لاشك أن هناك تحركات دبلوماسية نشطة تتم حالياً من أجل انهاء الأزمة الليبية الغربية, وغلق ملف (لوكيربي) الذي تم فتحه عام 92 عندما تم اتهام ليبيا بأنها كانت وراء اسقاط الطائرة الامريكية (بان امريكان) فوق قرية لوكيربي باسكتلندا.. هذه التحركات والتي تقوم بها أطراف عديدة عربية وغير عربية ــ يرى الكثيرون أنها تعتبر المنعطف الأخير في القضية وانه من المنتظر ان يتم قريبا التوصل لاتفاق نهائي بين الجماهيرية والولايات المتحدة وبريطانيا لحل الأزمة, بعدما يتم تذليل اخر العقبات التي يتم التفاوض بشأنها حالياً.. (الملف السياسي) التقى بالسفير أحمد بن حلي الأمين العام المساعد للشؤون العربية بجامعة الدول العربية في حوار حول الدور الذي لعبته ومازالت تلعبه الجامعة العربية لحل هذه الأزمة ورأيه في الانتقادات الموجهة اليها, وتوقعاته بالنسبة لحل الأزمة, وتعليقه عما يتردد من أن المحاكمة ستكون بداية لمحاكمة النظام الحاكم في ليبيا؟ غير صحيح بالمرة - هناك من يرى ان جامعة الدول العربية لم تقم بالدور المطلوب منها لحل أزمة لوكيربي, فما هو تعليقكم على ذلك؟ - - هذا غير صحيح بالمرة فالجامعة العربية ومنذ عام 92 وهي تولي هذه القضية اهتماماً غير عادي فقد صدر عن مجلس الجامعة نحو 17 قراراً يتعلق بها بمعدل قرار في كل دورة انعقاد للمجلس.. وقد تمثل موقف الجامعة العربية منها ومنذ البداية في دعم ومساندة الموقف الليبي والبحث عن مخرج لهذه الأزمة, وحرصت الجامعة على أن يكون تحركها الدبلوماسي لحل الأزمة يتخذ عدة محاور كان أهمها التنسيق التام مع المنظمات الاقليمية الأخرى مثل منظمة الوحدة الأفريقية, ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة عدم الانحياز, فقد كانت هناك لقاءات تتم بين اللجنة السباعية التي شكلتها الجامعة العربية لمتابعة اخر تطورات الأزمة, وبين اللجنة الخماسية الافريقية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لتنسيق المواقف ــ كما كانت هناك اتصالات مستمرة بين الامين العام للجامعة الدكتور عصمت عبدالمجيد والأمين العام لمنظمة الوحدة الافريقية بدليل عندما اقترحت الجامعة بعض الحلول لانهاء الأزمة ومنها محاكمة المتهمين الليبيين المشتبه في تورطهما بتفجير الطائرة الأمريكية (بان امريكان) في دولة محايدة وفقاً للقانون الاسكتلندي, وافقت منظمة الوحدة الافريقية عليه وتم إرسال خطاب مشترك من المنظمتين الى مجلس الأمن يطالب بتبني وبحث المنظمة الدولية لهذا المقترح, كما تم التنسيق بين الأمين العام للجامعة العربية والأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي ورئيس اتحاد البرلمانات العربية ليرسل الأخيران نفس الرسالة الى مجلس الأمن.. كما حرص الدكتور عبدالمجيد في كل مقابلاته مع الطرفين الأمريكي والبريطاني وفي كل المحافل الدولية واللقاءات الثنائية عن أن تكون قضية لوكيربي هي المحور الأساسي للمناقشات مع تبني الموقف الليبي على طول الخط, اضافة الى الاتصالات التي أجراها مراراً وتكراراً الأمين العام للجامعة مع المنظمة الدولية وامينها العام لاتخاذ موقف فعال لحل الأزمة.. وفي عام 97 صدر أهم قرارات الجامعة العربية المتعلقة بالأزمة والذي دعا الى محاكمة المتهمين في مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي وفق القانون الاسكتلندي ودعوة الدول العربية الى اتخاذ الاجراءات ومواصلة الجهود اللازمة للتخفيف من حدة الحظر المفروض على الجماهيرية لحين التوصل الى حل للقضية, وتتمثل هذه الاجراءات في إعفاء بعض الرحلات الجوية من الحظر المفروض على ليبيا مثل الرحلات الجوية الخاصة بالأغراض الانسانية, ونقل العمالة ونقل المساعدات, والرحلات ذات الطابع الديني مثل رحلات الحج وزيارة الاماكن المقدسة, والرحلات التي تقل القيادات السياسية. ضمانات كافية - ولكن رغم كل هذه الجهود التي تتحدثون عنها فقد اصيب الرأي العام العربي بخيبة امل كبيرة عندما لم يتخذ مجلس الجامعة في دورته الأخيرة قراراً برفع الحظر نهائيا عن ليبيا وكما فعلت منظمة الوحدة الأفريقية؟ - - لقد اتخذت منظمة الوحدة الأفريقية قرارها الخاص بإنهاء الحظر الجوي المفروض على ليبيا من جانبها في شهر يونيو عام 98, وانعقد مجلس الجامعة العربية في دورته الأخيرة في سبتمبر, وكان من المفروض ان يتخذ المجلس نفس القرار الذي اتخذته منظمة الوحدة الافريقية ولكن الذي حدث هو ان الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا قد فاجأتا الجميع في شهر اغسطس وقبل شهر واحد فقط من مجلس الجامعة, بالموافقة على محاكمة المتهمين الليبيين في دولة محايدة وفقاً للقانون الاسكتلندي اي أنهما وافقتا على نفس المقترح الذي تقدمت به الجامعة العربية من قبل, لذلك كان لابد لنا في مجلس الجامعة من الترحيب بهذه الموافقة الامريكية البريطانية, وطالبنا بعد ذلك بأن تكون هناك ضمانات كافية وترتيبات واضحة لاجراء محاكمة عادلة ونزيهة للمتهمين, وأن تتعلق هذه الضمانات بكل مراحل المحاكمة ويكفل للمتهمين الاتصال بذويهم, وممارسة شعائرهم الدينية, وعدم اجبارهم على الاعتراف, وان تكون المحاكمة علنية, والاتفاق على مكان قضاء العقوبة في حال ادانة المتهمين, وأكدنا في قرارنا أن يلغى الحظر فوراً عن الجماهيرية الليبية بمجرد تسليم المتهمين, وليس مجرد تعليق العقوبات كما تطالب الاطراف الأخرى.. كما واصل الأمين العام للجامعة العربية جهوده بأن استقبل ممثل أسر الضحايا في مكتبه بالجامعة وأطلعه على الموقف العربي والليبي من القضية وقد استغل ذلك الأمين العام للضغط على الجانب البريطاني لتفعيل القضية, كما لعبت المجموعة العربية في الأمم المتحدة وخاصة عندما كانت مصر عضواً في مجلس الأمن, دوراً كبيراً في تحريك القضية, وطلبت من مجلس الأمن تعليق العقوبات عن ليبيا فور صدور قرار محكمة العدل الدولية بأحقيتها في نظر القضية وكان ذلك في فبراير 98, أي أن الجامعة العربية وجميع المسؤولين فيها لم يدخروا وسعاً في بذل كل الجهود الممكنة من أجل حل الأزمة ولقد سافرت أنا ومعي وفد من الجامعة العربية وأكثر من مرة للتنسيق مع الأخوة في ليبيا من أجل حل الأزمة.. لقد بلغ من حرص الدكتور عبدالمجيد على الطرف الليبي ان طرح فكرة ان تكون المحاكمة وفقا للقانون الاسكتلندي, لأن هناك ميزة قانونية في هذا القانون وهي أنه يحتوي على ثلاثة احتمالات مذنب, غير مذنب, لم تثبت عليه التهمة, اما القانون البريطاني فهو يحتوي على احتمالين فقط مذنب, غير مذنب, كما ركز الأمين العام دائماً على أن يؤكد في كل تصريحاته ولقاءاته المتعلقة بالأزمة ان قرارات مجلس الأمن التي صدرت بخصوصها بنيت على حجج غير قانونية لأنها قضية انسانية تتعلق بموضوع طيران, أما مجلس الأمن فهو يحكم في قضايا الأمن والسلم.. الجامعة ترى عدم شرعية هذين القرارين اللذين صدرا عن مجلس الأمن لأنهما بنيا على أخطاء.. لقد قام الأمين العام للجامعة بدور المحامي للشعب الليبي ضد الحظر الجائر والظالم الذي وقع عليه ولم يترك فرصة الا وقام بطرح القضية وطالب برفع الضرر الواقع على الشعب الليبي الشقيق. جهود جبارة - ما هي رؤيتكم لطبيعة الدور المصري في دعم الموقف الليبي فيما يتعلق بقضية لوكيربي؟ - - الدور المصري جاء فعالاً وقوياً بالنسبة لأزمة لوكيربي وخصوصاً عندما كانت مصر عضواً بمجلس الأمن.. لقد بذلت مصر جهوداً جبارة لمنع صدور قرارات دولية تزيد من العقوبات على ليبيا, فقد كانت على طول الخط بمثابة الحائل امام أية محاولات لفرض عقوبات جديدة على الشعب الليبي.. كما كان لدور الرئيس مبارك الأثر البالغ في دعم القضية وذلك بالتنسيق مع الأطراف العربية الأخرى من أجل إظهار التكاتف والمساندة للموقف الليبي. كفاءة عالية - ما هو تقييمكم للكيفية التي تعاملت بها ليبيا مع الأزمة؟ - - لقد أدارت ليبيا الأزمة بكفاءة عالية ورؤية صائبة واستفادت من عدالة موقفها في مختلف المحافل والمستويات ولذلك كان هناك تجاوب عام بالنسبة لموقفها, لدرجة أنها استطاعت ان تجعل كلاً من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تشعران بالعزلة حتى داخل مجلس الأمن ولولا حق الفيتو الذي يتمتعان به لانتهت الأزمة منذ فترة طويلة بسبب عدالة الموقف الليبي.. كما كان للجماهيرية فريق عمل منسجم استطاع ان ينسق مع المنظمات الدولية والاقليمية من أجل ايجاد الحلول لهذه الأزمة. - هل يمثل طي ملف القضية بداية لرفع العقوبات عن بقية الدول العربية وظهور مناخ جديد في المنطقة؟ - - بدون شك عندما تتم تسوية هذه القضية ستكون هناك سابقة بالنسبة لكيفية التعامل مع موضوع العقوبات وسيكون هذا النموذج مثلاً يحتذى به, من الممكن استثماره للتعامل مع العقوبات المفروضة على الدول العربية الأخرى في المستقبل, بل وستكون درساً للقوى الكبرى المهيمنة على الأمور بحيث لا تقبل على مثل هذه السياسات مستقبلاً.. ونأمل ان تكون هناك قراءة جديدة لكيفية ضبط العلاقات الدولية ومن منطلق الاحترام الكامل للمواثيق والالتزامات الدولية وبالذات ميثاق الأمم المتحدة. ومن الممكن أن يبنى على الحديث وفي حدوث اصلاحات في الأمم المتحدة وتشكيل مجلس الأمن. - هناك رأي يقول ان المحاكمة في حال انعقادها ستكون بمثابة بداية لمحاكمة النظام الليبي فما هو رأيكم في هذا الموضوع؟ - - هذا أمر مستبعد فالضمانات التي وضعت ويتم وضع اضافات عليها حالياً لا تتحدث عن مثل هذا الموضوع, المحاكمة ستكون للمتهمين فقط وتختص بقضية واحدة وهي لوكيربي ومن المنتظر عدم التطرق لأمور اخرى, وقد تم حسم ذلك من خلال الرسائل التي تمت بين الجماهيرية والأمريكان. لقد كانت ليبيا حريصة ومنذ البداية على الحصول على كل الضمانات الممكنة وبحيث لا يتم استغلال هذه القضية لخدمة اغراض اخرى. تحقيق الحل النهائي - أخيراً ما هي توقعاتكم بالنسبة لتطورات الأزمة خلال الفترة المقبلة؟ - - نحن في انتظار ما ستسفر عنه جلسة مجلس الأمن الخاصة بمراجعة العقوبات المفروضة على ليبيا ونتطلع أن يتم تذليل العقبتين المتبقيتين واللتين تحولان دون تحقيق الحل النهائي للقضية وهما رفع الحظر والعقوبات فوراً عن الجماهيرية الليبية بمجرد تسليم المتهمين المشتبه في تورطهما في تفجير الطائرة الأمريكية, وأن يتم الاتفاق على مكان قضاء العقوبة في حال إدانة المتهمين, فالجماهيرية الليبية ترى ان يتم قضاء العقوبة في الجماهيرية او في لاهاي مع توفير الضمانات التامة لحماية ورعاية المتهمين, اما الاخرون فيرون ان يتم قضاء العقوبة في اسكتلندا, ومازال هناك حوار متواصل حول هاتين العقبتين وتقوم المملكة السعودية ومعها جنوب افريقيا باتصالات مكثفة من أجل التوفيق بين الطرفين والوصول الى حل يرضي الأطراف المختلفة, ونأمل ان يتم ذلك في وقت قريب حتى تنتهي الأزمة الليبية وتتنفس الشعوب العربية ومعها الشعب الليبي الصعداء, وخاصة ان انتصار ليبيا في هذه المعركة الدبلوماسية, هو انتصار للحق والعدل ولدول العالم الثالث. القاهرة ــ البيان