تعلم بأننا مرتبطون مع قطر بمعاهدة دفاع مشترك, هي التي تبرر زيارات جنودنا الى هنا, سواء من جيبوتي أو أحيانا من فرنسا. استقرار المنطقة هل يراود فرنسا طموح في أن ىأتي يوم تحصل فيه على نصيب الأسد في تسليح كل أو أغلب دول الخليج؟ ــ من الواضح تماما أن الولايات المتحدة الأمريكية هى الضمان الأول لاستقرار منطقة الخليج العربي, وهدفنا ليس مختلفاً عن هدف واشنطن, أي أننا أيضا نسعى لتأمين الاستقرار في المنطقة, لكن ببساطة, لفرنسا قراءاتها المختلفة عن القراءات الأمريكية أو البريطانية, سواء سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا, ولدينا وسائلنا الخاصة بنا في التعامل مع الأصدقاء, ونعتقد أنه إذا كان الأمريكان مثلا يؤمنون بشيء ما, فإن ذلك لا يدعونا بالضرورة الى الايمان به, لكن ذلك لا يعني إطلاقا أننا نريد إخراج الأمريكان من الساحة, بل كل ما نسعى اليه هو نوع من التكامل البناء بيننا وبينهم من أجل أهداف السلام والاستقرار. مراقبة الحظر العراقي حسنا, لننتقل الى ما يدور هنا قريبا منا, يتساءل المراقبون عن نوع من الازدواجية الفرنسية التي قضت بقرار انسحابهم من مراقبة منطقة الحظر الجوي شمال العراق, فيما أبقوا على مشاركتهم في مراقبة الجنوب, كيف تشرح هذا التناقض؟ ــ هو ليس تناقضا, نحن موجودون دائما في المناطق المتاخمة للجنوب العراقي, وبقينا هناك لأننا نعتبر أننا ملتزمون مع حلفائنا لحماية جيران العراق, وخصوصا المملكة العربية السعودية, من كل تدخل جوي عراقي ممكن, ومن كل تحرك عسكري يمكن أن يهدد السعودية أو الكويت, لذلك قرر الرئيس جاك شيراك الابقاء على المشاركة الفرنسية هناك, لكننا في المقابل لا نقوم بأي طلعات هجومية على العراق, وهو قرار سياسي, لأن الرئيس شيراك يعتقد بأن الضربات الجوية, كما حدثت, سواء في عملية ثعلب الصحراء, أو كما تحدث يوميا الان, لا يمكن أن تقدم الحل, بل على العكس يمكن أن تؤدي الى مأزق, ونحن نعتقد أن هذه الضربات يمكن أن تحدث خطورة في تطور الأحداث لايمكن التنبؤ بها, بما يعني مخاطر نزاع مفتوح جديد, وخسائر جديدة لكل الأطراف. لذلك فإن هذه الآلية لاتناسب الطرح الفرنسي, وقد قلنا للأمريكان بأننا لن ننسحب من مراقبة الجنوب, لكننا لن نساهم أيضا في الضربات التي يقومون بها. أما بالنسبة لانسحابنا من القوات المراقبة لشمال العراق, فقد أملته عدة عوامل, أولها أن الطلعات قليلة جدا هناك, كما أنها صعبة وفي أحيان ما, غير واضحة. وعودة الى الجنوب, فقد كنا ملتزمين جدا مع حلفائنا قبل عملية ثعلب الصحراء التي لم نشارك فيها, لكن عدم إيماننا بما حصل حينها, وبما يحصل الان, دعانا للإكتفاء فقط بالقيام بطلعات في الأجواء السعودية, تنفيذا للهدف الأساسي الذي جئنا من أجله, والذي لا نريد تجاوزه. الضربات العسكرية وكيف تقيمون الضربات اليومية الأخيرة التي يوجهها الطيران الأمريكي الى العراق؟ ــ أعتقد أنها ضربات لاضعاف المقاومة الرادارية العراقية, وقد حققت هذا الهدف بالفعل وهى قد تطول لكني لا أرى أية مصلحة في إطالة أمد هذه الضربات. فهل سيصح الحديث حينها عن حرب استنزاف؟ ــ ربما هى حرب استنزاف فعلا, لكن دعني أسأل من جانبي, هل يمكن الإطاحة بصدام حسين بواسطة هذه الضربات؟ لا أعتقد ذلك بالمرة, ولا أرى أية فائدة سياسية لهذه الضربات, سوى تحقيق اهداف عسكرية انية. حرب استنزاف لكن ألا يصح ايضا الحديث عن حرب استنزاف عراقية, قد يجني منها العراق بعض الارباح على المدى الطويل؟ ـ ذلك ليس امرا مستحيلا, فعند نقطة ما, سترتفع اصوات في كل مكان للقول بأن معاناة الشعب العراقي قد زادت من جراء هذه الضربات, وانها لم تحقق شيئا من الاهداف السياسية التي يريدها الناس في المنطقة او في سواها, وبالفعل فقد بدأت هذه الاصوات في الظهور شيئا فشيئا, بما يجعل استفادة العراق منها امرا ممكنا, لكن عموما, نعتقد ان الولايات المتحدة الامريكية بطريقتها هذه في معالجة الازمة العراقية, ليست على الطريق الصحيح, الطريق الصحيح الذي نراه هو اجبار النظام العراقي على الانصياع للارادة الدولية, عن طريق الضغط الذي تقوم به المجموعة الدولية لكي يلتزم بالقرارات الاممية, ولكي يعطي ضمانات للعالم بخصوص مسألة اعادة تسليحه. اختلاف وجهات النظر هل حدثت بينكم وبين الامريكان مشاكل جراء اختلاف وجهات النظر بشأن الازمة العراقية؟ ـ نحن نتكلم دائما وبصراحة مع الامريكان, احيانا يتبادر لأذهان البعض اننا مختلفون جوهريا, لكن الامريكان يعرفون اكثر من غيرهم بأن الفرنسيين حلفاء جديون, وبأنه عندما يكون بيننا اتفاق سياسي فنحن دائما جاهزون للتنفيذ, ولتحمل مسؤولياتنا, لكن عندما لا نكون متفقين معهم, فإنه من الطبيعي القول لهم بصراحة, اننا لسنا معكم في هذا التوجه, ولا تعولوا علينا فيه, واعتقد ان الامريكان تعودوا على اسلوبنا هذا. تهديدات العراق بصراحة, هل تعتقدون ان بإمكان العراق الاستمرار في تهديد جيرانه؟ ـ لا اعتقد ذلك. ابدا. بل اعتقد انها ستكون غلطة سياسية وعسكرية كبرى من طرف الرئيس العراقي صدام حسين معاودة تهديد جيرانه, مثلما فعل في الكويت سنة 1990, وعلى العموم فهو, لم يعد قادرا على فعل ذلك اطلاقا وحسب معلوماتي فإنه لم يعد يتوفر سوى على صاروخي سكود مدفونين في الرمل, قد يكونان فقدا صلاحيتهما بعد, وحتى على مستوى اسلحة الدمار الشامل فإنني لست ميالا للاعتقاد بأنه يمتلكها بعد سنوات الرقابة والبحث التي حدثت في العراق, لكن دعني انبه الى خطورة ما يحدث الآن, إبان توقف عمليات المراقبة بعد عملية ثعلب الصحراء, فالآن بإمكان صدام حسين ان يفعل اي شىء بعيدا عن الرقابة. حسنا كيف تفسرون تهديدات العراق الاخيرة لكل من السعودية والكويت؟ ـ اعتقد انها تأتي في اطار الاستفزاز لاغير, لكني اعتقد ايضا ان التهديدات الاخيرة خطأ سياسي فادح, لان صدام حسين لا يملك الامكانيات لتنفيذها اولا, وثانيا لانها تخلق ردود فعل سلبية لدى الرأي العام العربي الذي يعول عليه في معركته. وكيف تشرحون اصرار القوات الدولية على مواصلة التواجد في منطقة الخليج؟ هل يندرج ذلك في اطار سياسة التخويف؟ ـ لقد قلت ان صدام حسين لم يعد يملك الامكانيات التي تتيح له مهاجمة جيرانه, لكنني اعتقد في ذلك ايضا على الحضور الدولي في المنطقة, فإذا تم نزع كل التغطية العسكرية التي توجد في المنطقة الآن, ربما يمكن لصدام حسين ان يفكر في مغامرة اخرى, اقول يمكن, لأنه لا تزال لديه قوات قادرة على الحاق صداع بدول المنطقة لكن الميزان العسكري ليس لصالحه اطلاقا في هذا الوضع الحالي. اذن انتم مع بقاء القوات الاجنبية طويلا في المنطقة؟ ـ انا مع ابقاء الضغط على صدام حسين, فلا يجب ان نترك له مجالا للتحرك العنيف اذا فكر فيه. الدوحة ــ فيصل البعطوط