قبيل رحيل الملك حسين تناول الملك عبدالله العشاء في منزل عبدالكريم الكباريتي والتقى منفردا بزيد الرفاعي واتصل هاتفيا بطاهر المصري.. في اشارات واضحة ان الملك الجديد يسعى للاستفادة من خبرة رؤساء الحكومات السابقين , او من يطلق عليهم مع اخرين تعبير (الحرس القديم) .. ويتردد ايضا ان الملك عبدالله اجتمع بكل رؤساء الحكومات السابقين معا, وان لم تثبت صحة المعلومة فان احتمالا بتشكيل مجلس (غير معلن) للحكماء يبدو احتمالا واردا في الاردن.. فالشخصيات السياسية البارزة في الاردن حضور لا يمكن الاستغناء عنه. حاليا منذ تنصيب العاهل الاردني الملك عبدالله بن الحسين ــ يثور في الاردن سؤال هام حول دور رؤساء الوزارات السابقين في الاردن, بالاضافة الى دور رؤساء الديوان الملكي الهاشمي السابقين, وكبار الشخصيات السياسية والاقتصادية البارزة, ممن خدموا على مدى عقود بمعية العاهل الاردني الراحل. اردنيا, يعتبر لقب (الحرس القديم) الاكثر تداولا خلال السنوات الاخيرة, فهذه الشخصيات التي برزت على مدى عقود, وخبرت اسرار السياسة الاردنية, والطريقة التي يفكر بها الملك الراحل, تستعد للعب دور هام, والمؤكد انها مازالت تحجز حتى اللحظة مقاعدها في العربة الاولى لقطار السياسة الاردنية. منذ أن تسلم الملك الراحل مقاليد الحكم, وحتى رحيله تشكلت ستة وستين حكومة من عام 1952 وحتى عام ,1999 ولا يتجاوز متوسط عمر الحكومة الواحدة عشرة شهور, وفي ذات الوقت فان شخصيات بارزة من الحرس القديم شكلت الحكومة لعدة مرات كمضر بدران وزيد الرفاعي, حيث شكل كل منهما الحكومة أربع مرات, وكان لكل واحد منهما فريقه السياسي والاقتصادي والاعلامي, ولرؤساء الحكومات في الاردن, وزن خاص, وليس ادل على ذلك من قيام الملك الراحل باختيار جميع اعضاء نادي رؤساء الحكومات, كأعضاء في مجلس الاعيان الاردني الذي يضم اربعين عضوا, ويضم مجلس الاعيان الحالي, جميع رؤساء الحكومات مثل الدكتور عبد السلام المجالي, طاهر المصري, زيد الرفاعي, احمد عبيدات, عبدالكريم الكباريتي, واحمد اللوزي, ومضر بدران, فمجلس الاعيان الذي يعد مجلس الملك الخاص يحوي في عضويته أهم الشخصيات, وبالاضافة الى رؤساء الحكومات, نجد في عضويته بعض من شغل موقع رئيس الديوان الملكي الهاشمي. ومقابل القوة التقليدية لرؤساء الحكومات السابقين في الاردن واستمرار تأثيرهم في القرار والحياة السياسية, حتى بعد خروجهم من مواقعهم, نجد ان كل من شغل موقع رئيس الديوان الملكي الهاشمي, له تأثيره المستمر, ومن ابرز من شغل موقع رئيس الديوان الملكي, مروان القاسم, ذوقان الهنداوي, عون الخصاونة, عدنان ابو عودة, مضر بدران, زيد الرفاعي, الامير زيد بن شاكر, حيث كان يحمل لقب الشريف زيد, قبل ان يمنحه الملك الراحل لقب وامتيازات (امير) وقوة رؤساء الديوان الملكي السابقين تلتقي مع قوة رؤساء الحكومات, في نقاط كثيرة, وفي احيان اخرى تتضاد معها, وفي شواهد كثيرة, كان شخص رئيس الديوان الملكي يأتي قويا للدرجة التي يسير عبرها الحكومة المكلفة, وفي احيان اخرى, كان شخص رئيس الحكومة يحتل الموقع الاول, ليتبعه رئيس الديوان الملكي. ويمكن القول ان جميع رؤساء الحكومات السابقين, ورؤساء الديوان الملكي السابقين, وعدد من السفراء الاردنيين المؤثرين والبارزين كالسفير الاردني في لندن فؤاد ايوب وغيره من سفراء يشكلون مع اخرين النخبة التي ستضطلع بدور هام خلال الفترة الحالية التي يصفها البعض (بالانتقالية) , او (الحساسة) , واذا كان البعض يرى فيهم (حرسا قديما) فان لهذا الحرس مكانته لدى القصر الملكي, ولدى الشارع الاردني على السواء وله تأثيره القوي على العائلات وما تمثله, وعلى القوى الاقتصادية المتمركزة تقريبا في عمان, وعلى مجلس النواب الذي يتوزع اعضاؤه بدرجات متفاوتة على مدارس سياسية, ابدعها سياسيون بارزون وبقيت تحمل اسماؤهم حتى اللحظة. العلاقة مع الملك عبدالله في هذا السياق يثور سؤال هام في عمان وغير عمان من مدن وقرى وبوادي ومخيمات عن كيفية رسم شكل العلاقة بين هذه الشخصيات, والملك الجديد, وهل سيلجأ الملك الجديد الى استشارة هؤلاء, بشأن القضايا الداخلية والخارجية؟ ويعتقد كثير من المراقبين في عمان ان الملك عبد الله سيلجأ إلى طريق واحدة لأسباب عاطفية وسياسية, يتلخص باستشارة هؤلاء خلال المرحلة الحالية, فعاطفيا سيكون الملك وفيا لعلاقات الملك الراحل حسين وسياسيا فان هذه الشخصيات تمتلك مفاتيح خزائن أسرار الأردن خلال العقود الخمسة الماضية, والاستفادة منهم تبدو حالة منطقية, وفي ذات الوقت يعتقد المراقبون ان (الحرس القديم) بقدر استمراره في التواجد على الساحة السياسية, فانه سيواجه تدريجيا بجيل جديد من الوزراء والنواب والسفراء والإعلاميين والاقتصاديين, وقد يأتي الجيل الجديد كحلقة وصل مع (الحرس القديم) وما يمثله من معرفة وقدرة وحنكة, الا ان السنوات المقبلة في الأردن ستشهد تحولاً تدريجياً نحو جيل جديد من السياسيين, دون أن يشعر (الحرس القديم) بأن دوره انتهى فمعظم السياسيين الكبار الحاليين في الأردن, وضعوا أنجالهم في مواقع هامة في الحكومة أو طاقم وزارة الخارجية, بعد أن وفروا لأنجالهم تعليما رفيع المستوى, وإذا كانت معادلة السياسة في الأردن لها وجه عائلي, فهذا يبدو مفهوماً في بلد يعزز مفهوم العائلة أو العشيرة. توصيف للمستقبل كيف ترى الشخصيات البارزة مستقبلها خلال عهد الملك عبد الله الثاني؟! معظم الشخصيات البارزة في عمان ردت على (البيان) بشأن هذا السؤال بأسلوب أقرب إلى الإلماح من الصراحة المباشرة وفي ذات الوقت ابتعدت عن توصيف تفصيلي مفضلة طرح العناوين الهامة, وكما قال رئيس وزراء سابق لـ (البيان) فان أي اشارات جريئة من جانب أي سياسي سيفهم منها أنها محاولة لترويج نفسه في هذه الظروف, وإعلاء ذكره أمام القصر الملكي والناس, باعتباره جديرا لنيل موقع هام. ومن بين السياسيين الذين سألتهم (البيان) كان عدنان أبو عودة وهو عضو حالي في مجلس الأعيان, وشغل على مدى السبعينات والثمانينات وحتى ما بعد حرب الخليج مواقع حساسة وهامة, فهو رئيس ديوان ملكي سابق ولعدة مرات, وكان وزيرا للبلاط في القصر الملكي, ومستشارا سياسيا للملك حسين في السنوات الأخيرة, وكان آخر موقع تبوأه مندوب الأردن في الأمم المتحدة, ويوصف بأنه من القلة القليلة التي كانت تطل على تفاصيل وأسرار صناعة القرار في الأردن. ولعل أهم الأدوار التي اضطلع بها عام 1989 وما تلاه هو رسم قوانين الديمقراطية, والتقائه مع الشخصيات السياسية والحزبية سرا. سألته (البيان) عن دور كبار الشخصيات خلال المرحلة المقبلة, فأجاب عدنان أبو عودة: باعتقادي ان واجبنا الأساسي دعم جلالة الملك عبد الله, من خلال اسداء النصيحة بسبب تقديم العون للقيادة الجديدة في سعيها لمواصلة المسيرة دون حدوث اهتزازات أو انقطاعات. وعن حالة التضادية السائدة بين كبار الشخصيات الأردنية البارزة, وهل تحتمل ظروف الأردن الحالية والمستقبلية, استمرار هذه الحالة, أجاب قائلا: (لا أعتقد أن التضادية التي كانت سائدة بينهم ستبقى موجودة, عليهم جميعا والسير في اتجاه واحد, وطريق واحد, وأعتقد أن الكل سيأخذ ذات الاتجاه, والكل سيكون حريصا على مصلحة البلد, بعيدا عن المصالح أو المكاسب أو الخسائر لكل سياسي, فالأصل هو عدم حدوث اهتزازات أو انقطاعات, لأنها إن حدثت فلها نتائج سلبية لا يعلمها إلا الله. ويقابله من جهة أخرى رئيس وزراء سابق هو طاهر المصري الذي شكل حكومته في عز العهد الديمقراطي, وشهدت حكومته انطلاقة مباحثات مدريد للسلام, واستمرت حكومته ما يزيد على ستة أشهر, استقال على إثرها بسبب تغول قوى نيابية على الحكومة, والضغط عليها لأسباب عديدة, وشغل المصري مواقع عديدة, فقد كان سفيرا للأردن في العاصمة البريطانية, ووزيرا للخارجية, وعضوا في مجلس النواب الأردني, ممثلاً لأخطر الدوائر الانتخابية وأقساها, وهي الدائرة الثالثة في عمان والتي تضم تكتل الأغنياء والسياسيين والنخبة في غرب عمان, وتنوع أصول الناخبين فيها .. حول دور السياسيين الكبار خلال عهد الملك عبد الله, وهل سيواصلون دورهم التقليدي أم ستزداد قوتهم, أم سيتراجع دورهم تدريجيا لصالح تحولات ستبرز تدريجيا. قال (المصري) لاشك انك تقصد بسؤالك من يوصفون بالحرس القديم, ولاشك ان لهم دوراً هاما خلال هذه المرحلة, فمن يمثل منهم بعدا سياسيا أو تيارا فعليه واجب مهم خلال المرحلة المقبلة يتمثل بواجب التضامن مع الآخرين ودعم العهد الجديد في الأردن والسعي لانجاحه حتى يستمر الاستقرار الذي تمتع به الأردن طوال السنوات الماضية والفترة المقبلة بحاجة إلى صدق وحسن نوايا وتعاون الجميع لحل القضايا الداخلية الصعبة علينا ألا ننكر وجود قضايا داخلية بحاجة إلى مواجهة وتعامل مختلف, وفي ذات الوقت فإن لرؤساء الحكومات السابقين تجارب وبعضهم يمثل تيارا أو منحى وكل واحد منهم له نقاط قوة أو ضعف, وخلفيات سياسية يعبر عنها بطرق مختلفة, ولا أظن أن هذه الشخصيات ستتخلى عن دورها, لكنها ستسعى إلى ممارسة دورها التقليدي بأساليب جديدة, من أجل مصلحة البلد أولاً وأخيراً, ومن أجل أن يمر الأردن بهدوء خلال هذه المرحلة. ويأتي عون الخصاونة الذي شغل موقع رئيس الديوان الملكي الهاشمي على مدى عامي 96/97 ووصل الى موقعه في ذات الفترة التي كلف بها الملك الراحل عبد الكريم الكباريتي برئاسة الحكومة, واستمر الخصاونة لاحقا, خلال وجود الدكتور عبد السلام المجالي على سدة رئاسة الحكومة, وكان مقربا للغاية من الملك الراحل, ومن أفراد الأسرة المالكة, ولا يزال حتى اللحظة يحظى باحترام الأسرة المالكة, كما شغل موقع المستشار القانوني للمملكة الأردنية, كونه متخصص في القانون الدولي, وسألته (البيان) عن الدور الذي يراه لكبار السياسيين في الأردن, ممن عملوا مع الملك الراحل وما هو توصيف دورهم خلال المرحلة المقبلة, فأجاب قائلا: (أعتقد أن واجب جميع السياسيين أيا كانت مواقعهم السابقة أو الحالية هو الالتفاف حول قيادة الملك عبد الله, وأن يعمل الجميع عبر وسائل تأثيرهم, على شرح السياسة الأردنية, داخل الأردن من أجل المزيد من التماسك الداخلي, أما النصيحة فان عليهم تقديمها في حال طلبها, على أن تكون نصيحة حقة, بالاضافة إلى اشاعة روح الأمل والتفاؤل بين الناس بعيدا عن الاحباط الذي يجري افتعاله بين وقت وآخر. والتصرف باعتبارهم فريقا يستفاد من طاقاته بأسلوب منظم وفقا لما يراه الملك عبدالله. الحرس القديم هكذا اذن, يمكن القول ان الملك الراحل, وموضوعيا, ترك بالاضافة إلى الانجازات والمؤسسات, رصيدا هائلا من الخبراء في السياسة الأردنية والخارجية, وإذا كان بعض هؤلاء يتحسس من وصفهم (بالحرس القديم) فإن الوصف لا يخرج عن حدود الاشارة إلى كونهم حرسا للعرش والدولة, منذ القدم, وما زالوا يمارسون دورهم. عمان ـ ماهر ابو طير