عبور التاريخ من مرحلة الى اخرى لايكون مفاجئا.. بل تراكميا عبر سنوات تبدأ باشارات التمهيد والترويض السياسي والاقتصادي ومن ثم تهيئة المناخات الاجتماعية لقبول العبور الى المرحلة الجديدة . وقدرنا ان نشهد استعداد العالم لعبور (العولمة) .. ربما فوق اجسادنا واحلامنا.. وربما يصيبنا من هذا العبور قبس من فائدة حسب انقسام المفكرين والمنظرين العرب لكلا الرؤيتين. لكن كل مرحلة تاريخية جديدة هي غير منفصلة تماما عن التي سبقتها وتحمل سماتها وبالتالي فإن عبورنا الى العولمة لن يكون آمنا في ظل مرحلة نعيشها راهنا في غاية السوء من النواحي الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية. فلا قاعدة انتاجية اقتصادية قادرة على اسنادنا في مواجهة العولمة القادمة ولا اطر سياسية توحيدية قادرة على تشكيل قوة اقليمية يحسب لها حساب في عالم القطب الواحد المصرعلى انتزاع خصوصية الامم وفرض العولمة.. ولامجتمعات لدينا انتهت من مرحلة الصراعات الداخلية واعتماد الحوار الحضاري اسلوبا لحل الخلافات لابنادق الارهاب. العولمة بما هي اداة جديدة للرأسمالية تفتت من خلالها الكيانات السياسية ــ الاقتصادية لكافة شعوب الارض تمشي نحونا عبر مخططات تصوغها حاضنة الرأسمال العالمي الاولى الولايات المتحدة يجري تنفيذها تدريجيا دون انتباه كاف لها من قبلنا. فيما يلي نعرض نماذج ورؤى عربية في العولمة وفي النظام الاقتصادي العالمي الذي يهدينا هامش خسارة اقل. الطريق الثالث ... هل تهزم الرأسمالية والاشتراكية معاً؟ خمسة من الكتاب والاقتصاديين والسياسيين في مصر انشغلوا على هامش معرض القاهرة الأخير للكتاب باخضاع النظامين الرأسمالي والاشتراكي لمحك التطورات وتغير الواقع ومستجداته, بهدف استجلاء أي منهما يصلح للصمود في وجه القرن المقبل وطغيانه على النظام الآخر. بعض من هؤلاء المفكرين تمسك بالرأسمالية مع قليل من التعديل بإضافة المزيد من الديمقراطية لهذا النظام. وبعض آخر تمسك بالاشتراكية لكن ليس على النمط الستاليني, وبإضافة المزيد من الديمقراطية أيضاً. غير ان آخرين رأوا ان المستقبل لطريق ثالثة تحمل ايجابيات النظامين دون مسبباته ويدللون على ذلك بنماذج معاشة بدأت ظهورها في الوصول لسدة الحكم في دول أوروبية بينها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا. الرأسمالية هي الحل يسلم الدكتور أحمد الغندور استاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية, بأن الرأسمالية هي طريق المستقبل الوحيد بالنسبة لمصر والدول النامية وفي ظل التحولات في اقتصاد رأسمالي عالمي له خصائص معينة لا تستطيع الدول النامية ولا المتقدمة تغييرها, ويقول الدكتور الغندور هذه القدرات والسمات الجديدة للاقتصاد العالمي في ظل العولمة لابد من التسليم بها كأحد المعطيات ويكون معيار النجاح أو الفشل في القدرة على تحقيق أقصى منفعة ممكنة في ظل هذا الاطار ووفق أهداف معينة تتبناها الدولة الوطنية في مواجهة هذه العولمة, وأهم السمات الجديدة للاقتصاد العالمي هو ان الشركات المتعددة الجنسية تتقاسم السلطة مع الدول المتقدمة وبخاصة امريكا التي اصبحت القطب الأوحد في الاقتصاد العالمي. وأضاف: اذا اردنا ان نتحول الى نظام رأسمالي فسيكون التحول في ظل هذا الاطار العالمي, الذي ستأخذ فيه الشركات المتقدمة دورا شبيها بدور الدولة في تحديد السياسات المالية والنقدية وغيرها, فاذا كانت القضية هي التحول الرأسمالي في مصر, واذا اتفقنا على ان النظام الرأسمالي هوالنظام الرأسمالي الغربي فان طريق المستقبل يجب ان يأخذ ابعاد التطور الاقتصادي في اوروبا الغربية وأن يبدأ من حيث انتهى واضعا في الاعتبار عدة نقاط وهي: أولا: وجود نظام ديمقراطي على نمط النظام الغربي بما يتفق مع التطور الحضاري وتعديله. لكن التحفظ الخاص بالتراث لا يعني ترك النمط الغربي, فهذا النظام الديمقراطي ـ الكلام للدكتور الغندور ـ ضرورة للنظام الاقتصادي في نهاية الامر, لأنه يسمح بالمواجهة السلمية بين جماعات الضغط المختلفة في المجتمع مثل رجال الاعمال والعمال وكبار الملاك الزراعيين وغيرهم, حيث يوفر هذا النظام الديمقراطي نوعا من الرقابة الذاتية تقوم بها جماعات الضغط المختلفة فتراقب كل قوة القوة الاخرى وتكون الدولة بمثابة الحكم بين القوى الاقتصادية المختلفة عندما تعبر عن نفسها من خلال قنوات سياسية شفافة وديمقراطية. ثانيا: ان تدخل الدولة في ظل النظام الرأسمالي في جوانبه المختلفة سياسيا واجتماعيا امر ضروري لأن الدولة هي الحكم والتي توزع ثمار العملية الاقتصادية بين الفئات المختلفة ويجب ان يكون تدخل الدولة في ظل رقابة شعبية حقيقية. ثالثا: ضرورة تدخل الدولة في جميع الشؤون الاقتصادية مثل تحديد سعر الفائدة ونسبة التضخم الاقتصادية. يضيف الغندور: ولكن هذا لا يكفي في الدول النامية فالدولة يجب ان تتدخل في جميع جوانب الاقتصاد القومي لتحديد المصلحة القومية: عليها ان تطلب من الشركات المتعددة الجنسية ان يكون التصنيع في مصر, وان تتدخل لدعم الشركات الوطنية وتدعيم قوى الانتاج في الداخل, فليس صحيحا ان اتفاقية الجات تلزمنا ان نترك الحبل على الغارب للشركات متعددة الجنسية, بل انها اعطت الحكومة حق تدعيم الشركات الوطنية عن طريق تدعيم مزايا العمال, وليس صحيحا ان الجات ستؤدي الى تدمير الصناعات الوطنية, لكنها يمكن ان تدمرها اذا لم تقم الدولة بواجبها في تدعيم صناعاتها حتى تواجه العولمة, اذن فالنظام الديمقراطي وتدخل الدولة دعامتان اساسيتان هدفهما تحقيق توازن بين الطبقات المختلفة داخل الدولة وهذا شرط اساسي للسلام الاجتماعي. لا للنظامين واذا كان الدكتور احمد الغندور قد انتهى الى ان الرأسمالية هي الحل فان الدكتور ايمن نور (عضو مجلس الشعب) يشكك في هذه الطريقة باعتبار الرأسمالية الجديدة تنزع الى الاحتكار وهي مثقلة بمشكلات جسيمة وان سقوط الاتحاد السوفييتي لا يعني الانتصار النهائي للرأسمالية وان هناك طريق ثالثة يمزج بين الرأسمالية والاشتراكية بدأت ملامحها تتشكل الآن في العالم بقوة. ويطرح ايمن نور الاسئلة ويجيب عليها مباشرة يقول (الاشتراكية كقيم ومبادئ مثل الحرية والعدل الاجتماعي مازالت عملة قابلة للتداول, والقيم لا تسقط وغير قابلة للتواري اما مقولة ان سقوط الاتحاد السوفييتي يعني انتصارا ابديا للنظام الاقتصادي الرأسمالي فهو مقولة مشكوك فيها فالانتصار ليس للنظام الاقتصادي الرأسمالي ولكن للنظم السياسية ذات الطابع الرأسمالي (الليبرالية) والقيم التي قامت من اجلها, لكن الرأسمالية كنظام اقتصادي تمر بأزمات كارثية ممتدة في العالم من اليابان الى روسيا الى البرازيل وهناك ازمة يمر بها النظام الرأسمالي لا تقل عن الكساد العظيم وهناك هيمنة وقمع لحرية المستهلك, ففي الطور الاخير للرأسمالية كانت هناك 103 شركات تصنع السيارات في العالم اصبحت الآن 19 شركة بعد الاندماجات الاخيرة وهذا يؤثر على حرية المستهلك وشركات الطيران التي انخفضت الى النصف عما كانت عليه عام ,1980 والعولمة أحدثت كوارث كبرى ستؤثر على اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى فما بالك باقتصاديات الدول النامية. يتابع: هناك طريق ثالثة بدأت ملامحها في اوروبا وامريكا في اتجاه فكري اكاديمي له ادبيات وابحاث وندوات ومؤتمرات. الطريقة الثالثة هي مفترق بين الاشتراكية والرأسمالية هي توفيق بينهما, ويسميها الدكتور ايمن نور الديمقراطية الاشتراكية, ويستشهد بعدد من المفكرين يعبدون هذا الطريق وباعادة حزب العمال الى السلطة في انجلترا بل وجود حزب ينافس توني بلير ينتهج هذا المنهج الاوسط. يقول: ونحن نستطيع الوصول من خلال هذه التوجهات الجديدة الموجودة في العالم الى شق طريقنا فالطريق مفتوحة امام رؤية توفيقية تحقق توازنا يجعلنا نتفادى الكثير من نقاط القصور التي ظهرت في التطبيق الاشتراكي ونتفادى في الوقت ذاته كوارث الطريق الرأسمالية. الدكتورة هالة مصطفى رئيس وحدة البحوث السياسية بالاهرام ترى ان المسألة محسومة للرأسمالية فهي طريق المستقبل ولا فائدة في الجدل الدائر حول حتمية الرأسمالية فليست هناك خيارات كبيرة مطروحة امامنا, فضلا عن ان الرأسمالية اثبتت انها النظام القادر على مواجهة تحديات كثيرة جدا وانها قادرة في الوقت ذاته على تقديم حلول انسانية لانها ارتبطت بالمذهب الليبرالي الذي يعلي من قيمة الحرية وقيمة الفرد ويسعى الى تعظيم سعادة الانسان. فضلا عن ارتباطها بحقوق الانسان وصيغة مثالية في الحكم هي الديمقراطية, لهذا السبب ـ تقول هالة مصطفى ـ انا اتحيز للنموذج الرأسمالي, ولكن عن أي رأسمالية نتحدث, قبل ان تجيب هالة مصطفى تستعرض تاريخ تطور النظام الرأسمالي, ففي القرن الـ 18 ارتبطت الثورة الصناعية (في اوروبا طبعا) بتعظيم الملكية وتحبيذ عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لكن أزمة الكساد العالمي أدت الى تطورات جديدة حيث ظهرت النظرية الكينزية في الثلاثينات وانبثقت عنها سياسات تهدف الى اعادة تقييم دور الدولة وتحبيذ تدخلها بمجموعة من السياسات المالية والنقدية وضبط الاداء الاقتصادي. وظهر ذلك ايضا في امريكا مع حكم روزفلت.. وهكذا وبالتالي فإن الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها. أما الآن وفي ظل العولمة وما آلت اليه التطورات الرأسمالية لا يوجد مانع من تدخل الدولة في الاقتصاد لحماية الطبقات الفقيرة وتوزيع ثمار التنمية شرط الا يؤدي هذا التدخل الي اي مساس بالملكية الخاصة لوسائل الانتاج ولا يؤدي الى اي تأميم فالطريق الى المستقبل كما تراه هالة مصطفى هو الطريق الرأسمالية بعد تجديدها بتدخل الدولة لتحسين شبكات الامان الاجتماعي. اشتراكية لاستالينية حسين عبدالرازق مساعد رئيس حزب التجمع ورئيس تحرير مجلة (اليسار) يسير على الآراء السابقة ويرى ان الاشتراكية هي طريق المستقبل وانها آتية لا ريب فيها وله على ذلك شواهد وادلة. وهي اي نظام اجتماعي له هدف اساسي وهو اشباع الحاجات الاساسية وتوفير فرص متساوية امام الجميع حتى لا يكون الفقر المدقع ارثا امام الغنى الفاحش. ويشكك حسين عبدالرازق في النظام الرأسمالي كلية ويرى ان مقولاته عن حرية النشاط الاقتصادي والحريات السياسية وحق التعبير كلها مقولات لم تتحقق. فالرأسمالية في عصر الثورة الصناعية تمسكت بالنظام الاقتصادي واهملت الجانب السياسي في الليبرالية الذي لم يتحقق الا بتضحيات كبيرة, ويمكن اعتبار الرأسمالية في مرحلتها الاولى ثورة حققت انجازات كبيرة لكن الشرور التي انتجتها لا يمكن غض الطرف عنها فقد تعرض الملايين من العمال والنساء لاستغلال بشع. وخلفت الرأسمالية في تلك المرحلة صراعا ضاريا على الاسواق الخارجية ادى الى حربين عالميتين وادى الى ظاهرة الاستعمار ونهب وتدمير الشعوب المستعمرة, وفي اي ازمة كانت تمر بها الرأسمالية كانت تتخلى فورا عن الديمقراطية وليست الفاشية والنازية والمكارثية الا نتاجا للرأسمالية. اما المرحلة الثانية للرأسمالية يضيف حسين عبدالرازق وهي مرحلة تهذيب الرأسمالية بعد الحربين العالميتين والكساد الكبير فقد شهدت تطورا في الانتاج والنظام النقدي لكنها كانت نتاجا لظروف اجبرت النظام الرأسمالي على السير في هذا الطريق. فقد واجه هذا النظام تحديا كبيرا بظهور الاشتراكية والاتحاد السوفييتي دفعه الى هذه الاصلاحات. اما المرحلة الثالثة مرحلاة مابعد سقوط الاتحاد السوفييتي والتي تسمى بالليبرالية الجديدة فلا يمكن تسميتها الا بالليبرالية المتوحشة وهي لا تطرح غير شعارات الخصخصة وتحرير التجارة وتوقف تدخل الدولة نهائيا والعدول بشكل كامل عن دولة الرفاه وتخلي الدولة عن دورها في الاسكان والصحة والتعليم والبطالة وكافة شبكات الامان الاجتماعي هذه الرأسمالية الجديدة تتجه نحو ثراء لا مثيل له وفقر ليس له مثيل, ففي العالم اليوم 358 مليارديرا يمتلكون ثروة يساوي ما يملكه ملياران ونصف انسان. وفي العالم اليوم الف مليون انسان يعيشون في فقر مطلق وتنتشر البطالة حتي فى اوروبا بشكل مرعب. ويرى عبدالرازق ان الرأسمالية ليست حلا على الاطلاق لكن الحل في الطريق الاشتراكي ولكن ليس بالشكل الذي كان مطبقا في الاتحاد السوفييتي والذي يفتقر الى الديمقراطية فكان فيه مقتله ويرى ان العالم يسير الآن نحو اليسار ويستشهد على ذلك بفوز اليسار في الانتخابات الاوروبية الاخيرة فإيطاليا محكومة بحزب ديمقراطي لليسار ويسار الحزب الديمقراطي المسيحي وجماعات الخضر وبريطانيا حقق فيها حزب العمال انتصارا وفرنسا تحالف فيها الحزب الاشتراكي والشيوعي واليسار هو الذي فاز في المانيا. الطريق الثالثة... على الدرب اما محمود المراغي نائب رئيس تحرير (روز اليوسف) فقد ركز حديثه حول التطورات الراهنة في النظام الرأسمالي وابرزها تركز الثروة في جانب منه وانتشار الفقر في الجانب الآخر وازمة هذا النظام التي بدأت في شرق آسيا وامتدت منها الى انحاء العالم فهذا النظام مع التقدم العلمي اصبح منتجا لكمية رهيبة من السلع تفوق حاجة المستهلك مما ادى الى ركود وهزات اقتصادية وكوارث. واستعرض المراغي انماط النمو كما وردت في البرنامج الانمائي للأمم المتحدة فقد ساد نمط من النمو الردىء الذي لا يستفيد منه الفقراء والذي يؤدي الى تزايد الدخل في جانب الاثرياء وتزايد البطالة في جانب الفقراء. كما ساد في ظل العولمة نمط آخر للنمو هو (النمو بلا جذور) وهو نوع من النمو الذي يتخلى عن الهوية الثقافية وهناك ايضا نمو بلا مستقبل. ويقول محمود المراغي انا اميل الى فكرة الطريق الثالث. ونحن في مصر بحاجة الى رفع معيشة الناس وتقليل البطالة. ولست ادري لماذا تخلت مصر عن التخطيط المركزي واخذت باقتصاد السوق. واستشهد المراغي بعدد من شركات القطاع العام التي تربح ارباحا كبيرة ويتم نقلها الى القطاع الخاص رغم انها ناجحة ويشكك المراغي في جدوى السياسة الاقتصادية التي تسترشد بوصفات صندوق النقد والبنك الدولي ويرى انها ضارة وغير مفيدة ولن تؤدي الى حلول ذات قيمة للمشكلات الاقتصادية المتفاقمة.