أثار مقتل رجل دين شيعي عراقي, وما تردد عن وقوع اعمال شغب من جانب الشيعة قمعتها القوات العراقية بصورة وحشية, مرة اخرى سؤالا كانت الحكومة الامريكية تأمل ان يطويه النسيان وهو: ماالذي يمكن عمله حيال صدام حسين ؟ وسبق ان واجهت الولايات المتحدة هذا السؤال مرات عديدة من قبل لعل اخرها كان في عام 1995 وقبل ذلك في عام 1991. وقد اتسم الرد الامريكي بالعصبية والاضطراب, على غرار تصرفات هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة, مما حير حلفاء واشنطن وأسهم في المذابح التي ارتكبها صدام حسين ضد العراقيين المتمردين لينجو هو في النهاية. ويمكن تلخيص المشكلة في ان صدام حسين ونظام حكمه شنيعان, غير ان البديل وهو احتمال تفكك العراق ربما يكون اسوأ من وجهة نظر جيران العراق مثل تركيا والاردن اللتين تخشيان احتمال نشوب سلسلة من الصراعات يفجر الاكراد شرارتها. ففي نهاية حرب الخليج شجع الرئيس الامريكي جورج بوش سكان جنوب العراق صراحة على الثورة والاطاحة بصدام حسين في وقت كانت فيه القوات المسلحة العراقية في حالة يرثى لها. واستجاب العراقيون لنداء بوش وفقد صدام حسين, وفقا لتقديرات امريكية, سيطرته على نسبة 70 في المائة تقريبا من الاراضي العراقية. وبعد ذلك وحسبما جاء في كتاب (حليف الطغيان) تأليف ديفيد وارمسر الباحث في معهد (أمريكان انتربرايز) المحافظ في واشنطن, اعادت إدارة بوش النظر في ندائها من اجل الثورة وأعطت الضوء الاخضر للعراقيين لاستخدام طائراتهم المروحية القتالية وتم سحق التمرد بعد ان قتلت قوات صدام حسين نحو مائتي الف عراقي. ويرجع التحول في الموقف الامريكي إلى إدراك واشنطن المتأخر لحقيقة ان اختفاء صدام سيعني على الارجح تفكك العراق. ويقول برنت سكوكروفت مستشار بوش لشؤون الامن القومي إن الحل الافضل في عام 1991 كان إسقاط صدام حسين وإقامة نظام عسكري, غير ان ذلك لم يحدث. وفي عام 1995 ساندت الولايات المتحدة تحالفا لزعماء المعارضة يسمى المؤتمر الوطني العراقي, إلا انه سرعان ما بات واضحا ان الثقة غائبة بين اعضاء المؤتمر وأنهم يكرهون بعضهم البعض اكثر من كراهيتهم لصدام حسين مما افقد الحكومة الامريكية اية ثقة في التحالف الذي تسوده الخلافات. وبحسه الفائق للتوقيت, ادرك صدام فقدان واشنطن لحماسها وقام, دون معارضة امريكية جدية, بدخول الجزء الشمالي من العراق وحطم تنظيمات المعارضة التي فر اعضاؤها بالالاف إلى تركيا ثم الولايات المتحدة بوصفهم لاجئين سياسيين. وقد سخر جيمس وولسي, الذي شغل منصب مدير وكالة المخابرات المركزية (سي.أي.أيه) حتى مطلع عام ,1995 من صناع السياسة الامريكيين. وشبه وولسي, الذي كان مطلعا على السياسات خلال عهدي بوش وبيل كلينتون, في كلمة له ــ امام مؤتمر هذا الاسبوع ــ السياسة الامريكية بلعبة الاطفال المسماة (اضرب الخلد) والتي تظهر فيها دمية تشبه حيوان الخلد انفها من باطن الارض ثم تحاول تفادي ضرب اللاعبين لها على انفها. ويعتقد وولسي ان تلك السياسة القصيرة النظر ادت إلى سلسلة من محاولات الانقلاب الفاترة بمساندة المخابرات المركزية, كان مصيرها جميعا الفشل. ويرى ان الحل الوحيد هو الاعتراف بحكومة عراقية في المنفى وتجميد جميع ارصدة صدام حسين في الخارج ومنع صادرات العراق البترولية, ولكن كل تلك الاجراءات لا تضمن النجاح لان جواسيس صدام قد اخترقوا كافة التنظيمات المعارضة بقوة. ومن جانبه يعتقد وارمسر ان سحب المساندة الامريكية للمؤتمر الوطني العراقي كان خطأ ايا كانت درجة عناد وصلف اعضاء المؤتمر. ويشير إلى انه يتعين على الولايات المتحدة بناء سياستها على القبائل العراقية التقليدية, لان إزاحة صدام وحده لن يغير طبيعة النظام العراقي الذي اصبح في حد ذاته اداة لبث الرعب في نفوس المواطنين العراقيين في المقام الاول. ويعتقد وارمسر ايضا ان الفارق بين نظام شمولي يبدو متماسكا مثل النظام العراقي والانهيار التام ضئيل للغاية, لان احدا بمن فيهم النظام نفسه لا يدرك مدى عمق مشاعر المعارضة. ويضرب الرجل وغيره من الخبراء مثلا بأنظمة مماثلة في شرق اوروبا مثل رومانيا على سبيل المثال, حيث بدا في يوم ما ان نظام شاوشيسكو غير قابل للتحطيم ولكن بعد مظاهرات قليلة في الشوارع تداعت حكومته وتم إعدام نيكولاي شاوشيسكو نفسه رميا بالرصاص. ولعل الفارق هو ان صدام حسين اثبت مرارا قدرته على النجاة من انقلابات اطاحت بحكام اقل مكرا مثل الرئيس الروماني. ــ د.ب.أ القاهرة ــ مكتب البيان