بين جدرانها .. تضج ذكريات الماضي .. قرن من الزمان او يكاد ... تحكي قصة اقداح الشاي الذهبية وكركرات النارجيلة .. وكد المسابح .. نام فيها ادباء وثوار الزمن القديم, وفيها حاكوا خيوط الثورة عام 1941 .. وفيها نضجت الثورة الثانية فوق الشارع الفضي .. شارع الرشيد عندما كانت طائرة (ولنجتون) السوداء تضرب جسر الشهداء المحاذي لسلسلة المقاهي العتيقة ويتساءل البغداديون : (لماذا تضرب الجسر؟) يمدون رؤوسهم الفضية وهم متربعون على كراسي (الخوص) وارائك الخشب الابنوسي, ثم يعودون الى اقداح الشاي ويرشفون ذكرياتهم. هنا سقط الثوار .. وهناك سقط جنود الملك والزعيم .. وجنود الحرب الاخيرة. اي خلط بالاوراق هذا ياحاج ..؟ ينظر الي الشيخ العجوز (ستون عاما) او اكثر تشي بها ندف الثلج على هامة الرجل .. ولد الشيخ اسماعيل صلوح مهدي عام 1926 .. وهو والد لاول شهيد عراقي, مرت هليه حروب العالم العربي مجتمعة لكنه لايزال يجلس حيث جلس اول مرة على الركن الايسر في مقهى الزهاوي عند المدخل .... قال لي: - كان ثوار مايس يجتمعون احيانا هنا, ومثلهم الباشوات والاعيان .. ومن هنا مرت الثورات, قتلوا جنود الملك والملك الذي حمل القرآن قرب الطوب ابو خزامه.. * وما ذلك يا جدي؟ ــ انه اول مدفع غنمه العراقيون من الانجليز في ثورة العشرين, وضعوه على بوابة وزارة الدفاع, في ساحة مدورة محاطة بالزهور وامامه اعدم ثوار مايس على ابواب الوزارة نفسها, ونحن هنا نجلس في المقهى, منا من يخرج لتقصي الانباء ومنا من يجلس مذهولا ويشارك في حلقات الجدل, ومنا من يغلي مع الشاي على مرجل المقهى, وهنا امام هذا المقهي سقط الجنود العراقيون, ارتموا على الشارع عائدين من حفر الباطن, كانت اقدامهم متورمة لطول ما مشوا, عادوا من حفر الباطن مشيا تطاردهم الطائرات الانجليزية, نفسها لكن بثوب اخر. * ماذا تعني؟ ــ كانت طائرات الانجليز تقصف الجسر المحاذي, (أشار باصبعه ناحية جسر الشهداء) الاثرينه ولم نكن نعرف لماذا, وعادت فقصفته مرة اخرى وهي تطير بالكمبيوترات, انهم يستهدفون الشهداء والجسر. * قل لي يا جدي .. هل كنت هنا في هذا المقهي عندما حصدت الدبابات التي ارسلها نوري السعيد (الجسر) ؟ ــ نعم .. كنا جميعا هنا كان الشعراء والثوريون يضجون مثل ضجة الصغار, هتفوا ضد الحكومة ومروا على الجسر, كانوا طلابا وشبابا بعمر الزهور, ارسل نوري السعيد الدبابات فأغلقت الجسر من ناحية وحاصره الجنود من ناحيته الاخرى وفتحوا النار على المتظاهرين منهم من القى بنفسه من على الجسر إلى الماء ومنهم من قتل, ومنهم من تحصن بالجثث, ساد الهرج والمرج وسالت الدماء ورحل شباب مثل سليم الدره, وغيره, نعم اذكر هذا كما اراك الان. * عجبا .. كيف يقولون ان ذاكرة الستين اضعف من ذاكرة طفل رضيع؟ ــ انه المقهى يا ابنتي .. المقهى لو سكت انا لنطقت جدرانه, أنا خارج هذا الجدار لا ذاكرة لي.. * حدثني عن المقهى. ــ للمقاهي تقاليدها فحيث يجلس الاعيان لا يجب ان يجلس العامة, كنا نرى الباشوات ورجال البلد, فنانيها, شعرائها, الزهاوي مثلا ما احب مجلسا الا تحت صورته, متقاعدو الجيش والحكومة يتناقشون ويضجون وتصدح بينهم اقداح الشاي وتقطر المسابح في خيوطها والزمن يحكي قصصا وقصصا, كانت تنطلق من هذا المقهى والبرلمان وحسن عجمي ومقهى خليل, ثورات الشعب ضد الاستعمار والذي قال انها اضحت رمادا .. (كذب, اما يرون ان حجرات الحياة تتوقد تحت هذا الزمان الرمادي, كنا نجلس هاهنا عصرا عندما حمل علينا الانجليز, ارسلوا ثمان وعشرين طائرة ايام المرحوم رشيد عالي الكيلاني, ولم نترك (مقهانا) ومازلنا نجلس هنا منذ ستين عاما, مر علينا الشباب يتأبطون كتبهم أو (مناشيرهم) وبعضهم يحمل تحت معطفه رشاشا, في هذا الشارع تصدوا للزعيم (قاسم) , كان الانجليز يمرون بخيولهم ويضربون الناس ضرب العبيد. على زاوية اخرى ترتفع طاولات مدورة صغيرة انيقة رغم جروح الزمن عليها جلس حولها رجلان.. محمود أحمد وهو موظف سابق في الاذاعة والتلفزيون والآخر محام قديم.. أقصد مسن, قال لي الأول: ــ لقد خرج شعركم الحديث من شقوق خشب هذه الآرائك ولا يخدعك تقوضها اليوم, لقد كانت في الزمن الماضي تزهو بسجاد الكاشان الذي يغطيها وصواني الفضة والنحاس التي يتباهى اصحاب المقاهي بها.. شعراؤكم تعلموا هنا.. تتلمذوا على يد حسين مروان, الزهاوي, السياب, الحيدري وغيرهم كثير ولهذا احتجوا عندما اراد صاحبه تحويله الى مطبعة, وقد سعى المرحوم انور السامرائي حتى اشترته أمانة بغداد وقيل أنه قد يتحول الى مقهى تراثي لان التاريخ الحديث ينز من جدرانه.. يتدلى من أعمدة سقوفه وتشي به سماورات الشاي وتبغ الحاج سلمان داود كندير صاحب المقهى. ومقهى الزهاوي يمتد في العمر أبعد من عام 1930.. سمي بمقهى الزهاوي لان الشاعر المرحوم جميل صدقي الزهاوي كان من رواده.. وكان له مقعد خاص في صدر المقهى ويلتف من حوله الشباب المثقف. وكان المقهى محطة استراحة لكبار الموظفين والمثقفين منهم بصورة خاصة لذا أطلقوا عليه مقهى المثقفين كما يطلقون عليه اليوم إسم مقهى المتقاعدين وهو مثل بقية مقاهي بغداد تشكل فيها قرقرة النارجيله لحنا ممزوجا باحاديث الرواد في مختلف القضايا والمواضيع. على مقربة منه وبانعطافة قصيرة.. تستقبلك مقاهي البلدية, حسن عجمي, البرلمان... والبلدية ضمت كبار الشعراء والوطنيين في خمسينات هذا القرن, وكان ينافسه مقهى البرلمان الذي تحول الى مطعم مع الأسف.. يقول عباس عنبر صاحب مكتب للاعلان: ــ في مقهى البلدية كان صديقي الشاعر المرحوم حسين مروان, وبلند الحيدري, ويؤمه أحيانا المرحوم بدر شاكر السياب, ويدور حديث ذو نكهة تشبه نكهة (الهيل) وعلى باب مقهى الزهاوي الذي كان يجاوره, كان المرحوم (كمر) يستقر بصحفه التي كان يوزعها على المقاهي الخمسة.. لم تكن تباع ولكنها كانت تقرأ وبعشرة فلوس.. كان المقهى ومازال عمدة حياة الفرد هنا, نأتي اليه بلهفة العشاق لنستمع وندلي بدلونا, نثور أحيانا ونضحك أخرى ونصمت إزاء الحدث الجلل ولكن لننطلق من بعدها اكثر قوة.. لقد تسرب العمر منا ليستقر على جدران المقاهي. ــ وحسن عجمي..؟ ما أدراك ايها القارىء بمقهى حسن عجمي.. جلست الى أحد شيوخه عبدالجبار محمود وعلى طاولة صغيرة مستديرة كأنها قطعة خبز مدورة استقر قدح شاي لم أعتد شربه بهذه الطريقه.. ــ فتاة في المقهى..!! تنادى الشيوخ فيما بينهم وأجابهم جليسي انها صحفيه تريد أن ترى حسن عجمي بأبهته. تتصدر المقهى مرآة كبيرة محاطة بإطار ذهبي توحي بأنها كانت قاعة لملك.. لعله ملك المقاهي.. قال الرجل: ــ كان سجاد الكاشان يغطي أرائكه وكان الشاي يقدم بطبق نحاسي أصفر بتقليد بغدادي أصيل كل ما فيه كان يوحي بالذوق الرفيع. وسط المقهى تتدلى من السقف أقفاص البلابل والببغاوات الثلاث التي كانت تتكلم وتحادث رواد المقهى وتناديهم بأسمائهم.. ويقال ان الوصي (عبدالإله) أخذ احدهم. وكان صاحب المقهى يضع الى جانبه كل يوم (شدة ورد) ... انها امتداد متصل بتقاليد العصر العباسي, نوافذه, رواده.. كان هناك راديو قديم ما زالت صورته في ذاكرتي.. اذكره.. منذ الثلاثينات.. يتجمع الناس حوله ليستمعوا بشغف, وبعد انتظار شديد, للملا (عبود الكرخي) عندما يلقي قصيدة فقد كان له وقعه في النفوس البغدادية.. كان الشاعر (محمد صالح بحر العلوم) رحمه الله يجلس على جهة هناك لوحده فلم يكن يحب الاحتكاك بالناس.. اذكر انه من أمام حسن عجمي مر فجر ذات يوم من أيام عام 1949 بدر شاكر السياب في عربة الخيل موقوفا مع سريره وفراشه وحقيبته فقد جاؤوا به من سجن الرمادي محمولا فتذكرته عندما خرج قبلها بعام.. كان نحيفا وفقيرا ويبدو مهموما فسألته ما بك يا أستاذ؟ أجابني... (بردان) .. مات الرجل ولم يتسلل الدفء الى قلبه أو جسده. هنا في حسن عجمي ــ والحديث ما زال للرجل ــ مرت احداث 1941 وأحداث 1952 وعام 1956... وعندما انطلق الشارع العراقي برمته متظاهرا ليشارك في معركة بورسعيد.. كنا وكأننا في وسط المعركة وكنا نشعر كأننا جزء من مصر.. ومن أغرب المقاهي في بغداد كان مقهى القلعة.. سمي كذلك لأنه كان قديما يقدم القهوة للزبائن دون الشاي.. دخل الشاي للمقاهي في فترة متأخرة نسبيا ومع ان القهوة اختفت من مقاهي هذه الايام الا القليل والنادر فما زال الناس يطلقون عليها اسم المقهى. سرح الحاج رجب سعيد سلمان بفكره وهو يحدثني عن هذا المقهى, قال: ــ كنت صغيراً عندما كان والدي المرحوم الحاج سعيد سلمان الحديثي يحدثني عن قهوة القلعة التي كانت تتصل بباب القلعة القديمة وتسمى ايضاً قهوة السيد بكر, حيث كان هذا المقهى غريبا عجيبا بما يضمه من بشر فهو يضم هواة الطيور وجماعة كبيرة من البكم, وفيه زاوية تضم جماعة من هواة مناطحة الاكباش والخراف والغنم وزاوية اخرى تضم زمرة من هواة ممارسة الدبكة (الكسار) وهكذا ترى هذا المقهى يحوي كل اصناف الناس وكل صنف يتكلم بلغته الخاصة .. فالخرس يستخدمون بينهم الاشارات المعهودة فلا تسمع منهم شيئاً كأنهم نذروا للرحمن صوماً واذا اعترض معترض من مطلقي اللسان على احدهم تراهم يجتمعون ويتحدثون بالاشارات لينصفوا اصحابهم. اما هواة الطيور فتراهم اذا دخلوا المقهى فلا يحلو لهم مجلس الا بالمفاخرة بطيورهم وابراز صفاتها وغالباً ما ينتهي النقاش بحدوث مشادة كلامية ويعلو الصياح.. كذلك حال مرتادي المقهى.. .. قال لي القهوجي.. شاي عمو.. نظرت الى ساعتي, لم اشعر بالزمن الذي مر.. منذ الصباح حتى ما بعد الظهر.. حكايات الزمن القديم.. الزمن الذي لا يصدأ يمر علينا صباحاً عبر (هيل) في قدح زجاجي جميل.. وعيون الحياة مبثوثة في كل زقاق او شارع في حسن عجمي.. البرلمان.. البلدية.. الزهاوي. حيث تلتم بغداد بصوبيها الكرخ والرصافة وحيث نرشف عبر ذراع النارجيلة ذكريات الزمن البعيد.. حكايات البطولة والشعر.. هناك رأيت الشاعر يرتشف شايه ويردد للزاجلات: عيون المها بين الرصافة والجسر.. جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري..