لايخفي المسؤولون في الحكومة والنقابيون العماليون أن فتور النبض العمالي والنقابي في هذه المرحلة يكاد يوحي خطأ بأن ثمة شهر عسل قائما بين حكومة سليم الحص والاتحاد العمالي العام . لكن حقيقة الأمر تبدو مختلفة تماما فالمسؤولون لايتوهمون ان ملفات المشاكل والمطالب العمالية قد طويت, لكنهم يتصرفون على قاعدة الأولويات في المعالجات مدركين انه سيأتي اليوم الذي ستبرز أمامهم الألغام النقابية العمالية المتراكمة. وتحسبا لذلك اليوم يعكفون على انضاج كل ما يسهم في تسهيله وتخفيف حدته فيتجاوبون مع العمال, في حينه ولو بالحد الأدنى, القائم على قاعدة (لايموت الذئب, ولا يفنى الغنم) . ومن هؤلاء وزير العمل الدكتور ميشال موسى الذي يشدد على استعدادات وزارته لمواجهة مشاكل العمال ضمن الاطر التالية. 1- لايمكن لعلاقة الدولة بالعمال ان تكون صدامية ... ننطلق من الارقام ونؤمن بالحريات 2- مطلوب شراكة بين العمال واصحاب العمل والدولة ترعاها القوانين. 3- لا نؤمن بالاقتصاد الموجه لكننا نؤمن على الاقل بوجوب وضع سياسة عمالية واستخدامية تتلاءم مع الواقع الاقتصادي وحاجات التنمية. 4- نسبة البطالة 9% لكنها ترتفع مع البطالة المقنعة إلى 25% ونسعى لتنظيم سوق العمل دراسة وتطبيقا .. وضعنا تنظيما للعمال الوافدين وبدأنا تنفيذه. على الجانب الآخر تتصدر مراقبة مواقف الاتحاد العمالي العام واجهة الاهتمام في هذه المرحلة, في ظل سؤال اساسي: لماذا لم يتحرك العمال حتى الآن في عهد الحكومة الجديدة؟ هل انقطع حبل الخصام مع الحكومات السابقة ليحل محله حبل الوئام؟ كيف ذلك رغم تراكم المطالب العمالية الى درجة لم تعد تتسع لها ادراج المسؤولين؟ يقطع رئيس الاتحاد العمالي العام الياس ابو رزق شطط التساؤلات ليقول: نحن نتحرك وفق حقيقتين ثابتتين: الاولى اننا نعطي الحكومة فرصة من الوقت لتنجز ما عليها من مسؤوليات مكدسة. والثانية اننا سنلجأ الى السلبية اذا لم تحقق مطالبنا. اذن بين الحكومة والعمال: هدنة وليس شهر عسل كيف يرى كل طرف هدنته من وجهة نظره؟ شراكة تحت سقف القانون * يرفض الوزير موسى النظرة الشائعة التي ترى ان العلاقة بين الدولة والعمال لابد ان تكون صدامية ولكلامه هذا دلالته الخاصة في الوقت الذي تقترب فيه المواجهة بين الطرفين بعد ان اعاد العمال الى الذاكرة انهم مازالوا مصممين على المطلب الذي طرحوه منذ مطلع العام الماضي بزيادة الرواتب والاجور, لكن من دون ان تستجيب لهم لا الحكومة السابقة, ولا الحكومة الحالية حتى الآن على الاقل. واذ لايخفي الاتحاد العمالي العام ارتياحه اكثر للعلاقة مع حكومة الرئيس سليم الحص عما كانت عليه من توتر مع حكومات الرئيس رفيق الحريري السابقة التي الغت حرية التظاهر والتعبير (وهذا ماسمحت به الحكومة الحالية منذ الايام الاولى لانطلاقتها) في حين القت الحكومة السابقة بالقيادات النقابية في السجون, وشرذمت الحركة النقابية العمالية, وشطرت الاتحاد العمالي العام الى (اتحادين) واحد مرضي عليه برئاسة غنيم الزغبي (الذي عاد وابتعد عن المواجهة) والثاني اتحاد مستقل معارض بقيادة الياس ابو رزق الذي عاد الى الواجهة وترأس الاتحاد. ويترجم الاتحاد العمالي ارتياحه للحكومة القائمة بحرصه, مثلا على المناداة بإعطائها الفرصة الكافية لتعالج الملفات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة, خاصة وانها مازالت في عمر طري العود وامامها من الهموم والغيوم والشؤون والشجون مايتطلب تأنيا سياسيا ومطلبيا في التعاطي معها, لكن هذه الموضوعية ستبدأ بفقدان اوكسجين الاستمرار تدريجيا اذا لم تبادر الحكومة الى اظهار تجاوبها العملي مع المطالب العمالية والبدء بتحقيقها ولو عن طريق الخطوة ــ خطوة وبوسائل التفاهم المسبق عن طريق الحوار. لكن مثل هذا التجاوب يحتاج الى تغيرات مسبقة ومرحلية فهل تتهيأ الحكومة خاصة عبر وزارة العمل الى تحقيق تلك المطالب خاصة زيادة الرواتب والاجور والى اي حد هي مندفعة او على الاقل قادرة على فرض الزيادة على اصحاب العمل الذين يرفضونها خاصة في ظل حالة الركود الاقتصادي الخانقة والمسيطرة على القطاعات الانتاجية والتسويقية كافة؟ لايخفي الوزير موسى ان الحكومة واقعة في هذا المجال بين سندان اصحاب العمل ومطرقة العمال لكنه يستدرك مؤكدا ان ذلك لايعني اغلاق قنوات التواصل والاتصال والتحرك للتوصل الى نتائج فالمهم ان يأكل الجميع عنبا, لا ان يقتلوا الناطور. ويعني هذا المثل الشعبي بالمفهوم الاقتصادي لدى وزير العمل وجوب تحقيق شراكة حقيقية بين العمال واصحاب العمل, يقول الوزير موسى في هذا المجال: انني ارى اهمية اكيدة لوجوب بناء علاقة شراكة تحت سقف القانون تجمع العمال ووزارة العمل وارباب العمل, فالعمال هم شريحة كبيرة في المجتمع ووزارة العمل هي المعنية بتنظيم الاوضاع وتنسيقها وفصلها ضمن الاطر القانونية دائما. فالقانون هو السقف الذي يجب ان نبني تحته شراكة ثلاثية فعلية يكون معها جميع الاطراف بخير وبالتالي يصيب هذا الخير المؤسسات والمواطنين عامة والوطن اولا واخيرا. ننطلق من الارقام ونؤمن بالحريات * لايؤمن الوزير موسى بالقول ان الكلام سهل وان العبرة للتطبيق الذي يبقى صعبا, فدعوته الى تحقيق الشراكة بين اطراف الانتاج صادقة ومضمونها ايجابي من الناحية الكلامية والنظرية, لكن عند التطبيق تكفهر الوجوه, وتسقط الوعود, وتتقاطع المواقف وتتضارب حتى التناقض. فكيف يمكن لوزارة العمل أن ترضي العمال الموعودين برفع مستوى رواتبهم وأجورهم بزيادتها, في الوقت الذي تختنق فيه المؤسسات التي يفترض ان يدفع أصحابها هذه الزيادة فيما بدأ بعضها بصرف العمال جماعياً, وبعضها الآخر طرح الصوت بأنه على وشك الافلاس, فاية شراكة يمكن لوزارة العمل ان تحققها بين الجانبين؟ وعلى أية أسس وقواعد؟ لماذا تكتفي وزارة العمل بالفرجة حيال ذلك الصرف الجماعي الذي حصل منه الكثير منه مؤخراً, وسيحدث اكثر في المرحلة المقبلة؟ يرفض الوزير موسى عبارة (دور المتفرج) , قائلاً: (نحن لانتفرج, لكن يجب ان ندرك أولاً أن أكثر مشكلاتنا ناتجة عن الوضع الاقتصادي الصعب. هذا الظرف الدقيق هو السبب الأساسي في مشكلات الصرف في المؤسسات ــ لكن وزارة العمل تقوم بدور ناشط جداً في الوساطات من أجل تحقيق المصالحة, وحفظ حقوق العمال, في الوقت الذي تتفهم فيه تماماً الأوضاع التي تمر بها المؤسسات. لكننا نسعى الى أن تكون التعويضات ملائمة, في حال عدم التوصل الى توقيف الصرف) . ويردف وزير العمل حول الاسباب التي لم تدفع بالدولة حتى الان الى إعادة صياغة العلاقة بين العمال وأصحاب العمل, فلا تبقى الأمور في اطار مطالبة الفريق الأول بزيادة الاجور بين فترة وأخرى نتيجة ارتفاع الاسعار وغلاء الطبابة والتعليم والسكن, ورفض الفريق الثاني وتهديده بتسليم مفاتيح مؤسسات الى الدولة, فيقول الوزير موسى: ــ (برأيي أن المثل الشعبي الذي يقول أن: (القلة تولد النقار) أي أن قلة المال والحاجة تؤديان الى الخلاف) هو مثل صحيح, فكل ما يحصل على تلك الأصعدة هو من افرازات الضائقة الاقتصادية. لكن يمكن حل المشكلة في ظل علاقة الشراكة بين الفرقاء على ان يكون سقفها القانون والطرق المؤدية اليها تتمثل بالحوار وفق طريقة علمية. فالدولة تتجه الان الى الاهتمام بالشأن الاجتماعي عبر التقديمات التي يمكن توفيرها, وسوف نبلغ وضعية مرضية ومقبولة. وعلينا في لبنان تحسين وضعية التوازن بين ارباب العمل والعمال في ضوء الشراكة, وبمساعدة الدولة التي يجدر بها القيام ببعض التقديمات الاجتماعية. واذا تمكنا من تأمين الضمانات الاساسية للمواطن من طبابة وتعليم وضمان شيخوخة وسكن ونقل مشترك فانني اقدر بأن الازمة تخف كثيرا. بين البطالة وتنظيم سوق العمل لكن الملاحظ ان هناك بونا شاسعا بين لبنان ومسألة وجوب ضمان الشيخوخة, فما هي الاسباب؟ حول هذه النقطة, وبالتالي معاناة شريحة كبيرة من المتقدمين في العمر يوضح وزير العمل النقاط التالية, مؤكدا على اهتمام الحكومة بالامر خاصة من قبل رئيسها الذي سبق ان عمل في سبيل تحقيق ذلك عندما كان وزيرا للعمل, يقول د. موسى يبقى ضمان الشيخوخة هو الغائب الاكبر في الوقت الراهن ففي الضمان الاجتماعي مايسمى (نهاية الخدمة) التي تتحول عبئا على اصحاب العمل ولا تفيد الموظف الذي يحصل على نهاية خدمة متواضعة, فيما يحرم من ضمانه. في الوقت الذي يبدو المطلوب فيه رعاية كل انسان تقدم به العمر, بعد ان يكون قضى ردحا طويلا من عمره في خدمة وطنه ومجتمعه. فالمسن هو عنوان في عناويننا ورمز لكرامتنا كمجتمع وكوطن لذلك يجب معالجة الامر واقرار ضمان الشيخوخة لكن على اسس علمية ودراسة معمقة فلا تأتي القرارات عشوائية, حتى لا يؤثر ذلك على الوضع العام في البلد. لكن في العولمة الى العرف الجماعي نلاحظ ان ذلك يزيد من تفاقم ظاهرة البطالة والتمادي في اساءتها الى الوضع في البلد ايضا؟ يقول الوزير موسى: ان سياسة وزارة العمل تقضي بالحد ما امكن من البطالة وادخال العمال اللبنانيين رقما صعبا في أية معادلة اقتصادية والتشديد على التعاون الدائم والمثمر بين طرفي الانتاج. ان نسبة البطالة في لبنان في الوقت الراهن تبلغ 9% واذا لم نتغاضى عن البطالة المقنعة ترتفع تلك النسبة بالتأكيد لتصل إلى 25% وهي نسبة مقفلة على اقل تقدير, الواقع اليم, ولن تصلحه ابدا حرية السوق, واذا كنا في المقابل لا ننادي بالاقتصاد الموجه, فاننا نؤمن على الاقل بالدراسات العلمية, وبوضع سياسة عمالية واستخدامية, تؤسس لعملية التنمية المنشودة, وتنسجم مع واقع الاقتصاد اللبناني وكيفية نموه والاهداف التي يجب ان يحققها على مستوى الهيكلية والانتاجية والقوى العاملة. لكن المواطن اللبناني لم يلاحظ حتى الان ان الحكومة الحالية تتجه نحو وضع سياسة عمالية تتلاءم مع الواقع الاقتصادي القائم والحاجات التنموية المستقبلية, فلماذا؟ لماذا لم يتم تنظيم سوق العمل حتى الان مثلا؟ يجيب الوزير موسى بقوله: ــ الواقع اننا نسعى من خلال المؤسسة الوطنية للاستخدام لاعطائها الدفع المطلوب بغية تنظيم سوق العمل دراسة وتطبيقا, ومد روابط ثقة بين هذه المؤسسة والمؤسسات الخاصة, على ان تكون تلك المؤسسة هي احد المراجع الصالحة, وان تتمتع بالصدقية الكافية تجاه المؤسسات التي تبغي التوظيف. * ماذا عن العمالة الاجنبية أو الوافدة, ضمن ذلك الاطار؟ ــ يقول وزير العمل مجيبا, لقد اتخذنا قرارا بضبط عمل الاجانب, ونعمل به حاليا, وهو ان يعلن في الصحف, وخلال مدة زمنية معينة, ومحددة بثلاثة اسابيع, عن نوع العمل ضمن شروطه المطلوبة, على ان تكون الافضلية في هذا العمل للمواطن اللبناني, ولكن اذا لم يتوافر فانه يتم الاجازة بالعمل لغير اللبناني. وينهي الوزير موسى كلامه بالاشارة مجددا إلى ان وزارة العمل تسعى لتعزيز الحركة النقابية العمالية, من ضمن القوانين مرعية الاجراء, مستبعدا ان تحصل اية مواجهات بين الحكومة والنقابات واتحاداتها, وفي مقدمتها الاتحاد العمالي العام الذي يرأسه الياس أبورزق. الاتحاد العمالي: موجة مختلفة لكن ذلك الاتحاد العام لا يبدو انه يعمل على الموجة نفسها التي يتحدث عنها وزير العمل, فثمة اختلاف واضح في الطروحات بين الفريقين وان كان الاتحاد حرص, ومازال, على ان يبدي منذ انطلاقة العهد الجديد برئاسة اميل لحود, والحكومة الجديدة برئاسة سليم الحص, قدرا كبيرا من المرونة تحت شعار يقول: (لنعط الحكم والحكومة الفرصة الكافية للعمل, وبعدها يصبح لكل حادث حديث) . و(يترجم) أبو رزق هذا الشعار بلغة نقابية فيقول: (لينفذ المسؤولون مطالبنا, ونحن نعطيهم أكثر من فرصة ليتمكنوا من القيام بذلك والا فاننا سنلجأ الى السلبية من جديد) . * ما هو المطلوب, بالتحديد على أساس انه أكثر الحاحا من سواه؟ ــ أبو رزق: (ان تنفذ الحكومة سبعة مضامين المذكرة المطلبية التي كنا تقدمنا بها قبل أكثر من أربع سنوات, خاصة وانها عبارة عن برنامج يتضمن سياسة الاتحاد العمالي العام, ووجهة نظره في كل القضايا المطروحة. اننا على يقين بأن الحكومة لن تستطيع تحقيق ذلك (بكبسة رز) أو دفعة واحدة, خاصة وان تلك المذكرة تتضمن قضايا حيوية وشاملة تحتاج الى مخططات وسياسة عامة, اي الى وقت ومنها: انشاء المجلس الاقتصادي الاجتماعي ــ تعديل قانون العمل ــ وضع خطة اسكانية. * تحسين المدرسة الرسمية وتعزيزها ــ تطوير الجامعة اللبنانية لكن ما يهمنا بإلحاح الآن هو تصحيح الأجور بنسبة 30% الامر الذي يحقق تحريكا للدورة الاقتصادية, اننا نرفض ان نكتفي بدور رعاية الحوار بين العمال واصحاب العمل حول مطلب رفع الاجور المجمدة منذ ,1996 عنصر الدخل مجمد, فيما باقي العناصر متحررة من القيود, هذا الأمر الذي كان يدخل في صلب أهداف الحكومات السابقة, لا يجب ان يستمر مع الحكومة الحالية) . بيروت ــ وليد زهر الدين