هذه الحضارة والهمجية شوهت رومانسياتنا الرائعة .. فكم انسان قضى نحبه بلسعات الكهرباء, وكم خفتت نجوم كنا نراها اكبر واكثر لمعانا .. ناهيك عن التغير الكبير في المفاهيم والعادات والتقاليد. ومازالت الايام الخوالي - ما قبل الكهرباء - لاتغادر الذاكرة .. ليالي الشتاء وافراد العائلة ملتفون امام وجاق النار, او حول (منقلة) الفحم, والسمر الحلو على ضوء شمعة تتراقص, او فانوس يلقي ظلاله المتموجه هنا وهناك .. بينما المطر يتساقط في الخارج, ومطر الحكايا عن ابي زيد الهلالي وعنترة العبسي تتلقفه الاسماع والعيون التي ينديها البخار المتصاعد من اكواب الشاي. وفي ليالي الصيف, يهبط القمر على سطح الدار مع النسيم الناعم ليجاور المتسامرين, او يحصي خطاهم على الشواطىء, وفي الحقول المنبسطة القريبة. انها الكهرباء اللعينة التي غيرت حياتنا .. ! (نزهة في قارب) ضحك احد شيوخ الشعر في العراق, وهو يحاول ايجاد تفسير لبعض بدائل الكهرباء , فقال: - (استطيع الصعود حتى الطابق الرابع عشر من هذه العمارة الشاهقة, في شارع حيفا, على ضوء شمعة ... شريطة ان يكون المصعد الكهربائي يعمل .. ! بغداد كانت وستظل جميلة, قديما وحتى قبل ابي جعفر المنصور, بقرون عدة, تغنى الناس والشعراء منهم بجمال بغداد .. ولم تكن هناك كهرباء .. !!) والشاعر الشيخ, الرقيق المبدع صاحب هذه الكلمات هو محمود الريفي, الذي مازال رشيق القلم والنكتة والبديهة الحاضرة. يضيف: كنا في السنوات الخالية نعلم تلاميذنا موضوعا في كتاب ( القراءة) عنوانه (نزهة في قارب) .. يخرج الطفل مع والديه في جولة نهرية, وعندما يعودون في المساء, يرى الطفل المدينة مضاءة بانوار غريبة فيصرخ ( ان مدينتنا تحترق) .. ويضحك والداه .. يقولان له (انها الكهرباء) .. وعادت العائلة من نزهة في قارب, ولكن القارب - على مايبدو - هو الآن في نزهة..! شتاء رحيم ونعود الى زمننا الحاضر زمن الحصار .. مع استمرار ايجاد البدائل - مهما كانت بسيطة .. لكل شيء . تبدو كل سنة من (الحصار) اصعب من قبلها, وكان صيف السنة الماضية هو الاشد ايلاما وقساوة .. لمن كتب الله لهم النجاة والبقاء على قيد الحياة بدون عاهة او علة, لان عملية (الشواء) البشري كانت مستمرة ليلا ونهارا لشهور طويلة. ولكن هذا الشتاء جاء رحيما. فماذا يعد العراقيون الآن للصيف المقبل .. ؟ المؤشرات الرسمية تقول ان الطاقة الكهربائية يمكن رفعها, لتصل الى مستوى ما كانت عليه في الصيف الماضي .. هذا وفق التقديرات المتفائلة. ويقول مصدر مسؤول في وزارة الصناعة: - اللجنة 661 اخرت توقيع العقود وتسليم مبالغ المقدمة الى الشركة الصينية المتعاقد معها على معالجة جزء من اشكالات الطاقة, وهذا يعني ان انجاز العمل سيتأخر الى مابعد الصيف المقبل ... في حين لايستطيع الحشد الهندسي الفني, مع الخبراء الروس, انجاز اصلاح محطتين من المحطات الاربع الضخمة والمتعطلة في الناصرية , الا خلال فصل الصيف على اقل تقدير. ان الحديث عن الصيف مأساوي, ولايمكن استباق, الاحداث, فالشتاء الذي كان متوقعا ان يكون شديد البرودة, جاء غير ذلك, ولم تنخفض الحرارة الى مادون الاربع درجات مئوية .. والنفط والغاز السائل متوفران الى حد معقول ... الا ان كلمة (ولكن) تبقى مثيرة للدهشة. (شغل) جامعي في بغداد - العاصمة - يتناوب القطع الكهربائي , ويبلغ احيانا ( في بعض المناطق) 16 - 18 ساعة في اليوم ( والقارب يتنزه في النهر وحده .. !). * يقول محمد صاحب احمد (موظف/ وطالب جامعي مساء). اعمل صباحا وادرس مساء, لان الشهادة في نظري مسألة مهمة .. لقد ادينا امتحانات نصف السنة على ضوء الشموع .. كل طالب يجلب معه شمعة او شمعتين ليؤدي الامتحانات .. اما الاستاذ المشرف (المراقب) فيجلب معه قنينة نفط لملء المدفأة التي تشارك الطلبة في شرائها. * هل كانت امتحانات حقيقية .. ؟ - طبعا, ونحن نقرأ ليلا على ضوء الشموع والفوانيس و (اللالات) .. هذا الثلاثي الذي كتب عنه رئيس تحرير جريدة الزوراء الاسبوعية كلمة تناولت الاحرف الاولى من هذه الآلات الحارقة ( ش. ف. ل.) مع امكانية تغيير اماكن الحروف. * والدوام الصباحي / الوظيفي .. ؟ - ذلك لايهم كثيرا , حتى لوذهبنا نياما, فالكهرباء غيرموجودة غالبا, وآلات الطابعة لاتعمل, والحاسوب ( ضرب الديسك), وما الى ذلك, عندما ينقطع التيار الكهربائي يتوقف العمل تقريبا في معظم دوائر الدولة والمعامل والشركات .. اما الشوارع , فتشهد (حيص بيص) مروريا, لانطفاء اضوية اشارت تنظيم السير, لذلك فان الموظفين والعمال لا يصلون إلى اماكن عملهم في الوقت المحدد. تكنولوجيا التنفس قال محدثنا الشيخ الريفي: ــ عندما انتهت الحرب سنة 1991, وجدنا انفسنا كمن عاد من نزهة في قارب مع فارق ان قاربنا كان يطفو على الجحيم, وكنا آنذاك نستعمل القناني الفارغة التي نضع فيها الفتائل لغرض الانارة, مما ادى إلى تلف الطلاء الداخلي للبيوت, وابتكرنا بدائل للمدافىء الكهربائية, واستعملنا الحطب لغرض الطبخ والتدفئة, كل هذا ممكن لايام وشهور, ولكن مدينة الخمسة ملايين نسمة ذات الكتل الخرسانية الضخمة ليست قرية أو مدينة صغيرة ذات بيوت واطئة تحيط الخضرة بها من كل مكان. اننا نعيش في الزمن الصعب / السهل, الذي يعني فيه حتى التنفس نوعا من التكنولوجيا المعاصرة, والكهرباء هي التكنولوجيا. * وبمناسبة الحديث عن التكنولوجيا, حدثنا احد الاعلاميين قائلا: ـ اصبح الكلام عن انتاج فني, أو متابعة مسلسل تلفزيوني, أو حتى الاعلان عن بضاعة ما, شيئا من التندر, لان احدا لا يعرف متى ينقطع التيار الكهربائي, وان شاهده اليوم فربما لن يشاهد الحلقة التالية في الغد, أو عندما يشاهد فيلما معينا, ويصل معه إلى المواقف الحرجة فان الكهرباء تحسم هذه المواقف فورا, ودون ان يجد البديل في حكايات ابي زيد أو عنترة أو حتى بهلول. تجارة رائجة الانقطاع المستمر في التيار, أوجد تجارات رائجة لاجهزة الانارة النفطية والغازية, وادواتها, في حين شهدت سوق الادوات الكهربائية ما يشبه الكساد, باستثناء سوق المولدات الصغيرة ومتوسطة الحجم والقدرة. * يقول الحاج مهدي عيسى الصباغ: ــ في العديد من الاحياء, ولاسيما في المدن خارج العاصمة (حيث الانقطاع مستمر في التيار الكهربائي منذ سنوات) يشتري احد (المتمكنين) أو مجموعة من المواطنين مولدة كهربائية, تنصب في باحة احد البيوت, وعند انقطاع الكهرباء يتم تشغيل هذه المولدة, وبيع (الفولتيات) إلى البيوت والمحال, حسب الاستعمال والحاجة. هذه التجارة بدأت تنتقل إلى بغداد, وبشكل واسع, بعد ان شملها الانقطاع الكهربائي المستمر, جراء عطل محطات الناصرية وبيجي, بسبب الضغط المكثف عليها, وعدم وجود فرص للصيانة, وانعدام الادوات الاحتياطية. ولكن تجارة الكهرباء (بالتجزئة) هي الاخرى تعاني من مشكلات لا حصر لها, كون المولدات قديمة (بدون اكسباير) , وبدون منشأ واضح, حيث يتم تجميعها من مكائن ذات استخدامات مختلفة, وكذلك فان فترات عطلها تكون احيانا اكثر من فترات عملها وصلاحيتها. عنوان العصر بناء البيت ليس مثل تهديمه, البناء يحتاج إلى شهور وسنين, وإلى تقنيات في الهندسة والتهوية واتجاهات الشمس والريح, وكل ما تراكم من خبرات في هذا المجال. * يقول الدكتور احمد خضر القرغولي: ــ الشاعر يكتب قصيدة في ساعة أو يوم أو اسبوع, والطبيب يصف دواء لمريض في وقت قصير, وكذلك الصحفي, ان ذلك كله لا يعني ان الزمن الذي وضع فيه العمل هو اجمالي الزمن اللازم لانجازه, فالعملية هنا ترتبط بثقة عصور وقراءات سنين واستيعاب متواصل وموهبة, و.. وما اقوله اليوم هو تراكم عصور وأجيال مضافة اليه مقدرتي الشخصية, وكل ذلك ينتهي بصاروخ يسقط على بيتي أو طلقة رخيصة تصيبني. هذا ما يعنيه الحصار, وهذا ما تعنيه الحرب, نحن نوجد بدائل لكل شيء, ولكن كل شىء اصبح مرتبطا بالكهرباء, فهي عنوان العصر, فهل يمكن تبديل العصر؟ لو علمنا .. ولو علموا وفي ذاكرتنا القصيرة الامد تقول المهندسة ذكريات عبدالفتاح ان البناء الشامخ الذي يبدأ خطوة خطوة, من الصعب ان ينهار. * وتضيف: ــ لم تكن الكهرباء موجودة, ولكن ــ حسب رواية والدتي ــ استخدمنا اولا حباب الماء والقلل الفخارية, ثم حافظات البرودة, ثم (جلبيات) الثلج من الشمال, ثم حافظات الثلج, حتى الثلاجة النفطية, في حين كانت طبيعة ومواد البناء تراعي مستويات الحرارة والبرودة ومختلف تقلبات الجو. * ماذا عن الثلاجة النفطية .. ولماذا لا يعاد تصنيعها الان؟ ــ لو كنا نعتقد ان الحصار يدوم سنة أو سنتين أو اكثر, أو لو كانت اليابان أو الصين أو كوريا, مثلا, رأت ذلك, لصنعت ووردت لنا اجهزة, بل معامل لانتاج الثلاجات والتلفزيونات واية اجهزة اخرى تعمل بالطاقة النفطية. * واخيرا .. عاد الطفل ووالداه من (نزهة في قارب) ولكنه لم يصرخ (ان مدينتنا تحترق) , بل استغرب ما رآه, متخيلا اناسا يسكنون في اشباح! مشهد لاحد شوارع بغداد في ظلام القصف