لاشك ان الحصار الدولي الذي فرض على الجماهيرية الليبية بقرار من الولايات المتحدة الامريكية, منذ العام 1992, عكس ظلاله السوداء القاتمة على حياة المجتمع الليبي على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية للافراد . ولعل اظهار استمرار حالة الحصار المروعة والتغني بها, على الجماهيرية الليبية بأنه انتصار للشعب الليبي هو مجرد حالة من الغبن, تلحق أشد الضرر في التطور الطبيعي للمجتمع الليبي. خاصة وأننا ندرك ان الولايات المتحدة وصنوتها بريطانيا, بعد التغيرات الكونية الدراماتيكية, قد دأبنا على خلق وافتعال الكثير من الأزمات للكثير من دول العالم الثالث الغنية بثرواتها, كمحاولة للسيطرة على مقدراتها والحد من تطورها الطبيعي. وعلى ما يبدو ان قضية لوكوربي قد جاءت في هذا السياق, لتشكل (شعرة معاوية) بالنسبة للسياسة الامريكية ــ البريطانية, بهدف ابتزاز ليبيا وعزلها عن محيطها العربي والاسلامي سعياً لالحاقها بالمشروع الامريكي المرسوم لمنطقة الشرق بشكل عام وإذا تعذر ذلك الامر. تبقي على الحاق المزيد من الضرر الكبير في البنية التحتية عبر استخدامها لهيئة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي في توسيع دائرة الحصار ليطال الرقابة على كل المواد الاساسية التي يحتاجها المجتمع الليبي في عملية البناء والخدمات, كمقدمة لربط (ليبيا) قسريا بعجلة الاقتصاد الامريكي خاصة وانها تمتلك مخزونا نفطياً هائلاً, والذي يعتبر هو الاخر هدفاً من الأهداف السياسية المعلنة. كونه يخدم التصورات والمشاريع الامريكية المبيتة لمستقبل المنطقة برمتها والذي يؤسس الى جعل الدول العربية معازل لا يربط بعضها الاخر, حتى خيط العنكبوت, لادامة الابتزاز السياسي للدول العربية الفقيرة ذات الكثافة السكانية, وعدم فسح المجال لها الاستفادة من أسواق العمل العربية الغنية. وقد لا يخفى ما جاء في تقرير المفوضية الاوروبية الذي تم تقديمه الى قمة برشلونة في يونيو 1992: (ان مغرباً مهمشاً سوف يكون مغرباً غير مستقر. وبذا فان ارتباطاً طويل المدى للاقتصاد المغاربي بالاقتصاد الاوروبي هو العملية الوحيدة التي تجعل اقتصادات هذه الدول تتجاوز تأخرها, ولا يمكن ذلك الا اذا استطاعت الافكار المغاربية تجاوز منطق التعاون في التنمية الموروث عن السنوات الماضية الى منطق الشراكة السياسية والاقتصادية) . ولهذا واجهت البلدان المغاربية بشكل عام وليبيا والجزائر بشكل خاص ضغوطاً مكثفة احداها بعملية التفتيت المنظم والاخرى بادامة الحصار وفرض الحظر الجوي منذ أكثر من سبعة سنوات, باسم الامم المتحدة بسبب عدم انصياع ليبيا لتسليم المتهمين الليبيين بتفجير الطائرة الامريكية (بان امريكان) , عبدالباسط المقرحي والامين مخيمة للسلطات القضائية الاسكتلندية. على الرغم من إعلان محكمة العدل الدولية عن أهليتها للنظر في قضية لوكربي الذي يعد كافياً لالغاء قرار الحظر بصورة تلقائية, ولعل المسائل الفنية والفقهية القضائية المتعلقة بفرض الحظر اقرت بطلان فرض الحظر وتعارضه مع ميثاق شيكاغو الذي تقول المادة الرابعة منه: (كل دولة عضو في المنظمة العالمية للطيران المدني توافق على عدم استغلال الطيران المدني لاي غرض لا يتمشى مع أهداف هذا الميثاق) . كما وتبين المادة 44 الفقرة (F) من ميثاق شيكاغو: (التأكد من حقوق الدول الأعضاء, وان كل دولة تجد الفرصة العادلة لتسيير رحلات جوية عالمية) . لكن رغم ذلك تجاهلت الولايات المتحدة كل المواثيق والاعراف الدولية وفرضت عقوبة الحصار ضد ليبيا وحرمتها من تسيير رحلاتها الجوية على المستوى العالمي ومنعت الرحلات باتجاه ليبيا, وهي ماتزال عضواً في المنظمة العالمية للطيران المدني وعضواً في الامم المتحدة. ومن باب الانصاف للمواقف الليبية فانها قد استفادت من هذه المواثيق والقوانين وادارت صراعها بشكل مسؤول وبناء, وابطلت الحظر جزئياً مع محيطها الافريقي الذي اقر ببطلان الحظر من دون ان تثير الصخب والضجيج او أي نوع من المساءلة من قبل الامم المتحدة, لانعدام المواد القانونية او القضائية التي تدين الدول التي اخترقت الحظر في كل من ميثاقي وارسو وشيكاغو, كذلك قانون الطيران المدني العالمي. وقد أحرجت بريطانيا وأمريكا في موقفيهما المتصلب السابق الذي يطالب بالمتهمين الى السلطات القضائية في بريطانيا وقبلت ان تكون محاكمتهما في هولندا ولكن بشرطين اساسيين: اولاً: ان يكون القضاة اسكتلنديين وان تتم المحاكمة بموجب القانون الاسكتلندي. ثانياً: ان يستمر الحظر الجوي على ليبيا حتى يتم تسليم المتهمين للسلطات الهولندية. ولعل هذا التراجع الواضح قد أضعف من الحجج الامريكية البريطانية, وأظهر المواقف العدوانية السافرة ضد مصالح الامة العربية, متجاهلين الطائرة المدنية الاسرائيلية التي سقطت في هولندا المحملة بمواد اولية تستخدم في صناعة المتفجرات والغازات السامة ومنها 240 كغم من مادة ديميثيل ميثيلفوسفونات المعروفة باسم DMMP, وهي المكون الاساسي لغاز السارين الذي يعتبر اكثر الغازات السامة خطراً على وجه الارض وهو يتجاوز بخمس مرات قوة غاز الاعصاب المحرم دولياً. ناهيك على أنها أحدثت اضراراً كبيرة في مجمع بيلمير السكني الذي يضم مجموعة كبيرة من البنايات الشاهقة التي يقطنها المهاجرون في الغالب. والتي اودت بحياة 1580 شخصاً حسب اعلان مدينة امستردام. بالاضافة الى ذلك فقد بدأت الشروط الليبية المدعمة عربياً وافريقياً تظهر بشكل واضح في مجرى الأحداث, وعلى ما يبدو ان شروط الحكومة الليبية قد حظيت على موافقة امريكا وبريطانيا في أن الادعاء في محاكمة المتهمين لن يحاول ان يورط الحكومة الليبية في تفجير الطائرة الامريكية. وقد نسب الى احد الموفدين الذين يفاوضون لانهاء ملف لوكربي (ان فريق الادعاء لن يستطيع ان يضع هدفاً له النيل من النظام الليبي) . وهذا ما أكده عصمت عبدالمجيد امين عام الجامعة العربية بانه حقق تقدماً لجهة ضمانات حماية حقوق المتهمين وعدم التطرق لموضوعات خارج هذا الاتهام. وان ثمة تغيراً قد حدث في الموقف البريطاني ــ الامريكي, وأنه مجرد القبول بمحاكمة الليبيين خارج اسكتلندا هو انتصار للدبلوماسية العربية. وقد تراجعت الدبلوماسية البريطانية عن جزء كبير من مطالبها, وباتت تحرص على تجنب كل ما يمكن ان يبدو تصعيداً او تعكيراً للأجواء والتقدم الذي يحرز في هذه الازمة. ومن نافلة القول انه مجرد قبول الوساطة السعودية, الجنوب افريقية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في ظل اختلال موازين القوى على المستوى الكوني يعتبر انتصاراً كبيراً لادارة الازمة من قبل الليبيين والعرب. ولعل ما دفع روسيا والصين وفرنسا كأعضاء دائمي العضوية في مجلس الامن, على عدم القبول بتشديد العقوبات على ليبيا, والتأكيد على رفع الحظر فور تسليم المتهمين, يلغي التخوف من الجانب العربي عموماً وليبيا خصوصاً من النوايا المبيتة من قبل بريطانيا وأمريكا ضد النظام في ليبيا. وان الاتفاق الخطي الذي طالبت به ليبيا بدأت تظهر ملامحه الايجابية في تصريحات الامين العام للامم المتحدة (كوفي عنان) قبل تسليم المتهمين. وان الكرة بدأت ترتد الى الملعب الامريكي ــ البريطاني, اللذين حاولا منذ البداية على القاء التهم جزافاً على الحكومة الليبية دون أي دليل يذكر على تورط الليبيين في هذه العملية. خاصة وان استاذ القانون الاسكتلندي في جامعة ادنبرة البرفسور (روبرت بلاك) ومعه خبراء, قانونيون اسكتلنديون اخرون, اشترطوا عدم الكشف عن اسمائهم بسبب ارتباطهم بالقضية, يؤكدون صعوبة, لا بل استحالة اثبات التهمة على الليبيين, بالرغم من تجنيد (الادعاء) عشرات المحامين اللامعين لنسج خيوط القضية بشكل محكم ضدهما. وقد بدأ يرى خبراء قانونيون ان تسوية قضية لوكربي قد توفر (نصرين) لليبيا: رفع العقوبات عنها واثبات براءة مواطنيها من التهمة, ما سيعني ادانة مباشرة للولايات المتحدة وبريطانيا اللتين ضغطتا لفرض العقوبات على ليبيا منذ العام 1992, والذي تسبب لها بخسائر قدرت حتى نهاية 1997 فقط قرابة ثلاثين مليار دولاراً. وهذه خسائر عينية لا تحسب فيها تلك المضاعفات بعيدة المدى كما اشرنا على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماهيرية الليبية.