أكد خبيران عربيان قانونيان, ان العد التنازلي لالغاء العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا على خلفية حادث لوكيربي, قد بدأ فعلياً بعد أن وافقت طرابلس على تسليم المتهمين المشتبه بهما الى هولندا ومحاكمتهما هناك وفق القانون الاسكتلندي . وقال المستشار القانوني د. عبدالحسين شعبان في حديث لــ (الملف السياسي) ان اول مردود ايجابي للموافقة الليبية, كان في دحض (شرعية) العزل التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ضدها. وأضاف أن القرار 748 الذي اصدره مجلس الامن في 1992/3/31 حدد العقوبات بحظر السفر الجوي, وتصدير الاسلحة وقطع الغيار والتجهيزات العسكرية وشبه العسكرية وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وتقييد حركة الدبلوماسيين في اراضي الدول الاخرى. واشار الى ان ليبيا قدمت طلبا لاختصاصاتها بموجب اتفاقية مونتريال عام 1971, الا ان مجلس الأمن أصر على موقفه, وتلك مفارقة حقيقية على المستوى القانوني والسياسي وقبل ان تبت المحكمة في القضية, وهذا يعكس هيمنة واشنطن ولندن على المنظمة الدولية. وأكد د. شعبان, أن موافقة ليبيا على تسليم المتهمين المشتبه بهما, خطوة ايجابية لاستدراك وتراجع المجتمع الدولي بخصوص فرض العقوبات الاقتصادية بصورة غير شرعية, خصوصا بعد ان بينت الأحداث صحة وعدالة الموقف الليبي في محكمة العدل الدولية التي أفتت لصالحه بما جعل الولايات المتحدة وبريطانيا في وضع حرج للغاية. واستبعد ان تتم محاكمة النظام السياسي في ليبيا, خلال محاكمة المتهمين, بعد أن تلقت طرابلس ضمانات بذلك. وأوضح د. شعبان, انه سيكون من حق ليبيا اقامة الدعوى ضد واشنطن ولندن ومجلس الامن بصورة مجتمعة, اذا برىء المتهمان الليبيان خلال المحاكمة من التهم المسندة اليهما, ومطالبة الاطراف الثلاثة بتعويضات عن العقوبات التي فرضت عليها طيلة سبع سنوات. وقدم د. عبدالحسين شعبان, عرضا لكيفية تعاطي ليبيا مع قضية لوكيربي, وقال, لقد شفعت لها خطتها الدبلوماسية المرنة المستندة الى القانون الدولي, واستقطبت عبر هذه الخطة تأييدا ودعما دوليين على نحو ملموس. وقد اتبعت ليبيا في تعاملها مع الأمم المتحدة, ومجلس الامن والامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان, اسلوبا هادئا وتجنبت المبالغات والتبجح, ودافعت عن حقها ضد الظلم الذي وقع عليها, بذكاء ونباهة, مع استمرار علاقاتها العربية والافريقية بصورة طبيعية. واشار الى خطوة ذكية اخرى, لم تهملها ليبيا, وهي مواصلة مواساة اسر الضحايا, وعهدت بملف التفاوض وجزئياته الفنية الى خبراء قانونيين دوليين, ولم تكتف ليبيا بذلك بل تمكنت من الحصول على دعم اقليمي وخاصة من منظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي, وبذلك حشدت عدداً هائلاً من الدول وصل الى 140 دولة, ومثل هذا الحشد سيكون في جانب ليبيا بالتأكيد لاعادة تأهيلها في العودة الى المجتمع الدولي وطي ملف لوكيربي. ويقول د. شعبان, وبالنسبة للعقوبات المفروضة على البلدان العربية الاخرى, وبخاصة العراق والسودان, فالأمر مختلف عن ليبيا, ذلك ان هناك مبررات اخرى للعقوبات على بغداد والخرطوم, تختلف عن طبيعة وأساليب تلك العقوبات على ليبيا. وفي حالة العراق, يضيف د. شعبان, فان مجلس الامن يطالبه بتنفيذ 30 قراراً, خصوصا القرار 687 الذي يسميه السياسيون والقانونيون (ابو القرارات) الذي رهن سيادة العراق ومستقبله لآجال مقبلة. اما في حالة السودان, فقد تم فرض الحصار عليه بموجب القرار 1044 مطلع عام 1996 ثم صدر قرار اخر ملحق به في 26 ابريل من العام نفسه, قرر فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية وتخفيض التبادل الدبلوماسي مع السودان. * كيف سيكون مسار المحاكمة؟ يجيب د. شعبان: ** ان القانون الاسكتلندي يعطي المتهم فرصة كبيرة لاثبات براءته, ولذلك فانني اعتقد ان فرصة المتهمين عبدالباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة, للمثول امام محكمة لاهاي (هولندا) ووفقا للقانون الاسكتلندي ستكون فرصة كبيرة في الحصول على البراءة, اذا لم يكونا قد تورطا بالحادث ولم يعترفا بذلك, واعتقد ان اجراءات المحاكمة وجلساتها ستكون عادلة, لما عرف به القضاء الاسكتلندي من رصانة واتقان ودقة. ويضيف, لقد تحرك ملف لوكيربي بديناميكية وحيوية كبيرة, وقطعت القيادة الليبية المسافة الكاملة تقريبا لاغلاق هذا الملف بالموافقة على تسليم المتهمين بعد ان كانت بريطانيا والولايات المتحدة تراهنان على أنها سوف تمتنع عن تسليمهما, اولا لاحتمالات تورطهما وخوفا من اعترافهما وثانيا خشية ليبيا من فخ قد تنصبه لها الدولتان, وقد يتكرر سيناريو العراق.. تقديم التنازل تلو التنازل دون وجود شمعة في اخر النفق. لقد حاولت امريكا وبريطانيا خداع ليبيا لكي تتراجع في آخر الامر عن تسليم المتهمين لكي تستمرا في لعبتهما ازاء فرض العقوبات خصوصا وان محاولات كسرها قد بدأت بخرق الحظر الجوي من جانب بعض الدول وإصدار قمة واوجادوجو الافريقية لقرار جريء اعلن عن عزم قادة منظمة الوحدة الافريقية على وقف الامتثال لنظام العقوبات المفروضة على ليبيا اذا استمر مجلس الامن في خضوعه للمواقف الامريكية ــ البريطانية وكذلك مواقف حركة عدم الانحياز التي أبدت استعدادها لتبني مواقف مماثلة لمنظمة الوحدة الافريقية وكذلك مواقف جامعة الدول العربية المساندة لليبيا والمنددة بالعقوبات والداعية الى رفعها فورا. * كيف تسارعت خطة تسوية ملف لوكيربي, وما هي الضمانات التي قدمت الى ليبيا؟ ** يقول د. عبدالحسين شعبان ان رسالة الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الى العقيد معمر القذافي تضمنت تجميد العقوبات عند مثول المشتبه بهما امام المحكمة, وتجميد العقوبات يعني الغاءها فعلياً, اذ ان اعادة فرضها يتطلب صدور قرار جديد من مجلس الأمن وسيكون ذلك عملاً مستحيلا الا إذا حدثت المفاجأة الميلودرامية باعتراف المتهمين. لقد تصرفت ليبيا بثقة خلال الفترة الماضية اعتقاداً منها بأنها تملك حقيقة عدم تورط المتهمين بالحادث ولان معها الشرعية الدولية وتطمح ان تكون معها العدالة الدولية وتبقى القضية دائمة حتى صدور حكم قضائي من المحكمة الجنائية خصوصا وان بريطانيا اعلنت عن تطمينها لليبيا وقالت انه ليس لديها (اجندة خفية) بمعنى انها لا تسعى لتحويل القضية الى محاكمة للنظام, ان تطمينات بريطانيا ورسالة الامين العام وسمعة القضاء الاسكتلندي, فضلا عن قواعد العدالة الدولية وما تفرضه المحكمة الدولية في لاهاي, هو الضمانة الدولية حسب قناعتي بالنسبة لليبيا, اما الحديث عن ضمانات متبادلة فامام ليبيا تسليم المتهمين وعلى الآخرين احترام تعهداتهم بما فيها مكان انعقاد المحاكمة (هولندا) واجراءات المحاكمة وعلى الجميع اتباع خط سير العدالة بما ينص عليه وبما يقرره اذ ستكون الكلمة الاخيرة لقرار المحكمة. اما د. مبدر الويس, استاذ القانون الجنائي في جامعة دمشق سابقا فيعتقد في حديثه لــ (الملف السياسي) ان اسدال الستار على قضية لوكيربي, سوف يتم حسب الاتفاق المبرم بين ليبيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا وليس كما تقرره المحكمة. ويؤكد رأيه بالقول, ان الامر لو كان متعلقا بمحاكمة قانونية لتمت المحاكمة منذ زمن بعيد وانتهى الامر. واستناداً الى القواعد الجنائية في تسليم المجرمين بين الدول يشير د. الويس, الى ان ليبيا, لها الحق بأن لا تسلم رعاياها الى دولة او دول اخرى, ارتكبوا جرائم ضدها, فالأصل بالنسبة لهذه القواعد يقول, لا يجوز للدولة ان تسلم رعاياها لغرض محاكمتهم في دولة قاضتهم وتطالب بهم بموجب او وفقا لقوانينها الا اذا توفر شرطان اساسيان هما: * ان تكون هناك اتفاقية قضائية بين الدولتين الطالبة التسليم والمطلوب منها التسليم, وهذا الشرط لا ينطبق على حادث لوكيربي, لعدم وجود مثل هذه الاتفاقية بين ليبيا وكل من بريطانيا والولايات المتحدة. * والشرط الثاني, ان يكون هناك نص او تشريع في القانون الليبي يتضمن اقرار وموافقة الحكومة الليبية على تسليم رعاياها اذا طلبت دولة او دول منها لغرض محاكمتهم, ومثل هذا النص التشريعي غير موجود في القانون الليبي. ويشير د. الويس, الى ان اتفاقية مونتريال للطيران والخاصة بجرائم الطيران, تنص على قيام الدولة المعنية بمحاكمة رعاياها اذا وجهت اليهم تهم من أطراف غيرها, لذلك نرى ان موقف بريطانيا والولايات المتحدة من الناحية القانونية, ضعيف. وعن دلالات الاستجابة الليبية لانهاء ملف لوكيربي, يقول د. مبدر الويس, ان ليبيا يهمها كثيرا ان تنتهي قضية لوكيربي وفق الشروط التي تحقق لها الحفاظ على حقوق المتهمين الليبيين وتحافظ ايضا على سيادة ليبيا وكرامتها. واعتقد انها تثق بالقضاء الاسكتلندي المعروف باستقلاليته ونزاهته وحياديته. ويعود خبير القانون الجنائي, ليجدد تأكيداته, بأن الأسباب السياسية هي التي عجلت في ايصال قضية لوكيربي الى طريق النهاية, ويقول ان الضغط الدولي سواء على ليبيا او الولايات المتحدة وبريطانيا وقناعة الأطراف الثلاثة, بأن الانتهاء من هذه المشكلة يخدمها, اسهم في التسريع بخطى الاجراءات والتدابير لحل المشكلة. ويمتنع استاذ القانون الجنائي في الحديث عن المنتصر والمهزوم في قضية لوكيربي, ويقول من الناحية القانونية لا أستطيع تحديد ذلك لسببين, الأول يتعلق بأن الاطراف المتنازعة لم تتفق حتى الان على اتفاق نهائي ومعلن يتناول جميع النقاط والشروط المتعلقة بالقضية من ناحية اجراءاتها والظروف والملابسات التي تلازمها, وثانياً, ان المحاكمة لم تجر حتى الان, ذلك ان نتائجها هي التي ستحدد من هو الطرف الذي انتصر, ومن هزم او خسر. أجرى الحوار: محمد الصالح