أعادت بلدة أرنون فى جنوب لبنان وتطوراتها المتسارعة والتى انتهت بتحريرها بفعل انتفاضة طلابية وشعبية قضية الشريط الحدودى المحتل الى صدارة الاهتمامات التى لم تنزو يوما لما تسجله المقاومة اللبنانية يوميا من بطولات تعبر عن ارادة لبنانية صلبة وعزيمة لاتلين على تحريرالارض وجلاء المحتل الاسرائيلى الغاصب للارض بالاكراه والحديد والنار . ويمتد الشريط الحدودى المحتل على طول الحدود الدولية بين جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة من رأس الناقورة غربا وحتى شمال شرق حاصبيا وكفر شوبا شرقا بالقرب من الحدود السورية وعلى مساحة حوالى 1250 كلم مربعا أى اكثر بقليل من عشر مساحة الاراضي اللبنانية يمتد ما أسمته اسرائيل (منطقة الحزام الامنى ) والذى هو فى الحقيقة ليس سوى حزام الاحتلال لجنوب لبنان . ومرت عملية تكريس واقع الاحتلال الاسرائيلى بمرحلتين الاولى عام 1978 فى أول اجتياح تقوم به اسرائيل للاراضى اللبنانية ردا على عمليات الفدائيين الفلسطينيين فى ذلك الوقت والثانية عام 1982 خلال الاجتياح الثانى الذى وصلت فيه الى بيروت نفسها . واذا كانت اسرائيل انسحبت اثر اجتياحها الاول عام 78 مع الابقاء على احتلال الشريط الحدودى الضيق الا انها وفى اجتياحها الثانى عام 1982 أخضعت كامل جنوب لبنان لقبضتها المحكمة . والى ان حل عام 1985 كانت قوات الاحتلال قد نفذت عمليات اعادة انتشار متتالية تراجعت فيها عن مناطق متفرقة فى الجبل والجنوب والبقاع الغربى لترسم اخيرا حدود احتلالها النهائى على مساحة يتراوح عمقها بين 8 و 20 كلم وهو ما يعرف حاليا باسم الشريط الحدودى المحتل او الحزام الامنى بحسب التسمية الاسرائيلية . وبعد ان كان الشريط المحتل يضم فى مرحلة الاحتلال الاولى 59 بلدة عام 78 فان الشريط المحتل بواقعه الحالى يضم 171 بلدة ومزرعة وقرية عدد سكانها حوالى 350 الف نسمة يخضعون باستمرار لمختلف اشكال القمع والقهر والتضييق يمارسها جنود الاحتلال حينا ومرتزقة الاحتلال من الميليشيا العميلة حينا اخر . وتعانى المناطق اللبنانية المحتلة تدنيا فادحا فى تقديم الخدمات الصحية والتربوية والكهربائية والمائية وتأهيل الطرقات ورغم ثروتها المائية وانهارها العديدة وبينها نهر الليطانى أكبر أنهار لبنان فقد تقلصت المساحات الزراعية فيها وتضاءلت فرص الصناعات الحرفية نتيجة للاحتلال وممارساته الهادفة لتسويق الانتاج الصناعى والزراعى الاسرائيليى . ولم تكتف سلطات الاحتلال الاسرائيلي بالقضاء على المقومات الاقتصادية والبنية التحتية لتلك المناطق بل فرضت اجواء دائمة من الارهاب والترويع لدفع المواطنين الى الرحيل ومن يصر على التمسك بالبقاء فهو دائم التعرض للابعاد والطرد بحجج واهية تندرج عادة تحت ذريعة التعاون مع رجال المقاومة اللبنانية. واذا كان عشرون عاما من الاحتلال لم تحقق اسرائيل من ورائه أى مكسب بل وتحول الى ما يشبه انقلاب السحر على الساحر وسقط منطق المعادلة الاسرائيلية الاحتلال لضمان أمن شمالى اسرائيل بفعل صواريخ الكاتيوشا حتى باتت اسرائيل وكأنها بحاجة الى أحزمة جديدة لحماية قواتها فى جنوب لبنان . وقد حاولت اسرائيل بدء تطبيق هذه الاحزمة الجديدة عندما ضمت بلدة ارنون الى مناطق احتلالها بهدف حماية موقع قواتها فى قلعة الشقيف أو قلعة أرنون وهى قلعة اثرية فوق تلة استراتيجية بناها الصليبيون عند احتلالهم للشرق وتشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال اسرائيل . ولعل اسرائيل أرادت من ضم أرنون تحقيق مجموعة مكاسب دفعة واحدة فمن ناحية توفر حماية مزعومة لقواتها فى قلعة أرنون ومن ناحية ثانية محاولة لارباك العهد الجديد من خلال ايجاد مشكلة جديدة ضاغطة فى وجهه ومن وجهة ثالثة ترضى جموح اليمين الاسرائيليى المتطرف وسط حمى المنافسة الانتخابية . وكان واضحا منذ اللحظة الاولى لضم البلدة ان اسرائيل قد ردت سريعا على كشف اجندة المخابرات اللبنانية لشبكة ارهاب تعمل لصالح المخابرات الاسرائيلية بجانب سعيها المتواصل لفك المسارين السورى واللبنانى بحيث تكون قضية أرنون المدخل الى اعادة اثارة الترتيبات الامنية شرطا لتنفيذ القرار 425 . واذا كانت اسرائيل قد فشلت فى احداث بلبلة داخل لبنان بسبب احتلالها لارنون فان فشلها قد تحول الى هزيمة سياسية ومعنوية نكراء بعد نجاح الانتفاضة الطلابية والشعبية باعادة أرنون الى كنف السيادة اللبنانية لتضاف الى الطعنات المؤلمة التى توجهها لها المقاومة اللبنانية. ا. ش. ا.