تلوح في الأفق مؤشرات لحل قضية لوكيربي بعد تجاوب كل الأطراف والاستعداد لتقديم تنازلات, حيث وافقت الولايات المتحدة وبريطانيا على اجراء المحاكمة في لاهاي برعاية دولية فيما وافقت ليبيا على تسليم مواطنيها المشتبه بتورطهما في حادثة سقوط طائرة (بان اميركان) لمحاكمتهما في لاهاي , وفق ضمانات دولية يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة بعدم نقلهما الى مكان اخر او تصعيد القضية وتحويل مسارها باتجاهات اخرى تستهدف النظام السياسي الليبي. لقد تضافرت الجهود وتزايدت الضغوط العربية والافريقية والدولية للدفع نحو التسوية سيما بعد معاناة ليبيا من الحصار المضروب عليها منذ سبع سنوات والذي كبدها خسائر اقتصادية بلغت وفقاً لتقديرات الخبراء 24 مليار دولار. وقد بلغت هذه الضغوط السياسية والدبلوماسية أوجها عقب القرار الذي اتخذته منظمة الوحدة الافريقية تضامناً مع الشعب الليبي وتحدياً للهيمنة الغربية والأمريكية التي تتعمد تعسف بعض دول العالم الثالث وادخالها في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية. ورغم هذه التطورات التي تنبئ باقتراب الحل وانهاء الأزمة فثمة تحولات في مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا قد تجري في الأيام المقبلة باتجاه مطالبة ليبيا بالمزيد من التنازلات سيما في ظل رفض البلدين للمطلب الليبي بالضمانات الدولية. ناهيك عن أن الولايات المتحدة قد تسعى الى ابقاء بعض العقوبات على ليبيا بحجج وذرائع سوف تصطنعها. وضمن هذا السياق يفسر بعض السياسيين رغبة امريكا وبريطانيا بحل القضية بأنه توجه لاجراء تنفيس للاحتقانات الموجودة في الشرق الاوسط خاصة والمسألة العراقية مازالت في قمة تفاعلاتها وفرص حلولها مازالت ضئيلة وهي محط تجاذب ونزاع بين أطراف دولية واقليمية, إضافة الى ان مسار التسوية معطل في ظل سياسات التعنت والعجرفة التي تمارسها الحكومة الاسرائيلية غير عابئة بالقرارات الدولية والاتفاقيات الموقعة. لقد ادارت الحكومة الليبية الأزمة بذكاء وحنكة سياسية عندما صاغت براهينها ودفاعها انطلاقاً من الدستور, وروح القانون الدولي الذي يحرم تسليم مواطني اي بلد لمحاكمتهم في اي بلد اخر دون وجود اتفاقات ثنائية تنظم ذلك, وتولت كذلك الرد على مذكرة الاتهام الموجهة لها بالحجج القانونية الدامغة والتي أوضحت الكثير من الملابسات وكشفت زيف الادعاءات الباطلة التي لفقت حولها. ان أزمة لوكيربي بكل أبعادها وتداخلاتها قد كشفت فشل سياسة العقوبات والحصار التي دأبت الولايات المتحدة على اتباعها كأداة في سياستها الخارجية تجاه بعض الدول العربية حيث لم تحقق هذه السياسة اغراضها في تغيير بعض الانظمة السياسية عند مراهنتها على تأثير العوامل الخارجية في زعزعة بعض الانظمة من الداخل, ولم تتضرر من العقوبات الا الشعوب التي عانت الامرين ومازالت تدفع الثمن. ولذا فان الادارة الامريكية مدعوة الى اعادة النظر في سياسة العقوبات والاقلاع عن ايذاء الشعوب لانها وحدها التي تدفع الثمن اما الانظمة فهي بمنأى عن ذلك. الملف