أزمة (لوكيربي) هي نتاج طبيعي للخلل الكبير الذي أصاب موازين القوى العالمية في ظل سياسة هيمنة القطب الواحد السائدة على الساحة الدولية منذ مطلع التسعينات في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي , هذه السياسة التي تستخدم وتتبع أساليب ضغط وقهر للشعوب وللأنظمة الحاكمة لها لم تكن لتتخذ في ظل توازن القوى الذي ساد العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وعلى مدى أربعة عقود مستمرة. القانون الدولي وقد اتخذت اساليب الضغط التي اتبعتها القوة المهيمنة على الساحة الدولية, وهي الولايات المتحدة الأمريكية, أشكالاً متعددة يمكن القول أنها منافية ومخالفة لأهم مبادئ القانون الدولي. مثل مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية, واحترام سيادة الدول على أراضيها ومواطنيها, ومبدأ حل المنازعات بالطرق السلمية وغيرها من المبادئ الأساسية التي جرت عليها ووضعتها أعراف المعاملات والعلاقات الدولية. وفي ظل هيمنة القطب الواحد أصبح من السهل فرض العقوبات على الدول ومحاصرتها داخل اراضيها, وحرمانها من استخدام أجوائها الجوية وطيرانها المدني, وتجميد ارصدتها في البنوك, وغير ذلك من العقوبات التي وصلت الى درجة الاعتداء على الدول وضربها بالطائرات والصواريخ وقتل أبنائها وهدم بيوتها ومنشآتها وغير ذلك من الأشياء التي لم يكن يتوقع مشرعو القانون الدولي أن ترتكب يوما ما باسم القانون. عقوبات متنوعة وقد وقع حادث لوكيربي المتمثل في سقوط طائرة الركاب المدنية التابعة لشركة (بان امريكان) عام 1988, وبدأت الأزمة بالفعل بعد صدور قرار المحلفين في محكمة بولاية كولومبيا في 14 نوفمبر عام 1991 باتهام مواطنين ليبيين بارتكاب الحادث, وبدأ بعد ذلك مسلسل لوكيربي الذي دام حتى الان بين مد وجزر مقرونين بتصميم وإصرار من واشنطن ولندن على تسليم المتهمين الليبيين للمحاكمة, وتوالت العقوبات على ليبيا بدءاً بتجميد الأموال والأرصدة والموارد الليبية في الخارج, ثم فرض الحظر على ليبيا في استيراد الآلات والمعدات الصناعية وحرمانها من الحصول على تراخيص صناعات اجنبية, ثم فرض حظر التعامل على الدول مع خطوط الطيران الليبية وإغلاق مكاتبها في كل أنحاء العالم وحظر أية معاملات تجارية مع الطيران الليبي, والامتناع عن تقديم أية خدمات هندسية او صيانة او تمويل للطائرات الليبية سواء على اراضي ليبيا او خارجها, وأكثر من ذلك اعطت العقوبات الحق لاي دولة او جهة او حتى افراد اجانب في عدم الالتزام بأي حقوق عليهم للسلطات الليبية او لمواطنين ليبيين يديرون مشروعات تتعارض مع تنفيذ العقوبات, هذا الى جانب عقوبات اخرى مثل الحظر الجوي وغيرها. ولمصلحة الشركات العالمية والامريكية منها خاصة استثنت العقوبات عمليات بيع وتوريد النفط ومنتجاته والغاز الطبيعي. لا مساعي ولا وساطة والملفت للنظر ان كل هذه العقوبات التي تضمنتها قرارات مجلس الامن الدولي 731, 748 وما تلاها من قرارات صدرت ليس بناء على إدانة كاملة وثابتة ولكن فقط بناء على قرار اتهام صادر من محكمة خاصة في ولاية امريكية, وهو الامر الذي يعكس عمليات التغييب الكامل للقانون الدولي وللدور الحقيقي والمحايد للمنظمات الدولية. والغريب في الامر هنا ايضاً انه في الفترة الأولى لتصعيد الأزمة وحتى عام 1995, لم تشهد الساحة أية مساع دولية لا من دول ولا من منظمات دولية ولا من أية جهة تساعد على حل الأزمة, بل على العكس التزم الجميع الصمت بما فيهم مجلس الامن الدولي الذي ذهب يصدر قرارات مؤيدة لمطالب واشنطن ولندن, هذا على الرغم من أن النظام الليبي لم يتشدد ولم يتعنت بل قدم الكثير من التنازلات والمساعي وأعلن موافقته على قرارات مجلس الأمن الدولي واستعداده لتنفيذها, وأعلن أيضاً ادانته لكل أشكال الارهاب وقطع علاقاته مع أي جهة مشتبه في تعاملها مع الارهاب الدولي بكافة اشكاله, وأعلن استعداده لتوقيع اشد العقوبات على كل من يثبت عليه من مواطنين تعاملهم مع الارهاب الدولي, وأكثر من ذلك وافقت ليبيا على السماح للجان تفتيش دولية بدخول اراضيها للتأكد من عدم وجود أي جهات او مراكز لإيواء او تدريب الارهابيين. كل هذا ولم يحرك المجتمع الدولي مساعيه لحل الازمة سلمياً ولم تتقدم دول من بعيد او قريب للوساطة في حل الأزمة. تهديدات من واشنطن وامام الضغوط المستمرة والتهديدات واستمرار العقوبات لجأت ليبيا للمحكمة الدولية عام 1992 تطلب منع واشنطن من اتخاذ أية أعمال مضارة لاجبارها على تسليم المواطنين المتهمين, ورفضت المحكمة طلبات ليبيا, وعندما عادت المحكمة لنظر الموضوع عام 1997 هددت واشنطن علناً بأنها لن تعير أي اهتمام لقرارات مجلس الأمن اذا وافق على اختصاص المحكمة الدولية بنظر القضية, وتصاعدت بذلك حدة الأزمة ووصلت الى طريق مسدود. وزادت الضغوط الامريكية والبريطانية على ليبيا, وزادت معها تنازلات ليبيا التي وصلت الى درجة الموافقة على تقديم المتهمين للمحاكمة امام محكمة محايدة, ووافق اهالي ضحايا الطائرة على هذا العرض, ولكن واشنطن اصرت على موقفها وصممت على تسليم المواطنين الليبيين لها لمحاكمتهما أمام محاكمها رغم موافقة ليبيا على محاكمتهما امام محكمة في اسكتلندا وعرضت تعويضات على أسر ضحايا الحادث تصل الى ثلاثة ملايين دولار عن كل ضحية, ووافقت اسر الضحايا ورحبت بالعرض كثيراً, وأكثر من ذلك صرح (جيم سوير) المتحدث باسم اسر الضحايا البريطانيين بأن التعويضات التي تعرضها ليبيا لأسر الضحايا مجدية جداً وتكفي تماماً لحل الأزمة, وأنه لا يرى أي مبرر لاستمرار الحكومة البريطانية في رفض العروض الليبية, وأن تعنت واشنطن ولندن مع ليبيا لن يفيد اسر الضحايا في شيء ولن يعوضهم عن التعويض المغري والعادل الذي تعرضه ليبيا. ولم يحرك كل هذا ساكناً لدى واشنطن ولندن اللتين استمرتا في ضغوطهما وفرض العقوبات على ليبيا. بداية الاعتراضات ومع استمرار التعنت الأمريكي البريطاني بدأت بعض الدول العربية (كعادتها) تشعر بالحرج من استمرارها في الصمت, وبدأت تعلو صيحات المطالبة برفع العقوبات عن ليبيا من بعض الدول والمنظمات مثل منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة المؤتمر الاسلامي, وطالبت مصر (ولأول مرة منذ بداية الأزمة) في عام 1997 برفع العقوبات عن ليبيا باعتبارها لا تتناسب مع أثار الجريمة موضوع الأزمة, وفي نفس العام (ولأول مرة أيضاً) تحركت جامعة الدول العربية تطالب بتخفيف العقوبات. كل هذا وواشنطن ولندن تزيدان اصراراً على موقفهما وتعترضان على موقف الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية وترفضان كل العروض والبدائل المطروحة منهما لحل الأزمة, وذهبت واشنطن تهدد أية دولة تخرق العقوبات والحظر المفروض على ليبيا بأنها سوف تحرمها من أية معونات تحصل عليها سواء من واشنطن او حلفائها من الدول او المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. وعادت الأزمة تتصاعد حدتها, وعادت الدول العربية لصمتها السابق امام الاصرار الامريكي البريطاني, هذا في الوقت الذي تحركت فيه بعض الدول الافريقية غير العربية خارقة للحظر الجوي المفروض على ليبيا, متحدية للتعنت الأمريكي البريطاني. فجأة بدأ الانفراج وفجأة وبدون مقدمات ولا مساعي واضحة على الساحة صعدت أزمة لوكيربي من جديد, وظهرت المساعي (المصرية) المكثفة, وبدأت تظهر افاق جديدة لم يكن لها وجود من قبل منذ بداية الأزمة تمثلت في إبداء واشنطن استعدادها للنظر في الأمر وقبول مساعي الحلول الوسط. وهنا يظهر السؤال, ما الجديد في الأمر؟, وما الذي دفع واشنطن الى التنازل عن تعنتها وقبول مساعي الحل الوسط؟ وما مدى خصوصية الدور المصري في المساعي الجديدة لحل الأزمة؟ على ما يبدو ان الوقت مازال مبكراً للاجابة على هذه الاسئلة, وان كان هذا لا يمنعنا من النظر واستقراء الأحداث الأخيرة التي وقعت في المنطقة, واستنباط ما يمكن استنباطه متصلاً بالتطورات الأخيرة في أزمة لوكيربي. ثعلب الصحراء وأهم ما يلفت نظرنا أن المساعي الأخيرة جاءت مباشرة وبسرعة في أعقاب التصاعد السياسي على الساحة العربية الذي تلى معركة (ثعلب الصحراء) التي اوقعت بعض الدول العربية في حرج كبير. إزالة الحرج هذا الوضع العربي الراهن ألقى ــ في رأينا ــ على واشنطن عبئاً جديداً يتمثل في ضرورة إزالة الحرج عن بعض الحلفاء والاصدقاء في المنطقة. ولان الوضع في الخليج مازال ساخنا على الجبهة العراقية ومعركة (ثعلب الصحراء) لم تحسم نتائجها بشكل نهائي, وطموحات واشنطن وتطلعاتها من وراء هذه المعركة لم تتحقق بعد, لهذا بات من الضروري تهدئة الموقف وامتصاص الغضب على ساحة أخرى. مصر تتصدى ومن هنا ــ في رأينا ــ اختارت واشنطن التوقيت المناسب لها لحل أزمة لوكيربي التي استهلكت أسبابها وأهدافها على مدى السنوات السبع الماضية, وأصبحت على وشك السقوط من تلقاء ذاتها بعد تزايد أعداد الدول التي قررت خرق الحظر المفروض على ليبيا, وقررت واشنطن انتهاز الفرصة, وليكن الأمر بيدها لا بيد دول افريقيا الفقيرة, وكسباً لتأييد أصدقائها من العرب, بدأت مساعي حل أزمة لوكيربي, وتصدت مصر لمساعي الوساطة التمهيدية. ويمكن القول الان بان الأزمة بالفعل على وشك الحل, وهذا امر جيد ويسرنا نحن العرب جميعاً, ولكن أخشى ما نخشاه أن يكون حل أزمة لوكيربي على حساب تصعيد أزمات أخرى, وبصراحة أكثر, نخشى أن يكون هذا الحل تمهيداً لضربة أخرى وثعلب آخر في الصحراء أكثر شراسة وأشد قسوة من الثعلب السابق.