بعد مرور أسبوعين على رحيل العاهل الأردني الملك حسين وانتقال السلطة بسلاسة, ووسط التفاف جماهيري فإن كل التوقعات حول القيادة الهاشمية وتجديد البيعة للملك عبدالله بن الحسين تتجه أنظار كل الأردنيين إلى الخطوات المرتقبة التي ينوي الملك الجديد القيام بها في اطار مسألة التجديد والمراجعة الشاملة التي تحدث عنها المغفور له الملك حسين قبل وفاته بأيام . الملك عبدالله أكد انه سيستمر على نهج والده ولذلك آثر التريث قبل اتخاذ اي قرارات بشأن التغييرات لقناعته بأن مسألة التجديد والمراجعة تحتاج الى مزيد من الحوار والهدوء وعدم الاندفاع والتسرع كما نقل عنه بعض المقربين منه. ويجيىء التريث حسب رأي المراقبين لأن كل خطوط المراجعة الشاملة وتقاصيها وما قد يتخذ من قرارات لرسم المستقبل الأردني ستكون مرصودة ومقروءة ومحسوبة بدقة متناهية من قبل الداخل والخارج ناهيك عن امكانية تحملها فوق ما تحتمل من ايماءات ومؤشرات ولعل أول ما يأخذه الأردن بعين الاعتبار هو دخوله على امتداد الأيام الماضية في تجربة نادرة خضع خلالها لحزمة من الأضواء حيث الاهتمام الدولي غير المسبوق والالتفاف العربي الملفت للانتباه. ونجح الأردن بشهادة الجميع باجتياز التجربة الأولى وكشف من خلالها عن بعض انجازاته ونجاحاته على أكثر من صعيد لذلك فهو يحتاج عند دخول التجربة الثانية اي التغيير لجهود أكبر. وتوقيت التغييرات يكاد يكون حرجا للأردن ليس من جهة اعتباره تأسيسا لانطلاقة جديدة فحسب بل لجهة الظروف التي تمر بها المنطقة سواء على صعيد التسوية السياسية أو المسألة العراقية أو الظروف التي تواجه الأمة العربية الأمر الذي يستدعي البحث عن صيغ متوازنة للتعامل مع هذه الظروف. أما الاعتبار الثاني الذي تأخذه القيادة الأردنية بعين الاعتبار فهو ترتيب البيت الأردني وإعادة النظر في تدعيم المسيرة الديمقراطية أصبح مسألة لا تنتظر التأجيل لطمأنه المواطن الأردني على مستقبله. المعارضة الوطنية الأردنية عبرت ازاء الكثير من القضايا التي تعرضت لها الساحة الأردنية عن حرصها التام على الأردن لدرجة يمكن اعتبارها جبهة مناصرة لا جبهة معارضة خاصة في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به الأردن. والفضل في ذلك يعود الى قدرة القيادة الأردنية منذ البداية على التعامل مع هذه المعارضة بمنطق الحوار والتفاهم بعيدا عن سياسات التضاد والشد والاستئصال. فعلى الصعيد الداخلي تدعو المعارضة الى ضرورة الاعتراف بطاقة الاردن وتحديد دوره تبعاً لذلك دون ان يحمل نفسه اعباء تفوق قدرته اما وقد اثبتت الايام الماضية ان للاردن وضعاً جغرافياً وسياسياً مهما فان المعارضة تدعو الى التعامل مع ذلك بدقة وحذر وتيسيره لخدمة الاجندة الاردنية وليس على حساب اي من التزاماتها وتوجهاتها الثابتة والابتعاد عن دائرة التجاذبات او صياغة معادلات مصالح مؤقتة قد تخدم الاردن في الوقت الراهن ولكنها ستحمله الكثير من الاعباء في المدى البعيد ومن هنا فإن المعارضة تطالب بجهد وطني وقراءة صحيحة وهادئة لمجمل الظروف والتغيرات. وتدعو هذه القوى الى ترسيخ دور المؤسسات وضخ دماء الديمقراطية في شرايينها وتوسيع الاصلاحات الادارية والتشريعية لتمكين الجميع من المشاركة اضافة الى معالجة الوضع الاقتصادي وتوفير الارادة السياسية الحقيقية للتخفيف من مظاهر الفساد والبيروقراطية والشللية (الانتفاعية) ومنح الكفاءات الاردنية فرصة المساهمة في بناء الدولة واعطاء القطاع الخاص دوراً اكبر وفق رؤية مدروسة تعيد الثقة بمؤسسات المجتمع المدني وتجعلها اكثر قدرة على الحركة والعمل. وترى المعارضة ان تغيير المواقع واستبدال الاشخاص لن يكون كافياً اذا لم يكن متوازياً مع برنامج وطني شامل يستهدف الاصلاح السياسي والاجتماعي والاعلامي والاقتصادي. ولعل من اولويات هذا البرنامج الدعوة الى انتخابات مبكرة تضع حداً لازمة المقاطعة وتفتح صفحة جديدة من المشاركة الوطنية الشاملة. اما فيما يتعلق بالصعيد الخارجي فتركز هذه التصورات على عدة مفاصل منها ضرورة اعادة النظر في التعامل مع اسرائيل وفق رؤية تعتمد مصلحة الاردن اولاً وثانياً وثالثاً من جهة الحفاظ على هويته واستقلاله ومنع اي اختراق قد يواجهه وتحصيل اكبر ثمن ممكن جراء ما دفعه الاردن من استحقاقات لتأكيد الامن والاستقرار الاقليميين وهنا ايضاً الدعوة الى استعادة الاردن لدوره العربي وتمتين علاقاته مع دائرته العربية والاسلامية وتأييد سياساته الثابتة في عدم التدخل في شؤون الآخرين. وترى المعارضة انه لتحقيق ذلك لا بد من تشكيل مطبخ سياسي اردني تساهم فيه نخبة من الخبرات الاردنية المسؤولة ويكون بمثابة خلية للعمل ومركز للتحليل السياسي يقدم لصانع القرار وتتخذه حصيلة القرارات والاستنتاجات والاستشرافات التي تتمخض عنها الاحداث او توصي بها لتمكينه من التعامل مع كافة المتغيرات واتخاذ ما يناسبها من قرارات بعلم وادراك وتوازن. عمان ــ خليل خرمة