فجر اختطاف واعتقال عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني, قضية أكراد تركيا باتساع خارطة العالم, ووضع الدولة التركية في قفص الاتهام الدولي, وعلق في رقبة الحكومة التركية جرسي انتهاك حقوق الانسان والأقليات العرقية . وأسقطت العملية السرية لاختطاف أوجلان من نيروبي الى تركيا, ورقة التوت عن الاتحاد الأوروبي, والشرعية الدولية. ووضع أوجلان وهو في زنزانة سجن اميرالي ببحر مرمرة قضية الشعب الكردي على رأس الأجندة الدولية, وبدأ يكتسب لقب المناضل الأفريقي نيلسون مانديلا, كإشارة لبدء مشوار النجاح الكردي لانتزاع حقهم في تقرير المصير. فقد انفجرت قضية الأكراد في أوروبا بانفجار قضية أوجلان علنيا في 12 نوفمبر الماضي عندما ظهر الزعيم الكردي فجأة في روما, متأملا ان يحصل على دعم من رئيس الحكومة الايطالية ماسيمو داليما. وجاء ذلك نتيجة خطأ في تقييمه لتطور اليسار الايطالي. ولم تنجح مذكرتا التوقيف الصادرتان بحق أوجلان من قبل تركيا وألمانيا لأن الزعيم الكردي سرعان ما استبقهما في طلب اللجوء السياسي. وتحت ضغوطات التظاهرات الكردية في أوروبا رفضت الحكومة الايطالية تسليم أوجلان الى السلطات التركية الا انها رفضت منحه اللجوء السياسي. ألمانيا تراجعت عن طلبها في مذكرة التوقيف لأنها سرعان ما أدركت خطورة الموقف اذ يعيش على اراضيها قرابة مليوني تركي, من بينهم 400 ألف كردي, وبذلك تخلت عن طلبها. وهكذا تتحول قضية أوجلان الى مادة للنقاش والجدل بين المستشار الألماني جيرهارد شرويدر ورئيس الوزراء الايطالي ماسيمو داليما. وفي هذه الفترة أثيرت قضية عقد مؤتمر عالمي حول القضية الكردية في أوروبا. واقترح رئيس المجلس الايطالي انشاء محكمة دولية لمحاكمة أوجلان الا ان هذين المشروعين فشلا. وأخفق أوجلان في ان يصبح مثل ياسر عرفات ناطقا باسم شعبه, لأن صفة الارهابي لصقت به كما يلصق الجلد باللحم. وفي بداية شهر فبراير, فشل أوجلان في سعيه للذهاب الى هولندا وتقديم قضية شعبه الكردي الى محكمة لاهاي, ولكن دون نجاح. وفي 4 فبراير استعدت بلجيكا لمنع طائرة كان يشك بأنها تحمل على متنها أوجلان. واشنطن طلبت من الدول الأوروبية استقبال الزعيم الكردي ولكن اخضاعه الى المحكمة. وحتى الدنمارك, التي اشتهرت باستقبالها للأكراد أعلنت هي الأخرى رفضها استقبال أوجلان. وهكذا ضاقت الحلقة حول الزعيم الكردي, محاولا الحصول على دعم اليونان. وفي 9 فبراير طلب ستة نواب برلمانيين يونايين اللجوء السياسي لأوجلان, ولكن دون فائدة, ما قاد الزعيم الكردي الى نيروبي حيث كان الفخ التركي ينتظره. منذ أعوام عديدة, حاول الزعيم الكردي ان يحقق هدفين في صراعه, الأول هو اطلاق شعبية القضية الكردية في أوروبا, والثاني طرح نفسه كوسيط بين حزبه (العمال الكردستاني) وبين تركيا وبين أوروبا. واستطاع ان ينجح في تحقيق هدفه الأول الا انه أخفق في تحقيق الهدف الثاني. لكنه نجح في ان يجعل من نشاط حزبه حدثا يوميا في عموم أوروبا. كما ان لهذا الحزب ممثلين نشطين يعملون في أوروبا منذ سنوات, من خلال الروابط والجمعيات والمؤسسات الأخرى. وكان الزعيم الكردي قادرا على تعبئة بضعة ملايين من أنصاره خلال ساعات معدودة في العواصم الأوروبية, وكذلك تعبئة بضعة آلاف من أنصاره خلال يوم واحد. وتمكن أوجلان ان يبدأ طريق المفاوضات لإيجاد حل سياسي الى القضية الكردية التي تمزق تركيا منذ عام 1923, كما نجح في تحريك الرأي العام الأوروبي, وعلى الخصوص في الاشهر الأخيرة, رغم الصاق شتى النعوت به مثل (الارهابي الأكثر دموية في العالم) وغيرها. ومن النجاحات التي حققها أوجلان في مسألة تحريك السياسة الأوروبية ان برلمان الباسك المحلي جذب انتباه كل من مدريد وأنقرة الى ضرورة استضافة ــ نظيره ــ (البرلمان الكردي في المنفى) في شهر مايو المقبل. لابد من الاشارة الى أن أوروبا والولايات المتحدة, الحلفاء المتميزين لأنقرة, ليس في نيتهم التعبئة من أجل (كردستان) كما فعلوا من أجل كوسوفو. والتعامل الأوروبي مع الزعيم الكردي كشف عن القناع المزيف لادعاءات حقوق الانسان, وكما يقول إيبرهارد شولز, أحد محامي أوجلان: (ان عملية ايقاف أوجلان ما هي الا كارثة سياسية وانسانية, ونحن نتوقع الأسوأ...). وحتى في سجنه فإن أوجلان يسبب مشكلة الى أنقرة, اذ ان تصفيته تحوله الى شهيد وسجنه يحوله الى نوع من نيلسون مانديلا الأكراد. وكل هذا لن يهدي مئات الآلاف من الأكراد المقيمين في عموم أوروبا. المخابرات الألمانية قدرت عدد الأعضاء في الحزب العمالي الكردستاني بــ 11 ألف عضو في ألمانيا لوحدها. وبهذا فقد ضيعت أوروبا فرصة ذهبية في فرض شروطها على تركيا من أجل ان تضع حدا لمشكلة الأكراد التي طالما أثارتها في المنابر الاعلامية. وهكذا فإن الاتحاد الأوروبي خاض أول تجربة من نوعها في مواجهة هذه المشكلة التي أثبتت خلافات أعضائه وافتقاره الى الموقف المنسجم المتوزان, وتمكنت المشكلة الكردية ان تضع أوروبا السياسية في موضع الشك والريبة. وأمام الاتحاد الأوروبي الكثير من التحديات, وخصوصا في الوقت الحالي, فهل يتمكن الاتحاد الأوروبي ان يتخذ موقفا صارما وموحدا ازاء تركيا ويرغمها على اجراء محاكمة عادلة. ان هذه القضية التي تجري احداثها في قلب أووبا تأخذ بعدا رمزيا في صميم العلاقات المتنافرة بين الاتحاد الأوروبي وبين تركيا, ولابد لهذا الاتحاد ان يعي ضرورة ايجاد حل للقضية الكردية, وآنذاك بأماكن الاتحاد الأوروبي ان يبرر وجوده السياسي القوي سواء بين الدول الضعيفة أم بين الدول القوية. باريس ــ شاكر نوري